تتجلى عبقرية المكان في الهضبة الإيرانية بصفتها نقطة ارتكاز حضارية، حيث تلتقي العناصر الثقافية القادمة من سهوب آسيا الوسطى وجبالها مع التدفقات الثقافية المنبعثة من قلب الجزيرة العربية والشام. خلقت هذه المجاورة الجغرافية نمطًا موسيقيًا يحمل في أساسه فلسفة التوحيد الإسلامي وتجريده، ويحتفظ في الوقت ذاته بصدى التراتيل الزرادشتية القديمة. تمثل إيران في هذا المشهد حلقة الوصل المفقودة التي تفسر انتقال السلم الموسيقي وتطوره عبر الحقب، فهي التي منحت العالم الإسلامي مفكريه الكبار مثل الفارابي وابن سينا، الذين وضعوا القواعد الفلسفية التي بنيت عليها الموسيقى العربية والتركية والإيرانية على حد سواء، ما يجعل دراسة الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية المعاصرة اليوم ضرورة لفهم المآلات التي وصلت إليها الموسيقى في الشرق الأوسط ككل، خاصة حين واجهت رياح التحديث القادمة من أوروبا بدءًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
أيضًا، تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تتتبع مسار حنجرة شرقية تحاول النطق بلكنة أوركسترالية دون أن تفقد نبرتها الأصيلة. ما يجعل من التجربة الإيرانية نموذجًا هامًا لفهم كيفية تفاعل الموسيقى الشرقية مع الهيمنة الجمالية للغرب، حيث تجلّت هذه العلاقة في صورة حوار معقد بين نظامين جماليين، يسعى أحدهما إلى تثبيت اللحظة في مدونة موسيقية صارمة، بينما يميل الآخر إلى حرية الحركة على درجات حال الوجد ومقام الارتجال.
تتجاوز العلاقة الثقافية بين إيران والعالم الغربي حدود التأثر التقني بالآلات أو النظريات، لتدخل في صلب التساؤل عن الهوية الثقافية، حيث نظرت النخب الموسيقية الإيرانية إلى الصيغ الكلاسيكية الغربية كنموذج لطموحات الدولة في تحديث الفن، ورأت في السيمفونية والكونشرتو أدوات قادرة على توظيف الرديف التقليدي ووضعه في سياق عابر للحدود؛ في الحقبة التي شهدت بلورة مفهوم الدولة القومية الحديثة.
ثانيًا: المشهد العام لمشروع تحديث الموسيقى الإيرانية
تمثل هذه المرحلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين المخاض العسير لولادة صيغة موسيقية هجينة تحاول إكساب القوالب الكلاسيكية الغربية درجة من المرونة، كي تقدر على احتواء تدفق المقامات الإيرانية التقليدية المعروفة بالـ رديف. انطلقت شرارة هذا التحول مع تزايد الاحتكاك الدبلوماسي والثقافي بين الدولة القاجارية وأوروبا، إذ سعى ناصر الدين شاه قاجار، الذي حكم البلاد بين عامي ١٨٤٨ و١٨٩٦، إلى تحديث ثقافة الدولة، فكانت الموسيقى العسكرية هي البوابة التي عبرت منها النوتة الموسيقية والآلات النحاسية والوترية الغربية إلى قلب طهران.
تجلى هذا التوجه رسميًا بإنشاء دار الفنون (هنرستان) في عام ١٨٥١، والتي ضمت قسمًا خاصًا للموسيقى العسكرية، حيث استدعت الحكومة الخبير الفرنسي ألفرد جان باتيست لومير (١٨٤٢ – ١٩٠٧) ليتولى مَهمة تدريس النظريات الموسيقية الغربية وتدريب الفرق الموسيقية الملكية، فوضع لومير أولى لبنات تدوين الموسيقى الإيرانية باستخدام السلم الموسيقي الغربي، محاولًا مواءمة الألحان المحلية مع الهارمونية البسيطة، ما أدى إلى ظهور أول نشيد وطني إيراني بصيغة الأوركسترا العسكرية. بذلك أصبحت دار الفنون مختبرًا أوليًا لاستراتيجيات دمج النسيج الموسيقيّ الإيراني-الشرقي مع القوالب الغربية، وهي عملية معقدة، يتطلب كل منعطف فيها تضحية معينة، تارةً بعنصر موسيقي محلي، وتارة بتطويع محدود للشكل الغربي.
غير أن مطلع القرن العشرين قد شهد تحولًا نوعيًا تجاوز مجرد المحاكاة العسكرية بفضل جهود الموسيقي الرائد علي نقي وزيري (١٨٨٧ – ١٩٧٩)، الذي تمثل جهوده المتنوعة بحق أساس التحديث الموسيقي الإيراني، إذ عاد من دراسته في ألمانيا وفرنسا محملًا برؤية فلسفية وتقنية تهدف إلى تجديد الموسيقى الإيرانية.
أسس وزيري معهد الموسيقى العالي في عام ١٩٢٣، وأدخل لأول مرة دراسة ربع التون المقنن ضمن نسق نظري يسمح بتدوين الموسيقى الإيرانية بصورة منضبطة، كما ابتكر علامتي الـ سوري والـ كورون لضبط المسافات الموسيقية الخاصة بالشرق ضمن السلم الغربي. قاد وزيري معركة فكرية لإثبات أن الموسيقى الإيرانية تعترف بالتعدد الصوتي (البوليفونية)، كما آمن بإمكانية دمج آلات من مصادر ثقافية مختلفة، فأنشأ أول أوركسترا ضمت آلات التار والسنطور إلى جانب الكمان والتشيللو. كما وضع مؤلفات صبغت القوالبَ الغربية بروح المقامات الفارسية، ما فتح المجال أمام جيل من التلاميذ، الذين رأوا في الموسيقى الغربية أداة لصقل التراث، لا لطمسه أو تعكير “نقائه”.
تزامنت هذه الجهود مع سعي الحكومة آنذاك لتوحيد نظام التعليم (وهو مما يدخل في تعريف الدولة الحديثة مفهوميًا)، ومنه التعليم الموسيقي، فبدأت المؤسسة التعليمية تفرض معايير صارمة في تعليم الموسيقى، تعتمد على المناهج الأوروبية، ما أدى إلى ظهور انقسام نقدي بين المحافظين المتمسكين بالتقاليد الشفهية وبين الحداثيين الموجهين أنظارهم نحو الغرب.
استمر الزخم المؤسسي في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، وهو الإطار الجدلي، الذي سمح بظهور أسماء لامعة صاغت أهم ملامح الموسيقى الإيرانية المعاصرة، مثل غلام حسين منباشيان (١٩٠٧ – ١٩٨٠) الذي تولى قيادة الأوركسترا وعمل على توسيع نطاق انتشار ثقافة الموسيقى الكلاسيكية الغربية في الأوساط النخبوية. تبع ذلك ظهور المؤلف المجدد برفيز محمود (١٩١٠ – ١٩٩٦)، الذي نادى بضرورة التخلي عن البنية التكرارية للرديف التقليدي لصالح التأليف السيمفوني، فكانت أعماله بمثابة نقلة نحو الحداثة الموسيقية، التي تعيد صوغ اللحن الشعبي بنيويًا.
في ذات السياق برز مرتضى حنانة (١٩٢٣ – ١٩٨٩) كواحد من أعمق المنظرين تأثيرًا، حيث سعى من خلال أبحاثه وكتبه إلى إيجاد هارمونية خاصة تنبع من صلب المسافات الإيرانية الميكروتونالية، نائيًا بنفسه عن تعصب القواعد الأكاديمية الغربية؛ الأمر الكفيل بتحويلها إلى قواعد جامدة، لا تغفل خصوصية النغم الشرقي فحسب؛ إذ تحجب كذلك تفرد التجربة في إبداع أي فنان. عمليًا، جاء جهده في موسيقى الأفلام وتأليفه للقطع الأوركسترالية ليمثل محاولة جادة نقدية لترجمة المفاهيم الغربية تقنيًا وجعلها تنطق بلسان فارسي.
