تعتبر اليونان جذر الحضارة الغربية، وقد ظلت مركزًا لغويًّا وثقافيًّا للإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية). لألحانها مذاق الموسيقى الشرقية، وتعتمد في الأصل على أحادية الصوت (المونوفونية) كالموسيقى العربية والشرقية بعامة، وتوظِّف بعض مقاماتها ربع التون، كما أن لمسار تطور التأليف فيها من الغناء (الذي كان هو معنى الموسيقى بالفعل في محاورات أفلاطون ومقالات أرسطو) ما يجدر بنا مقارنته مع الموسيقى العربية والتركية والفارسية، المتطورة أو ذات الأشكال الكلاسيكية.
عند النظر إلى الموسيقى الشرقية واليونانية الحديثة من خلال أهم الصيغ الكلاسيكية: السيمفونية والكونشرتو والصوناتا، ندرك أن الحداثة الموسيقية محاولة لإعادة قراءة الذات الثقافية عبر لغة أخرى تتحرك وفق قواعد غير تقليدية، لكنها تحاول استيعاب ما هو جوهري في تقاليدها: المقام، والزخرفة، والإيقاع غير المتماثل، والتلوين اللحني العصي على الحسابات الرياضية.
في هذا التقاطع نتوقف عند أسئلة أساسية: هل الصيغة الأوروبية قادرة على احتواء روح الشرق؟ بأي قدر تسمح لنا مثل هذه التجارب الفنية بتبيُّن ما هو شرقي على الحقيقة في الموسيقى الشرقية، حين يتعاشق مع ما هو غربي بمنطق بيان الضد بالضد؟ وكيف كانت خبرة المؤلفين المشرقيين بالقوالب الغربية؟ كيف فهموها وكيف وظفوها في مقابل موسيقاهم الشرقية؟
في هذه السلسلة من المشارق الكلاسيكية نتتبع أربعة حلقات رئيسة، تبدأ باليونان، وتمر بتركيا وإيران، لتختم بالموسيقى العربية في الصيغ الكلاسيكية.
الملحمة اليونانية | من شَرْق التاريخ إلى غرب الجغرافيا
١. المشهد العام لصراع التغريب والتأصيل
تنبعث الموسيقى اليونانية الحديثة من رماد القرون الطويلة لترسم ملامح هويةٍ ممزقة بين إرثٍ بيزنطي كنسي يفيض بالبخور والشجن، وبين صرامةٍ سيمفونية غربية تطالب بالعقلانية والهارمونية.
كما أفاق الوعي الفلسفي اليوناني القديم على سواحل أيونيا مع المدرسة الأيونية في الفلسفة، يستيقظ الوعي الموسيقي اليوناني الحديث مع المدرسة الأيونية أيضًا، لكنْ في الموسيقى، التي نبتت في جزر البحر الأيوني، حيث يتسلل الهواء الإيطالي ليمزج صوت المنشد الأوبرالي بملوحة البحر.
يبرز هنا اسم نيقولاوس مانتزاروس (١٧٩٥ – ١٨٧٢)، الذي لحّن النشيد الوطني، وبافلوس كارير (١٨٢٩ – ١٨٩٦)، الذي حاول في أعماله الأوبرالية استحضار الروح البطولي لليونان الخارجة من نير الحكم العثماني، مرتديًا البذلة الفيردية (نسبة لفيردي). مع ذلك ظل هذا الجيل الأول يعيش اغترابًا ناعمًا؛ فقد كانت الموسيقى تتكلم بلهجة إيطالية واضحة، وكأن الروح اليوناني يهمس بلغة مستعارة، ما أثار حفيظة النقاد الذين تساءلوا: هل تكفي الاستعانة بوقائع تاريخية محلية لنقول إن الموسيقى يونانية؟
يندلع الصراع الحقيقي مع بزوغ فجر القرن العشرين، حين قرر مانوليس كالوميريس (١٨٨٣ – ١٩٦٢) أن يضع حدًا لهذا التذبذب، فأسس المدرسة الوطنية اليونانية. ينظر كالوميريس إلى التأليف الموسيقي كخطة اقتحام قلعة؛ فيستجلب الألحان الشعبية الفجة والترانيم البيزنطية المونوفونية ليقذف بها معمار فاجنر الألماني الضخم. يرفض كالوميريس الرقة اللحنية الغنائية الإيطالية، ويختار بدلًا منها الجبروت السيمفوني، الذي يجسد صراع الإنسان مع أهوال عظيمة. هنا يتحول التقليد من مجرد اجترار الذكريات إلى مادة خام يُعاد صهرها في قوالب السيمفونية والكونشرتو.
يرفع الملحنون في هذه الحقبة أسئلةً فنيةً ذات أبعادٍ وجودية: هل يمكن ترويض ربع التون البيزنطي ليدخل بمحض إرادته إلى سجن البيانو ذي المفاتيح التي تنوء بالعصبة أولي القوة؟ وهل يفقد اللحن شرقيته إذا ما أحاطت به تآلفات الهارمونية الغربية من كل حدبٍ وصوبٍ؟
يختبر المستمع في أعمال كالوميريس حالة من “الدوار الوجودي”؛ وكأنه يسمع صوت الراهب البيزنطي وهو يحاول الصراخ وسط دوي النحاسيات الأوركسترالي، فلا يكاد صوته يصل إلى الآذان. لم يكن الصراع هنا تقنيًا فحسب، كان صراعًا على المكانة؛ إذ أراد اليونانيون إثبات أن لغتهم الموسيقية قادرة على تشييد صروح سيمفونية تضاهي ما بناه بيتهوفن وبرامز. في هذا السياق يبرز اسم سبيريدون ساماراس (١٨٦١ – ١٩١٧)، الذي حقق نجاحًا عالميًا في الأوبرا، لكنه ظل يصارع التهمة الدائمة بأنه أوروبي أكثر من الحد.