توجت هذه المسيرة في الستينات والسبعينات بظهور جيل جديد استفاد من البعثات الدراسية إلى أوروبا وأمريكا، منهم أمين الله حسين (١٩٠٥ – ١٩٨٣) الذي حقق شهرة عالمية بمؤلفاته، التي دمجت الروح الشرقي في قالب الرومانسية المتأخرة (رومانسية رحمانينوف وسيبيليوس والانطباعيين الفرنسيين كديبوسي ورافل)، وهرمز فرهت (١٩٢٨ – ٢٠٢١) الذي قدم دراسات أكاديمية رصينة في الموسيقى الإيرانية مبينًا بصورة عملية أن تحديث التعليم الموسيقي، وإن اقتدى في بدايته بمناهج أجنبية، يمكّننا من تأسيس فهم أعمق للموسيقى الإيرانية نفسها في سياق النقد الموسيقيّ المعاصر.
هذا بينما أدى مهرجان فنون شيراز، الذي انطلق في عام ١٩٦٧، دورًا أساسيًا في ربط الموسيقيين الإيرانيين بالطليعة الموسيقية الغربية، حيث استضاف مؤلفين مثل إيانيكس زيناكيس وكارل هاينز شتوكهاوزن، ما ألهم مؤلفين إيرانيين مثل علي رضا مشايخي (١٩٤٠ – ؟) بابتكار أساليب موسيقية تجريبية ومعقدة تكسر التقليد المعهود في كل من الموسيقى الشرقية والغربية. يمثل مشايخي، الذي يعتبر الأب الروحي للموسيقى المعاصرة في إيران اليوم، إعلانًا عمليًا للاحتجاج ضد التنميط الجمالي، حيث أسس أوركسترا الموسيقى الجديدة وطور أسلوبًا يسمى بموسيقى الميتا-إكس، باحثًا عن وحدة جوهرية بين الفلسفة الفارسية وبين التقنيات الموسيقية الغربية؛ ما يثبت أن الحداثة في الموسيقى الإيرانية كانت في جوهرها تحولًا عضويًا لا مجرّد استيراد، قادتها مؤسسات تعليمية راسخة ورؤى فنية فردية طموحة، استطاعت أن تضع موسيقاها بكفاءة في سياق أوسع.
أحدثت الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ زلزالًا بنيويًا أعاد رسم الخارطة الثقافية للبلاد، حيث انكسرت تلك الموجة التغريبية العاتية أمام صخرة الأيديولوجيا الجديدة التي رأت في الموسيقى الغربية، وحتى في بعض الأشكال التقليدية الصرفة، صدى لثقافة الاستهلاك أو أدوات للغزو الثقافي الذي يجب تطهير الوجدان القومي منه في تصور سياسي-اجتماعي شمولي.
فرضت المرحلة الانتقالية صمتًا اختياريًا أحيانًا وقسريًا في الأحيان الأخرى، فتوقفت عجلة الأوركسترا السيمفونية عن الدوران لسنوات، وتحولت المعاهد الموسيقية إلى ساحات للمراجعة الفكرية، ما أدى إلى هجرة واسعة للنخب الموسيقية التي تلقت تعليمها سابقًا في الغرب، فتشظت التجربة الموسيقية الإيرانية بين داخلٍ يحاول إثبات مشروعية النغم عبر قوالب الأناشيد الثورية والموسيقى الحربية إبان حرب الخليج الأولى (١٩٨٠ – ١٩٨٨)، وبين شتاتٍ في أوروبا وأمريكا يواصل بناء صرحه الموسيقي بعيدًا عن الرقابة المؤسسية، لكنْ دون فرصة العمل في مشروع قومي جمعي.
حدثت المفاجأة التاريخية حين استعادت الصيغ الكلاسيكية هيبتها في أتون تلك الحرب تحديدًا، إذ وجد النظام الإيراني الجديد في صرامة الأداء الأوركسترالي وضخامة الصوت السيمفوني وسيلة فعالة لتجسيد الملحمة الوطنية، فبرزت أعمال تمزج بين الآلات التقليدية والآلات الغربية لخدمة النص الديني والثوري.
عاد مجمع الفنون في طهران يمور بمحاولات التوفيق بين الحداثة التقنية والملامح الأيديولوجية، فظهر جيل من المؤلفين الذين تعلموا الصمود الفني داخل الحصار، وطوروا أساليب موسيقية تتسم بالشجن العميق والتأمل الروحي، مبتعدين عن الصخب التجريبي الذي ميز حقبة السبعينات في العالم كله. أسفر هذا التحول عن ولادة نوع من الموسيقى السيمفونية التي تلتزم بالهوية الوطنية كدرع واقٍ (ضد الرقابة)، ما جعل التأليف الموسيقي الإيراني في مرحلة ما بعد الثورة يتسم بجدية مفرطة وميل نحو الصياغات التراجيدية التي تعكس آلام المجتمع وتحولاته الكبرى. هكذا تحولت الموسيقى الإيرانية في هذا الطور الأحدث من نموّها إلى بيان شعوري بلا كلمات عن حالة وطن يحاول استعادة وقفته على قدميه بين خصوصية الأرض وعالمية السماء.
ثالثًا: أهم ملامح الموسيقى الإيرانية في سياق التحديث
تمثل منظومة الرديف حجر الزاوية في المعمار الموسيقي الإيراني، فهي مخزن للذاكرة الجمعية والهوية الروحية التي اتصلت عبر القرون، حيث تتألف هذه المنظومة من مجموعة معقدة من النماذج اللحنية القصيرة المعروفة بالـ گوشه، والتي تنتظم ضمن اثني عشر نظامًا مقاميًا رئيسًا يطلق عليها الـ دستگاه والـ آواز. يستند الرديف في أصله إلى التقليد الشفهي الذي ينتقل من الأستاذ إلى التلميذ عبر التلقين المباشر، ما يمنحه مرونة فائقة وقدرة على التلون وفقًا لحال العازف ولحظة التجلي الإبداعي، إلا أن موجة التحديث التي ارتفعت أواخر القرن التاسع عشر فرضت ضرورة تدوين هذا التراث المتشظي وحصره في قوالب ثابتة، فبدأت المحاولات الأولى لفرز هذه الألحان وتصنيفها تمهيدًا لإخضاعها لقوانين المدونة الموسيقية الغربية، ما أدى إلى تحول الرديف من كائن عاطفي غير مادي يحيا في صدور العازفين إلى مادة أكاديمية متجسدة ذات تشريح محدد قابل للتحليل والتدريس وفق معايير موضوعية وضرورية لبناء موسيقى أوركسترالية تتطلب دقة عالية في التوقيت والتوافق الجماعي.
تتجلى في الـ دستگاه النظرة الوجودية لدى الإنسان الإيراني، حيث يمثل كل نظام منها عالمًا شعوريًا متكاملًا يتراوح بين الحزن الراقي والبهجة الصوفية، فيمثّل دستگاه شور أمّ المقامات الإيرانية وأكثرها شيوعًا، ويتميز بنبرة من الشجن الوجداني الذي يعكس آلام التاريخ وانكساراته، بينما يبرز دستگاه ماهور كصيغة تقترب في فواصلها من السلم الكبير الغربي، ما جعله البوابة المفضلة للمؤلفين الساعين لدمج الألحان الفارسية في قوالب مثل السيمفونية والكونشرتو وغيرهما.
واجهت عملية التحديث تحديًا بنيويًا عند محاولة نقل أبعاد هذه المقامات إلى الآلات الغربية، خاصة تلك التي تعتمد على النظام المعدل ، حيث تحتوي الموسيقى الإيرانية على مسافات صوتية لا يمكن حصرها في أنصاف النغمات، إذ تتطلب وجود ربع التون أو ما يعرف بالـ سوري والـ كورون. أدى هذا التباين إلى ظهور مدرستين في التحديث؛ سعت الأولى لتطويع الآلات الغربية مثل الكمان والتشيللو لتعزف هذه المسافات الدقيقة عبر تغيير تقنيات العزف، والثانية فضلت تعديل الألحان الإيرانية لتتوافق مع الهارمونية الغربية، وهو ما خلق لغة موسيقية جديدة على الطرفين، تتسم بقدر أكبر من الثراء اللحني والتركيب البنائي، محولةً لحن المقام من كونه خطًا لحنيًا مركزيًا مناسب للغناء إلى نسيج بوليفوني تتعدد فيه الطبقات والتآلفات، ويسمح بالاشتقاقات والإنماءات.
تعتمد الموسيقى الإيرانية الأصيلة في جوهرها على مبدأ الارتجال المنظم، حيث يتخطى دور العازف حدود الأداء الميكانيكي، ليرقى إلى مرتبة الخالق للحظة اللحنية انطلاقًا من هيكل الـ گوشه المحفوظ؛ وهذا ما يطلق عليه بديهه سرایي، وهي ممارسة تمنح الموسيقى طابعًا شخصيًا وحميميًا وتُظهِر فردية العازف وميله الجمالي. اصطدم هذا التوجه الارتجالي بصرامة التأليف الأوركسترالي الذي يستلزم تقيدًا أكبر بكثير – وإنْ كان غير مطلَق – بالمدونة الموسيقية لضمان وحدة الحركة بين عشرات العازفين، فكان على المحدثين ابتكار صيغ توفيقية تسمح بهامش من الحرية للعازف المنفرد داخل الهيكل السيمفوني.
أدى هذا التوجه إلى ظهور أعمال مثل الرابسودية الفارسية واللوحات السيمفونية التي تستلهم تيمات شعبية من جهة الموضوع الدرامي أو تيمات لحنية وتعيد صياغتها برؤية حداثية، يُحتفَظ فيها بروح الارتجال عبر المقاطع المنفردة (الكادنزا) التي تُمنح لآلات مثل التار أو السنطور، بينما تتولى الأوركسترا مهمة توفير الغطاء الهارموني والإيقاعي الثري، الذي يضفي صبغة ملحمية على اللحن الأساسي. بذلك تحول الارتجال من كونه غاية في حد ذاته أو مركز العمل إلى عنصر بنائي يخدم الهيكل الكلي للعمل السيمفوني. هذا التعديل في القوالب هو ما افتقدناه نسبيًا في حالة الموسيقى اليونانية في القوالب الكلاسيكية.
يبرز البعد الإيقاعي كواحد من أكثر العناصر تعرضًا للتجديد في مسيرة التحديث، فالموسيقى الإيرانية التقليدية تنقسم من جهة الإيقاع إلى نوعين: الأول هو الـ آواز المرسل الذي يخلو من نبض إيقاعي منتظم ويعتمد على النفَس الطبيعي للجملة الشعرية، والثاني هو الـ تصنيف أو الـ رنك الذي يلتزم بضروب إيقاعية محددة.
وجدت المحاولات التحديثية صعوبة بالغة في تدوين الـ آواز بسبب سيولته وانفلاته من قوانين المازورة الموسيقية التناظرية، فعمد المؤلفون إلى استخدام الـ روباتو الغربي كمعادل تقني لمحاكاة هذا التحرر الإيقاعي، بينما جرى استثمار الإيقاعات المركبة التي يتميز بها التراث الإيراني والشرقي عمومًا، مثل إيقاع ٥/٨ أو ٧/٨، لبناء تراكيب إيقاعية أوركسترالية تتسم بالحيوية وتوحي بالاندفاع. ساهم هذا المزج في كسر رتابة الإيقاع التناظري السائد في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، ما منح المؤلفات الإيرانية المعاصرة خاصية إيقاعية فريدة تجذب الأذن الغربية بفضل غرابتها وقوتها التعبيرية، دون التضحية بالتعقيد الشكلي، مع محافظتها في الوقت ذاته على صلتها بالرقصات الشعبية والموسيقى الصوفية الإيرانية.
لعبت الآلات الموسيقية دور البطولة في مشهد التحول هذا، حيث تعرضت الآلات التقليدية لعمليات تطوير تقني لتمكينها من مجاراة الصوت الأوركسترالي بالغ الثراء، فأُضيفَت أوتار جديدة لآلة التار لزيادة حجم الرنين، وعُدِّلَت أطوال آلات النفخ الخشبية لتتوافق مبدئيًا مع الطبقات الصوتية الستة الأساسية في الموسيقى الكلاسيكية الغربية. في المقابل شهدت بعض الآلات الغربية عملية “فرسنة” إن جاز التعبير، حيث أصبح الكمان في يد العازفين الإيرانيين ينطق بلهجة مقامية لا عوج فيها، باستخدام تقنيات الـ زحلقة والـ تريل المميِّزة للموسيقى الشرقية. كما تحول البيانو على يد موسيقيين مثل مرتضى محجوبي إلى آلة ميكروتونالية عبر إعادة ضبط أوتاره لتلائم المقامات الفارسية، ما خلق مزيجًا صوتيًا يجمع بين رصانة الآلة الغربية وكثافة اللحن الشرقي.
تنبني جماليات الموسيقى الإيرانية المحدثة على مفهوم الوحدة في التنوع، وهو مفهوم مستمد من الأدب والتصوف الفارسيين، حيث يجري بناء العمل الموسيقي الكبير انطلاقًا من خلية لحنية صغيرة (الگوشه) تخضع لعمليات تطوير وتغيير مستمرة تشبه نمو أنواع مختلفة من النبات تُروَى بماءٍ واحد. يختلف هذا جوهريًا عن المنهج الغربي التقليدي الذي يعتمد على الصراع بشكل أساسي بين تيمتين لحنيتين متباينتين كما في صيغة الصوناتا، التي عادة ما تحتل موضع الحركة الأولى لكل من السيمفونية والكونشرتو والصوناتا.
سعى المؤلفون الإيرانيون إلى دمج هاتين البنيتين، فاستخدموا تقنيات الكُنترابنط لتطوير الألحان المقامية، ما أدى إلى ظهور أعمال سيمفونية تتميز بكثافة درامية عالية دون أن تفقد طابعها الغنائي تمامًا. يعكس هذا التوجه وعيًا نقديًا إبداعيًا بأن الموسيقى الإيرانية التقليدية مادة حية قابلة – بشروط معينة – للنمو والتشكل في أشهر القوالب الغربية. بذلك تحولت الموسيقى من كونها تعبيرًا عن لحظة شعورية عابرة إلى مشروع ثقافي-فني يسعى لتفسير العالم ومواجهة أسئلة الحداثة، ما جعل لدراسة هذه المعالم ضرورة لفهم المسار المعقد الذي سلكته الثقافة الإيرانية الحديثة في بحثها عن مكانة تحت شمس العولمة الموسيقية والثقافية.
تتسم الموسيقى الفارسية الأصيلة في طورها المحدث بميل واضح نحو التعبير عن الفضاءات الميتافيزيقية والرمزية، حيث تستلهم الألحان صورها من الشعر الكلاسيكي لفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، ما يمنح المؤلفات الأوركسترالية بعدًا فلسفيًا يتجاوز المتعة السمعية. تصبح الجملة الموسيقية في هذا السياق معادلًا بصريًا للزخرفة الفارسية (المنمنمات أو المينياتور)، حيث تتداخل الخطوط اللحنية بدقة متناهية لتشكل لوحة صوتية تعج بالتفاصيل الدقيقة والظلال اللونية، وهذا ما حاول المؤلفون المعاصرون نقله إلى الأوركسترا عبر استخدام توزيع يتسم بالرهافة والشفافية، مبتعدين عن القعقعة الآلية الجوفاء لصالح التعبير عن ضمير النفس الإنسانية.
أثمرت هذه الجهود عن ولادة مدرسة تأليفية إيرانية تتميز بخصوصية حقيقية، بعيدًا عن ثنائية التراث والحداثة، لتصنع لنفسها أفقًا ثالثًا، يعتمد على تمتعه بخصائص تأليفية عبر استيعابه النقدي لشتى التناقضات.
رابعًا: دور المرأة والسينما في التحول الموسيقي الإيراني
تتشابك أصابع المرأة الإيرانية مع أوتار التحول الموسيقي بصفتها الحارس الخفي للذاكرة بين جدران البيوت؛ حيث مثلت الأنوثة في الوجدان الفارسي تلك النوتة الغائبة أحيانًا، التي جاءت بعض أفكار الحداثة الثقافية في صالحها بعيدًا عن المؤسسات الرسمية أحيانًا وفي قلبها أحيانًا أخرى. من جهة أخرى تحتل مسألة مساهمة النساء في المجتمع كمًا وكيفًا موضعًا هامًا في أكثر النظريات المؤسسة لمفهوم الحداثة نفسه، باعتبار أن هناك تناسبًا طرديًا متوقعًا بين تلك المساهمة وبين درجة الحداثة، التي بلغها المجتمع.
انطلقت رحلة التحرر الصوتي للمرأة الإيرانية مع بزوغ شمس القرن العشرين، حين حاولت التقاليد أن تمنع الصوت النسائي، فبرزت المطربة الموهوبة قمر الملوك وزيري (١٨٩٤ – ١٩٥٩). إلى جانب جمال الصوت واتساع طبقاته، تمثلت ندرة موهبتها في فهمها النظري لمتطلبات مشروع تحديث الموسيقى من تقنيات الغناء، وقدرتها على أداء ذلك عمليًا بكفاءة. إذ طوعت الحنجرة الإيرانية لتؤدي ألحانًا تتسم بتركيبات غريبة عن المألوف، ممهدة الطريق لظهور جيل من العازفات اللواتي تلقين تعليمهن في دار الفنون. يمكن القول إنها مثال على استنكاف المرأة الشرقية أحيانًا من انحسار دورها في صورة موضوع الفن الذي يبدعه رجل، لتكون صاحبة مشروع فني ممتد، ما يذكرنا – مع الفارق طبعًا – بأم كلثوم.
بشكل أساسي تركزت إسهامات المرأة في مشروع تحديث الموسيقى بإيران من خلال انخراطها في التعليم الأكاديمي، حيث برزت أسماء مثل ليلى أفشار (١٩٥٨ – ؟) التي طوعت الجيتار الكلاسيكي ليعزف ربع التون الإيراني. سعت المؤلفات الإيرانيات إلى استكشاف عالم التأليف الأوركسترالي الذي ظل حكرًا على الرجال لعقود، فظهرت مؤلَّفات تعكس رؤية المرأة من زاويتها الاجتماعية للعالم. تجاوز هذا الدور حدود الأداء والتأليف، وامتد ليشمل القيادة الأوركسترالية، حيث واجهت المرأة تحديات مضاعفة لإثبات جدارتها في توجيه الكتل الصوتية الجسيمة.
فرضت تحولات ما بعد ١٩٧٩ واقعًا جديدًا، حيث تحول الصوت النسائي المنفرد إلى مقدس ممنوع في الفضاء العام، إلا أن هذا المنع عجز عن قتل الإبداع وإنما أعاد توجيهه نحو مسارات أكثر عمقًا وتركيبًا؛ فبدلاً من الغناء اتجهت النساء نحو إتقان تعلم العزف والتأليف الأوركسترالي والتدريس الأكاديمي، ليصبحن مكوِّنًا أساسيًا للأوركسترا وفرق الموسيقى الجديدة. تحولت المرأة في هذه المرحلة من مؤدية إلى منظرة ومؤلفة، فظهرت أعمال سيمفونية لمؤلفات شابات يعشن في الداخل والخارج، يعالجن من خلالها قضايا الهوية والحرية والاغتراب، مستخدمات لغة موسيقية معاصرة تتكئ على إرث وزيري ومحمود وحنانة، لكنها تضيف إليه لمسة من التجدد الجمالي الذي يرى فيما وراء القوالب المعقدة أساليبَ بديلة للتعبير. هي سمة واسعة الانتشار في إبداعات النساء الفنية في الموسيقى وغيرها من الفنون؛ ففي الأدب مثلًا تميل الأديبات إلى فنون السرد (الرواية والقصة مثلًا) أكثر من ميلهن للشعر، الذي يتمتع بقوالب محددة، وإذا كتبن الشعر، فهن يبتعدن في الغالب عن الشعر الموزون (العمودي والتفعيلة) ويفضلن قصيدة النثر المتحررة من قواعد العَروض والقوافي.
على صعيد السينما، أصبحت صالاتها هي القاعة السيمفونية الكبرى التي أدخلت الموسيقى الكلاسيكية والمبتكرات الهارمونية إلى كل بيت، مخلِّصةً إياها إلى حد ما من السمة النخبوية التي غالبًا ما تحجب هذا الفن. لعبت الموسيقى التصويرية دورًا محوريًا في نشر الصيغ الغربية الممزوجة بالروح الفارسية. برز مرتضى حنانة (١٩٢٣ – ١٩٨٩) كمهندس لهذا التحول، إذ وظف خبرته العميقة في الهارمونية البوليفونية لخدمة المشهد السينمائي، خاصة في أعماله التلفزيونية والسينمائية الكبرى مثل هزاردستان، حيث كانت الموسيقى شخصية درامية، ما جعل الأذن الشعبية تألف سماع الآلات الوترية والنحاسية وهي تشدو بألحان مستمدة من صلب الرديف التقليدي.
ساهمت الموجة الجديدة في السينما الإيرانية، التي انطلقت بقوة في الستينات والسبعينات، في منح المؤلفين الموسيقيين مختبرًا مفتوحًا للتجريب، حيث تلاقت رؤى مخرجين مثل داريوش مهرجويي وعباس كيارستمي مع عبقرية مؤلفين مثل هرمز فرهت وأحمد بجمان (١٩٣٥ – ؟). صاغ هؤلاء المؤلفون تراكيبًا بصرية صوتية تتجاوز الحوار، مستلهمين من الموسيقى الكلاسيكية الغربية قدرتها على بناء الصراع الدرامي، ومن الموسيقى الإيرانية قدرتها على الإثراء اللحني والزخرفة الدقيقة. خلقت السينما نوعًا من “المواطنة الموسيقية”؛ حيث أصبح المواطن العادي يتفاعل مع توزيعات موسيقية معقدة دون أن يدرك أنها نتاج عمليات صهر تقنية وتاريخية معقدة متراكمة. تحول الفيلم إلى قاعة عزف افتراضية للموسيقى الإيرانية المحدثة، يمكنها أن تتحرك وأن تسافر، إذ نَقل عبر المهرجانات الدولية صدى الأوركسترا الإيرانية إلى أصقاع الأرض.
استمر هذا الأثر وتعاظم في مرحلة ما بعد الثورة، حيث برز حسين علي زادِه (١٩٥١ – ؟) كمجدد استثنائي استطاع توظيف آلات التار والستار داخل النسيج الأوركسترالي في موسيقى الأفلام، كما في أعماله لسينما علي حاتمي ومجيد مجيدي. أحدث علي زادِه ثورة في مفهوم الموسيقى التصويرية بجعلها عملًا فنيًا قائمًا بذاته، يمكن سماعه في قاعات الحفلات كسيمفونيات مصغرة تعكس آلام وآمال الشعب الإيراني. في هذا السياق قدم مجيد انتظامي (١٩٤٨ – ؟) مؤلفات ملحمية للسينما الحربية والدرامية، مستخدمًا ألحانًا أوركسترالية جياشة غنائية تذكرنا بأعمال كبار المؤلفين الروس، لكنها مشبّعة بواقع التجربة الإيرانية الاجتماعية والسياسية والفنية، ما جعل الموسيقى التصويرية في إيران الحاضنة الكبرى للتأليف السيمفوني من جهة اتساع نطاق جمهورها، ومن جهة كونها المجال الذي سمح للمؤلفين بالإفلات من قيود الرقابة أو نقص التمويل.
خامسًا: الاستثمار المزدوج: الموسيقى الإلكترونية والتجريبية الإيرانية
ينبثق من قلب الحداثة الإيرانية المعاصرة تيار تجريبي يقدم استثمارًا مزدوجًا: استثمار منجز الموسيقى الإيرانية ذات القوالب الكلاسيكية كمادة خام للمعالجة الإلكترونية، واستثمار الفضاء التجريبي في تأليف يبتعد عن يد الرقابة ويتجاوز معضلة نقص التمويل المؤسسي الضخم الذي تتطلبه الموسيقى السيمفونية.
يمثلُ هذا التحول الامتداد الطبيعي لمشروع التحديث الذي بدأ في مدرسة دار الفنون، لكنه يستبدل بصرامة الأوركسترا السيمفونية مرونة الخوارزميات، محولًا الهضبة الإيرانية إلى منصة كبرى للتجارب الصوتية التي تمزج بين بيئة الرديف الأليفة وبين غرابة الأصوات الصناعية. يتصدر علي رضا مشايخي (١٩٤٠ – ؟) هذا المشهد بصفته الأب الروحي للموسيقى الطليعية في إيران؛ فإلى جانب تطويعه الآلات الغربية، اقتحم عالم الموسيقى الإلكترونية منذ عقود، مبتكرًا فلسفة موسيقية تهدف إلى تفتيت المركزية الجمالية الغربية عبر ما يسميه بموسيقى الميتا-إكس، التي تتجاوز الحدود الثقافية لتصهر التراث الفارسي مع الأصوات المولدة حاسوبيًا.
تتلاقح في هذا الفضاء التجريبي أصداء السنطور مع تردد المذبذِبات الإلكترونية ، حيث يعمد المؤلفون الشباب إلى استخلاص الجينات اللحنية للمقامات الفارسية وإعادة حقنها في أنسجة حية من موسيقى المحيطة وموسيقى الضجيج. يكسر هذا الجيل الجديد، الذي نشأ في ظل الانفتاح الرقمي، العزلة التي فرضتها الظروف السياسية، فتظهر أعمال تعتمد على تفكيك بنية الـ گوشه التقليدية وإعادة تركيبها في فضاءات صوتية ثلاثية الأبعاد، ما يمنح المستمع تجربة تيهٍ صوفي وسط كونٍ غريب من الترددات الرقمية. يشكل هذا التوجه حركة فنية ذات بعد اجتماعي يتبلور أساسًا حول فرضية ذات وجاهة عمومًا، هي أن الإبداع التجريبي على الهامش الذي لا يؤمن بوحدة مشروع فني قومي، يحافظ على أصالة الفنان الفردية، ويقيه اعتماده التدريجي على الجمهور والمؤسسة معًا. إن العزلة والمواجد التي كانت تمارَس في الخلوات الصوفية وجدت لها معادلًا موضوعيًا في غرف الإنتاج المنزلي والعروض التجريبية التي تحتضنها طهران في زواياها الخفية.
يشكلُ مهرجان سِت في طهران منصةً حيوية لهذا التحول، حيث يلتقي المؤلفون الإيرانيون بزملائهم من الغرب في حوارٍ يعتمدُ على الـ جليتش والارتجال الإلكتروني، ما يعيدُ للأذهان زخم مهرجان شيراز للفنون في السبعينات لكن برؤية فنية بعيدة عن الرعاية الرسمية المباشرة. يبرز في هذا السياق فنانون مثل سياوش أميني الذي ينسج لوحات صوتية مدلهمة تحاكي المشهد الطبيعي والنفسي لإيران، مستخرِجًا تقنيات الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة ليصبها في قوالب إلكترونية معقدة تتسمُ بكثافة درامية تذكرنا بتراجيديات الشاهنامه.
كما تظهر إسهامات مبتكَرة لمؤلفين يدمجون الموسيقى الملموسة بأصوات الشارع الإيراني، محولين ضجيج البازارات وصخب المرور إلى مشاهد صوتية حضرية، تلخّص واقعًا متشظيًا يبحث عن انسجام مفقود في المدن الكبيرة، وبذلك تتحول الموسيقى التجريبية إلى وثيقة أنثروبولوجية تسجل تحوّلات المجتمع الإيراني وجدله مع الحداثة والتقنية.
يستثمرُ هذا التيار التجريبي مفهوم الزمن الذي تبرع فيه الموسيقى الإيرانية، حيث يتم مطُّ اللحظة اللحنية واستخدام التكرار التقليلي لخلق حالة من التنويم المغناطيسي تذكّر بحلقات الذكر، لكنها هنا تتم عبر تلاعبٍ دقيق بالترددات والطبقات الصوتية المتراكمة. تكتسب هذه الأعمال مشروعيتها من قدرتها على تجسيد الهوية الإيرانية في سياق عالمي دون السقوط في فخ السياحة الثقافية أو المحاكاة السطحية للغرب، إذ يظل الجوهر المقامي حاضرًا كباطن يسكن ظاهر الخوارزميات، ويمنح الموسيقى الإلكترونية الإيرانية نكهةً تميزها عن نظيراتها في برلين أو فيينا.
سادسًا: الجسر المزدوج: التراث قبل-الإسلامي والإسلامي
حين اتجه المؤلفون الإيرانيون في القرن العشرين إلى الكتابة في القوالب الكلاسيكية الغربية، بحثوا عن مادة رمزية عميقة تستطيع أن تملأ هذه القوالب بمضمون ثقافي فارسي أصيل في حدود ما يسمح به القالب من حيث إمكاناته التعبيرية الأصلية. إن السيمفونية مثلًا أقل قدرة من الأوبرا أو القصيد السيمفوني على احتواء مضمون أدبي درامي، بينما هي أقدر منهما بوضوح على تقديم موسيقى خالصة لا تقوم على دراما ذات حبكة بالمعنى الأدبي للمصطلح.
أيضًا، لطالما حظيت الأشكال الدرامية باهتمام الحداثيين الإيرانيين منذ زمن طويل، فقد ظهرت الأسطورة والتراث السردي بوصفهما خزّانًا غنيًا بالصور والقصص. فالمؤلف الذي يكتب في قالب أوروبي درامي يحتاج إلى أحداث وأبطال وصراع، وهذه العناصر تتوافر بكثرة في الأساطير الإيرانية القديمة وفي الروايات الدينية الإسلامية، التي صارت جزءًا من الذاكرة الثقافية لإيران.
بالطبع يأتي في مقدمة هذه المصادر الملحمية العمل الأدبي العظيم الشاهنامِه (سِفْر الملوك) الذي ألّفه الشاعر الفارسي الفردوسيّ بين أواخر القرن العاشر ومطلع الحادي عشر ميلاديًا. جمع الفردوسي في هذه الملحمة تاريخًا أسطوريًا طويلًا لإيران يمتد من خلق العالم حتى الفتح الإسلامي. وجد المؤلفون الموسيقيون في هذا النص كنزًا من الشخصيات الدرامية والوقائع البطولية التي تصلح للبناء الأوركسترالي الدرامي كالمتتالية والمتتابعة والقصيد السيمفوني والأوبرا وغيرها.
يرجع انجذاب الموسيقيين إلى هذه الملحمة إلى كون الشاهنامه تمثل رمزًا قويًا للقومية الفارسية قبل الإسلام وبعده، إذ استطاعت أن تحافظ على الذاكرة الإيرانية في زمنٍ كانت اللغة الفارسية نفسها تواجه فيه خطر الانقراض أمام العربية.
سنجد أن مواضع الاستفادة من التراث الأسطوري، والدراما عمومًا في الموسيقى هي التي يَظهر فيها بوضوح عنصران متباينان أصلًا في الحكاية الأساسية، وهو ما يسمح ببناء تبايُن كافٍ من تيمتين موسيقيتين؛ لأن الموسيقى لا يمكنها نقل كثرة من الأطراف متداخلة الألوان أو تعقيد الأحداث كما يمكن للأدب. من بين قصص الشاهنامه تبرز مأساة البطل رُسْتَم وابنه سُهْراب. تروي القصة كيف يلتقي الاثنان في ساحة المعركة دون أن يعرف أحدهما الآخر، فيتقاتلان حتى يقتل الأبُ ابنه، ثم يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان.
انجذب المؤلفون الإيرانيون المعاصرون إلى هذه القصة لأنها تحمل جرعة درامية مركَّزة؛ فكما قال أرسطو في تنظيره للتراجيديا في كتاب الشعر (بويطيقا) إن المأساة أعظم – من الناحية الفنية – حين تدور أحداثها بين أفراد الأسرة الواحدة، كما أن مثل هذه التراجيديا تعكس مأساة إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية. يستطيع الموسيقي أن يحول الصراع بين الأب والابن إلى حوار أوركسترالي بين موضوعين لحنيين متعارضين، أحدهما يمثل القوة البطولية والآخر يمثل البراءة الشابة. كما تسمح النهاية التراجيدية بتطوير موسيقى كثيفة تعبر عن الندم والانكسار. لذلك ظهرت هذه القصة في عدد من الأعمال الأوركسترالية والأوبرالية الإيرانية التي حاولت أن تقص المأساة القديمة بادوات موسيقية حديثة.
كذلك جذبت شخصية الضحّاك خيال المؤلفين الموسيقيين. يروي التراث الإيراني أن هذا الملك الطاغية حمل على كتفيه حيّتين لا تشبعان إلا من أدمغة البشر، وأن حكمه جسّد عصرًا من الظلم والظلام، حتى ثار عليه البطل فريدون. وجد الموسيقيون في هذه الأسطورة صورة رمزية قابلة للتعميم للطغيان الفردي والفساد الخُلقي. عندما يعالج المؤلف هذه القصة موسيقيًا فإنه يستطيع أن يستعمل تباينًا حادًا بين موسيقى مظلمة كثيفة تمثل حكم الضحاك، وموسيقى أكثر إشراقًا تمثل الثورة عليه؛ لذلك استُخدمت هذه الأسطورة أحيانًا بوصفها استعارة فنية للصراع بين الاستبداد والحرية.
إلى جانب هذا استلهم المؤلفون أيضًا أسطورة الطائر الخارق سيمُرج. يظهر السيمرج في التراث الفارسي بوصفه طائرًا حكيمًا يعيش على قمة جبل أسطوري ويملك معرفة خفية. صار هذا الكائن رمزًا للمعرفة والتحول الروحي في الأدب الفارسي، خصوصًا في الأدب الصوفي. وجد الموسيقيون في هذه الشخصية مجالاً لبناء صور صوتية حالمة؛ فالسيمرج يسمح بخلق موسيقى شفافة ذات ألوان أوركسترالية مشرقة، حيث تتداخل الآلات في حركات خفيفة تشبه رفرفة الطائر في السماء. كما يسمح الرمز الصوفي للطائر بأن تتحول الموسيقى إلى رحلة تأملية تبحث عن الحكمة في الدنيا أو العالَم الآخَر.
امتدت مصادر الإلهام كذلك إلى التراث الإسلامي الذي اندمج مع الشخصية القومية الفارسية. تأتي في مقدمة هذه الموضوعات مأساة معركة كربلاء، التي قُتل فيها الحسين بن علي. تركت هذه الواقعة أثرًا عميقًا في الوجدان الشيعي الشعبي، وأصبحت رمزًا للصراع بين الحق والظلم غير مقصورة على الصراع السياسي. تظهر في هذه الأعمال أحيانًا ألحان بطيئة ومقامات حزينة تستلهم تقاليد الإنشاد الديني، ثم تتصاعد الموسيقى تدريجيًا لتصل إلى ذروة درامية تعبر عن الشهادة والتضحية. بالإضافة إلى مركزيتها القدية، يعود لجوء الموسيقيين إلى هذه القصة إلى بنيتها التراجيدية البطولية التي تسمح بتطوير دراما موسيقية واضحة الموضوع واسعة النطاق ذات طرفين متباينين.
كما استلهم بعض المؤلفين شخصيات ونصوصًا من التراث الصوفي الذي ازدهر في إيران خلال القرون الوسطى. إذ تحول المتصوف الشهير جلال الدين الرومي إلى مصدر إلهام لعدد من الأعمال الموسيقية المعاصرة. يرى الموسيقي في شخصية الرومي مثالًا للرحلة الروحية التي تتحول فيها التجربة الإنسانية المحدودة إلى بحث عن الحقيقة المطلقة. تسمح هذه الفكرة ببناء موسيقى تتدرج من البساطة الحسية إلى التعقيد الرمزي، وكأنها رحلة من الظاهر إلى الباطن. كما تسمح الرمزية الصوفية باستخدام الإيقاعات الدائرية أو الألحان المتكررة التي توحي بالحركة الروحية المستمرة.
يستفيد المؤلفون كذلك من القصص الرومانسية في الأدب الفارسي، مثل قصة العاشقين خُسْرو وشيرين التي ظهرت في الأدب الفارسي الكلاسيكي، خصوصًا في أعمال الشاعر نظامي جنجافي في القرن الثاني عشر الميلادي. تقدم هذه القصة مادة مناسبة للأوبرا أو الباليه، لأنها تجمع بين الحب والصراع السياسي والمأساة. يستطيع المؤلف أن يبني ثنائية لحنية تمثل العاشقين، ثم يطور هذه الثنائية عبر مشاهد مختلفة تعبر عن اللقاء والفراق والتضحية.
تكشف هذه الأمثلة أن المؤلف الإيراني المعاصر، عندما يكتب في قالب كلاسيكي درامي، يفتش بالأساس عن قصة تحمل طاقة رمزية وفلكلورية عميقة. تمنح الأسطورة للموسيقيين مادة درامية غنية، يمكن أن تمتد عبر سيمفونية كاملة أو عمل أوبرالي طويل. كما تسمح له بإعادة تأويل التراث في ضوء العصر الحديث. يؤول المؤلف الموسيقي الأسطورة موسيقيًا بحيث تندمج جزئيًا مع تعبيره الفني وصوته الخاص. في هذا السياق تتحول الأسطورة إلى نوع من الذاكرة الحية التي ترافق المؤلف في رحلته. عندما يستدعي قصة رستم أو مأساة كربلاء أو حكمة السيمرج مثلًا، يستحضر المؤلف الماضي بوصفه طاقة رمزية دائمة يمكن أن تلهم المستمعين برغم اختلاف العصور، وحتى مع اختلاف المذاهب.
من أهم الأعمال الإيرانية التي وظّفت التراث الأسطوري والديني:
١. أوبرا رستم وسهراب للوريس تشكنافوريان
من أشهر الأعمال الموسيقية التي استندت إلى الأسطورة الفارسية أوبرا للمؤلف الإيراني-الأرميني (ملك الملحمة الإيرانية في الموسيقى) لوريس تشكنافوريان . استلهم تشكنافوريان حبكة العمل من القصة المعروفة في ملحمة الشاهنامه التي كتبها الفردوسي.
كتب تشكناواريان هذه الأوبرا على نطاق أوركسترالي واسع، واستخدم تقنيات الأوبرا الأوروبية، لكنه حاول أن يضفي عليها طابعًا إيرانيًا من خلال بناء ألحان مستلهمة من المقامات الفارسية، واستخدام إيقاعات تشبه الإيقاعات التراثية، وصور الصراع الدرامي عبر ثنائيات لحنية متباينة. استعان المؤلف بجيش من الآلات الإيقاعية فيما يوضح استفادة واعية من أعمال سترافنسكي كطائر النار.
٢. القصيد السيمفوني الضحّاك للوريس تشكنافوريان
كتب تشكنافوريان أيضًا عملًا أوركستراليًا مستوحًى من أسطورة الضحّاك سابقة الذكر في صيغة القصيد السيمفوني، التي ابتكرها في الأصل فرانز ليسْت المؤلف المجري الرومانسي المعروف للتعبير عن موضوعات أدبية. حوّل المؤلف هذه الأسطورة إلى قصيد سيمفوني يتكون من مقاطع موسيقية (فصول): مقاطع مظلمة وثقيلة تمثل عصر الطغيان، ومقاطع تصاعدية تمثل ثورة فريدون عليه، ثم ذروة موسيقية تعبر عن سقوط الطاغية.
٣. أعمال بهزاد رنجبَران السيمفونية المستوحاة من الشاهنامه
يعد المؤلف الإيراني الأميركي بهزاد رنجبَران من أبرز من أعادوا توظيف الأساطير الفارسية داخل الموسيقى السيمفونية الحديثة. كتب رنجبران ثلاثية فارسية للأوركسترا، ومن أشهر فصولها سيمرج، المستلهَم كما هو واضح من قصة طائر السيمرج الأسطوري رمز الحكمة وعرّاف المستقبل. صور رنجبران قصة الطائر من خلال استعمال خطوط لحنية متصلة، وحركة تحاكي خفق الأجنحة، وألوان أوركسترالية صافية.
كما ألف رنجبران دماء سيافَش (أو سياوش) مستندًا إلى مأساة الأمير سياوش، الذي يتعرض للخيانة ويقتَل ظلمًا. جدير بالذكر أن عملًا شهيرًا بالاسم نفسه قد كُتب عام ١٩٦٥ بتأليف أحمد بجمان.
استخدم رنجبران في هذا العمل موسيقى حزينة بطيئة، وتدرجات أوركسترالية كثيفة، ثم تصاعدًا دراميًا ينتهي بذروة مأساوية.
٤. باليه رستم وسهراب لأحمد بجمان
كتبه المؤلف الإيراني أحمد بجمان معتمدًا على القصة نفسها من الشاهنامه. في هذا العمل استخدم بجمان أسلوبًا أوركستراليًا قريبًا من الموسيقى السيمفونية الأوروبية، لكنه أدخل عناصر من الموسيقى الإيرانية مثل الأنماط الإيقاعية الشرقية والزخارف اللحنية المقامية..
٥. أوبرا خُسرو وشيرين لحسين دهلوي
كتب المؤلف الإيراني الكبير حسين دهلوي أوبرا خسرو وشيرين المستوحاة من قصة الحب الشهيرة بين البطلين سابقَي الذكر. جمع دهلوي في هذا العمل بين التقاليد الأوبرالية الغربية، والخطوط اللحنية الإيرانية، إضافةً إلى عناصر من الغناء الفارسي.
وضع حسين دهلوي كذلك أوبرا شهيرة تحظى بتقدير نقدي كبير هي مانا وماني مستفيدًا من التراث الفارسي.
٦. أعمال مستوحاة من أسطورة آرَش الرامي
ظهرت أيضًا أعمال موسيقية تستلهم أسطورة آرَش الرامي وهو الرامي الأسطوري الذي يطلق سهمًا يحدد حدود إيران ويضحي بحياته في سبيل وطنه. كتب تشكنافوريان وأحمد بجمان أعمالًا أوركسترالية تستند إلى هذه الأسطورة، لأنها تحمل رمزية وطنية قوية. تسمح القصة بتصوير حركي للحظة إطلاق السهم في تصاعد موسيقي كبير يمثل التضحية والبطولة.
تُظهر لنا هذه الأمثلة أن المؤلفين الإيرانيين الذين وضعوا موسيقاهم في القوالب الكلاسيكية الغربية لجؤوا إلى الأسطورة لأنها تمنحهم ثلاث مزايا أساسية: بنية درامية واسعة تصلح للأوبرا والسيمفونية، ورموزًا ثقافية قوية تربط الموسيقى بالهوية الإيرانية، وموضوعات إنسانية عالمية مثل البطولة والمأساة والحب والتضحية.
سابعًا: نماذج مختارة من الموسيقى الإيرانية في الصيغ الكلاسيكية
يستعرض هذا القسم التحليلي ستة أعمال مفصلية لثلاثة من أعمدة الموسيقى الإيرانية الذين خاضوا غمار التجربة الكلاسيكية الغربية:
١- أمين الله حسين (١٩٠٥ – ١٩٨٣)
يعد أمين الله حسين جسرًا روحيًا بين الشرق والغرب، إذ عاش معظم حياته في فرنسا لكنه ظل مسكونًا بأجواء نيسابور وشيراز، فجاءت أعماله بمثابة استحضار رومانسي “استشراقي” بصورة معينة، استحضار للشرق عبر أدوات الغرب، لا من منظور الغرب.
أ. منمنماتٌ فارسية للبيانو والأوركسترا
كتب أمين الله حسين هذا العمل عام ١٩٢٨، وهو يمثل أولى محاولاته الجادة لترجمة الروح الإيرانية بالبيانو والأوركسترا، مستلهمًا صوره من فن المنمنمات (المينياتور). يتألف العمل من عدة حركات قصيرة تشبه اللوحات البصرية، تبدأ بحركة رقصة مفعمة بالحيوية تعتمد على إيقاعات غير منتظمة تحاكي ضربات آلة التار، ثم تنتقل إلى حركة تأملية تسمى مشهد من شيراز، حيث تنساب الألحان في سكون يشبه هدوء الليل في الهضبة الإيرانية، وتنتهي بحركة احتفالية تعيد إحياء الروح الشعبي بأسلوب رند فارسي.
يبرز الصراع في هذا العمل بين بناء الهارمونية الفرنسية الانطباعية وبين الخطوط اللحنية التراثية التي تميل نحو المقامية الصرفة، حيث نجح حسين في جعل البيانو ينطق بلكنة فارسية عبر استخدام تقنيات العزف التي تحاكي رنين السنطور، مبتكرًا بذلك هوية هجينة تجمع بين أناقة الصالونات الباريسية وبذخ الوجدان الشرقي. يتجلى الصراع الوجودي في هذا العمل في محاولة المؤلف استعادة وطن مفقود عبر الذاكرة الصوتية، فالمكان هنا هندسة فراغية متحركة أكثر منه جغرافيا ملموسة، والزمان لحظة دائرية تعيد إنتاج الماضي في ثوب الحاضر.
ب. سيمفونية شهرزاد
أنجز أمين الله حسين هذا العمل الضخم عام ١٩٤٤، في وقت كانت فيه الموسيقى السيمفونية الغربية تعيد اكتشاف الشرق، لكنه قدم رؤية مغايرة تمامًا لرؤية ريمسكي كورساكوف الشهيرة. يتألف العمل من أربع حركات سيمفونية تقليدية، تبدأ بمقدمة درامية تصور سطوة شهريار، تليها حركة غنائية رقيقة تمثل حكايات شهرزاد، ثم حركة سكرتسو تتسم بالخفة والسرعة، وتختتم بحركة الخلاص.
استخدم حسين هنا الأوركسترا الكبيرة للتعبير عن العمق النفسي للشخصيات، حيث تتداخل المقامات الإيرانية في النسيج الهارموني بطريقة تجعل الأذن الغربية تشعر بغرابة “استشراقية” محببة. ابتكر المؤلف هوية جديدة عبر تحويل شهرزاد من مجرد راوية قصص إلى رمز للصمود الثقافي الإيراني، مستخدمًا آلات النفخ الخشبية لتمثيل الحوارات الداخلية المعقدة. يتمثل الصراع الوجودي في شهرزاد في المواجهة بين الموت والخلود، فالفضاء الأوركسترالي يمثل الساحة التي يصارع فيها النغم الفناءَ، ويظهر الزمان كخيط رفيع يربط بين حكاية وأخرى لدرء خطر النهاية، بينما يتشكل المكان كقصر أسطوري تتردد في جنباته أصداء الهوية الإيرانية التي ترفض الزوال أمام جبروت التاريخ.
٢- أحمد بِجْمان (١٩٣٥ – ؟)
يمثل أحمد بجمان مرحلة النضج في دمج الرديف الإيراني بالتقنيات الأوركسترالية والسينمائية، إذ استطاع أن يخلق لغة تتسم بالغزارة السيمفونية والرهافة المقامية في آن واحد.
أ. المتتالية الفارسية
ألف بجمان هذا العمل عام ١٩٧١، وهو يمثل ذروة إنتاجه قبل الثورة، حيث سعى إلى بناء معمار سيمفوني يعتمد كليًا على التيمات الشعبية من آسيا الوسطى وفارس. يتكون العمل من ثلاث حركات؛ الحركة الأولى (المقدمة) وتعتمد على بناء كنترابنطي معقد يتلاعب بلحن شعبي بسيط، والحركة الثانية (الأغنية) وهي مقطوعة تأملية تبرز فيها رهافة الآلات الوترية، ثم الحركة الثالثة (الرقصة) وتتميز بإيقاعات مركبة عرجاء ٥/٨ و٧/٨، تعكس روح الرقصات الشعبية الإيرانية.
تتجلى المعاصرة في هذا العمل عبر استخدام بجمان لتقنيات التوزيع الحديثة التي تمنح الآلات الشعبية هيبة سيمفونية. يظهر الصراع هنا بين العفوية الشعبية وبين الصرامة الأكاديمية، حيث نجح بجمان في استثمار اللحن الخام ووضعه في إطار هندسي دقيق دون أن يفقد حرارته الأصلية. يعكس العمل صراعًا وجوديًا بين البداوة والحضارة، فالمكان هو الأرض الإيرانية الشاسعة التي تحتضن التناقضات، والزمان نبض إيقاعي لا يتوقف يربط الإنسان بأسلافه، حيث يتصور المؤلف الزمان كقوة دافعة تحول التراث من ذكرى جامدة إلى تيار متدفق يغزو الفضاء السمعي الحديث.
ب. ملحمة القيامة (راستاخيش)
كتب بجمان هذا العمل في عام ٢٠٠٧، وهو عمل أوركسترالي كورالي ضخم يستلهم موضوعات دينية وفلسفية حول الموت والبعث. ينقسم العمل إلى عدة لوحات صوتية تبدأ بلوحة الفناء حيث تسود أصوات غامضة وتنافرات لحنية مدروسة، ثم تنتقل إلى لوحة النشور حيث تنفجر الأوركسترا والكورال في أداء ملحمي يمزج بين التراتيل الإسلامية وقالب الأوراتوريو الغربي.
ابتكر بجمان في هذا العمل هوية روحية عابرة للثقافات، حيث استخدم الهارمونية الحديثة للتعبير عن رهبة اللحظة الميتافيزيقية، محولًا الأوركسترا إلى منبر للبحث عن المطلق. يبرز الصراع هنا بين مادية الآلة الغربية وروحانية النص الشرقي، حيث يجري تطويع الكورال لينطق بآهات مقامية تذكرنا بمجالس العزاء والذكر، لكن في سياق سيمفوني مهيب. يمثل العمل ذروة الصراع الوجودي بين الفناء والبقاء، حيث يتلاشى المكان المادي ليحل محله فضاء قدسي مطلق، ويصبح الزمان لحظة الآن الأبدية التي يتوقف فيها كل شيء ليبدأ من جديد، ما يظهر تصور بجمان للوجود كدورة لا نهائية من الموت والبعث.
٣- علي رضا مشايخي (١٩٤٠ – ؟)
يعتبر مشايخي رائد الحداثة الطليعية في إيران، حيث تجاوز مفهوم الاقتباس اللحني البسيط إلى بناء فلسفة موسيقية متكاملة تهدف إلى زعزعة المفاهيم التقليدية للشرق والغرب.
أ. السيمفونية الأولى (مصنف رقم ٨)
ألف مشايخي سيمفونيته الأولى عام ١٩٦٦، وهي عمل صادم بمقاييس الستينات، إذ اعتمد فيها على النظام “الاثنا-عشري” مع دمج فواصل ربع التون الإيرانية. تتألف السيمفونية من حركة واحدة متصلة لكنها مقسمة داخليًا إلى مناطق شعورية متباينة، تبدأ بتوترات حادة في الوتريات وتتطور عبر حوارات منقطعة بين الآلات المنفردة.
يظهر صراع الأصالة والمعاصرة هنا في أقصى تجلياته، حيث يرفض مشايخي استخدام الألحان الجاهزة، عامدًا إلى تفكيك الجهاز الإيراني (الدستگاه) وتحويله إلى خلايا مجهرية تتفاعل مع الهيكل السيمفوني الحديث، مبتكرًا هوية ميتا-ثقافية لا تنتمي لمكان بعينه، بل تنتمي لزمان العقل المحض. يعبر العمل عن صراع وجودي عميق بين الفوضى والنظام، فالمكان هو العقل البشري المعاصر الذي يعاني من التشظي، والزمان تسلسل من البؤَر الصوتية التي تكسر الاستمرارية التقليدية؛ ما يعكس رؤية مشايخي للعالم كبناء معقد يتطلب لغة موسيقية جديدة تمامًا لفهم أسراره وتناقضاته.
ب. الحديقة الفارسية
كتب مشايخي هذا العمل أواخر التسعينات ضمن مشروع الميتا-إكس، وهو عمل للأوركسترا يهدف إلى استعادة مفهوم البستان الفارسي كفضاء للتأمل والجمال. يتكون العمل من حركات تتبع ترتيب الحديقة التقليدية (الجوارباج)، حيث يتداخل صوت البيانو مع الأوركسترا في نسيج يشبه جريان المياه في القنوات الرخامية، وتبرز فيه فواصل ميكروتونالية تمنح العمل نكهة شرقية غامضة.
ابتكر مشايخي هنا لوحة بصرية-سمعية، حيث تصبح الأوركسترا معادلًا للزخرفة الفارسية المعقدة، مستخدمًا التكرار التقليلي لخلق حالة من التأمل الصوفي الحديث. يبرز الصراع في هذا العمل بين الطبيعة والتقنية، حيث تجري محاكاة أصوات العصافير والرياح عبر تقنيات عزف غير تقليدية، ما يخلق توازنًا هشًا وجميلًا بين التراث الروحي والواقع الرقمي. يتمثل الصراع الوجودي في هذا العمل في البحث عن السكينة وسط ضجيج العالم الحديث، فالمكان هو الجنة الأرضية المتخيلة التي يسعى الإنسان لاستعادتها، والزمان تمدد للحظة الحاضرة لتصبح أزلية، حيث يتصور المؤلف الزمان كدائرة مغلقة من الجمال تمنح الوجود معناه وينقذه البعث من العبث.
ختامًا لهذا القسم التحليلي نجد أن المؤلف الإيراني المعاصر كان مناضلًا جماليًا سعى لنقل هوية أمة كاملة من حيز التقليد الشفهي إلى آفاق الكتابة السيمفونية المتقنة. هذه الأعمال الستة وثائق تاريخية ووجودية تسجل رحلة الروح الإيراني في بحثه عن التوازن بين بريق الحداثة وعبق الأصالة، مؤكدة أن الموسيقى تظل اللغة الأكثر قدرة على صهر المتناقضات.
ثامنًا: خاتمة: مستقبل الموسيقى الإيرانية المعاصرة
يتجه الجيل الجديد من المؤلفين الإيرانيين، مثل على رضا فرهنك وأشكَان بهزادي، سواءً أولئك القابعين في طهران أو الموزعين في شتات الأرض، نحو استثمار الذكاء الاصطناعي والبرمجيات المعقدة كأوتار افتراضية قادرة على محاكاة الحال الصوفي والزفرة المقامية بدقة متناهية، ما يطرح تساؤلات وجودية حول ماهية الأصالة في عصر السيولة الرقمية، وكيف يمكن للرديف أن ينجو من فخ النمذجة الرياضية ليحتفظ بحرارته الإنسانية المعهودة.
يسعى المؤلفون المعاصرون إلى فك الارتباط بين الموسيقى وبين القوالب الجامدة، متوجهين نحو بناء معمارٍ صوتي يعتمد على مفهوم الوحدة في الكثرة، وهو المفهوم الذي لطالما ميز الفكر الفارسي، ليصبح هو الموجه الأساسي للتأليف الأوركسترالي القادم. يتوقع المحللون مثل رضا مشايخي وروبرت سيمز أن تشهد السنوات المقبلة تراجعًا في النزعة التغريبية الصرفة لصالح أنسنة التقنية، حيث يجري توظيف الهارمونية الغربية لخدمة الشجن الشرقي دون تغريب.
يلعبُ التفاعل بين الداخل والشتات دور المحرك النفاث لهذه المسيرة، ويتجلى هذا التعاون في المشاريع الموسيقية المشتركة التي تجمع بين عازفين من خلفيات متباينة. يبرز هنا دور المؤسسات التعليمية البديلة والمنصات الرقمية التي كسرت احتكار المعاهد الرسمية.
يستدعي استشراف المستقبل تأملًا في فلسفة الزمان داخل الموسيقى الإيرانية المحدثة، فبينما يميل الغرب نحو الزمن الخطي المتسارع، يحتفظ الوعي الإيراني بميله نحو الزمن الدائري التأملي، وهو ما سيشكل الميزة التنافسية الكبرى للموسيقى الإيرانية في المستقبل. يتأكد يومًا بعد يوم أن الموسيقى الإيرانية في صيغها الكلاسيكية مشروع لبناء مستقبلٍ نغمي يجمع بين العلم والوجد، وبين السماء والأرض.
نختم هذه الدراسةَ الشاملة بالتأكيد على أن تحديث الموسيقى الإيرانية كان ضرورةً وجوديةً للتعبير عن كينونة إنسانية تأبى التهميش. إن تضافر جهود الرواد الأوائل مع عبقرية المحدثين، وبسالة النساء المبدعات، وجرأة السينمائيين، وطليعية التجريبيين، قد خلقوا صرحًا موسيقيًا شامخًا يقف اليوم ندًا لأعظم التقاليد الموسيقية في العالم.