في سياق هذا الصراع نحو القومية، الذي توازَى مع نشأة أغلب الدول القومية الحديثة الخارجة من رحم الإمبراطوريات، يظهر في الأفق وجهٌ مغاير يمثل الحداثة في أقسى تجلياتها التجريدية، وجه نيقوس سكالكوتاث (١٩٠٤ – ١٩٤٩)، الذي يمثل الصدع الكبير في الوجدان اليوناني؛ الذي، بالإضافة إلى استعارة القوالب، ارتحل ليتعلم النظام الاثنا-عشري من منبعه على يد شونبرج في برلين.
يعود سكالكوتاث إلى أثينا ليجد نفسه في منفى داخلي؛ فيكتب موسيقى تتسم ببرودة المنطق وذكاء الهندسة، لكنها تخبئ في أردانها حيلًا سحرية إغريقية قديمة. يطرح سكالكوتاث السؤال الأكثر جرأة: هل تكمن “اليونانية” في اللحن الشعبي المباشر، أم في البنية الذهنية والمنطق الرياضي الذي ورثه اليونانيون عن فيثاغورَس؟ ينظر سكالكوتاث إلى الهوية كعملية بناء لا كإرثٍ محفوظ، فتصبح موسيقاه ساحةً يلتقي فيها الصمت الوجودي بالضجيج المعاصر.
بالتوازي مع سكالكوتاث يبرز ديميتري ميتروبولوس (١٨٩٦ – ١٩٦٠)، الذي وإن عُرف كقائد أوركسترا هام، إلا أنه كمؤلف قد جسّد قلق الإنسان الحديث. يمكن القول إن ميتروبولوس قد نقل الموسيقى اليونانية من سياق البطولات القومية إلى دائرة المِحنة النفسية؛ فتصبح السيمفونية عنده مرآةً لتمزق الذات في عالمٍ متداعٍ، ما أثار غضب النقاد المحافظين الذين رأوا في هذه الحداثة خيانةً للتراب الوطني والتاريخ البيزنطي.
تتصاعد الأسئلة قرب انتصاف القرن العشرين لتلامس حدود العدمية الرياضية – إن جاز التعبير – بمعنى خواء الصيغ الرياضية الموسيقية من المضامين الأدبية، خاصة مع ظهور يانيس خيناكيس (١٩٢٢ – ٢٠٠١). يكسر خيناكيس كل القوالب الكلاسيكية؛ فيرفض السيمفونية والكونشرتو بمعناهما التقليدي، ويستبدل بهما الموسيقى التصادفية المبنية على قوانين الاحتمالات والعمارة . ينظر خيناكيس إلى الموسيقى كهيولَى صوتية، يعاد تشكيلها في الفراغ بناء على قواعد الرياضيات والإحصاء، معيدًا ربط الموسيقى اليونانية بجذورها الفلسفية والرياضية العتيقة.
السمة “اليونانية” عند خيناكيس بعيدة عن الترنيمة الكنسية، كامنةً في الفوضى المنظمة والتناسب الهندسي الذي يحكم الطبيعة. المثير هنا هو ما واجه النقادَ المحافظين والمحدثين على السواء من صدمةٍ كبرى؛ فخيناكيس لا يصارع التقليد الغربي فحسب، بل يحطم الآلة الموسيقية نفسها ليعيد اكتشاف الصوت الخام. إنها سمة إنسانية: أن يحاول الجيل الأول من المعاصرين تفكيك البنَى السابقة على نحو جذري، فيما يمكن مقارنته بفن العرب الأول، أي الشعر، حيث حطّم الجيل الأول من حركة الشعر الحديث كالبياتي ونزار قباني والسياب وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي عمود الشعر التقليدي مستبقين أنقاضه، تلك التي بنى منها الجيل الثاني، وعلى رأسهم أمل دنقل، معمارًا إيقاعيًا معقدًا جديدًا، بعد انهيار سلطان التقليد على أيدي سابقيه.
في قلب هذا المشهد العام صراعٌ معهود بين الأصالة بوصفها حفظًا للماضي، والمعاصرة بوصفها انخراطًا في حركية الزمن. يرى النقاد في أواخر القرن العشرين أن الموسيقى اليونانية في القوالب الكلاسيكية قد مرت بثلاث مراحل وجودية: مرحلة المحاكاة (الأيونية)، ثم مرحلة التثبيت (الوطنية مع كالوميريس)، وأخيرًا مرحلة التجاوز (الحداثة مع سكالكوتاث وخيناكيس). يبرز أيضًا اسم ميكيس تيودوراكيس (١٩٢٥ – ٢٠٢١) كجسرٍ يحاول عبور الهوّة بين الأكاديمية والشعبية؛ فهو الذي كتب السيمفونيات والأوراتوريوات الضخمة مستخدمًا آلات شعبية كالبوزوكي، محاولًا بذلك أن يضع الموسيقى الكلاسيكية على المائدة اليومية للمواطن اليوناني، ومعيدًا طرح السؤال: هل يمكن للموسيقى الخالصة أن تحيا في وطنٍ يعشق الغناء الجماعي؟ إن المشهد العام للموسيقى اليونانية في هذه الحقبة هو مشهد البحث عن الصوت المفقود؛ حيث يصارع الملحن ليثبت أن الشرق الكامن في دمه ليس عيبًا وراثيًا، بل تنوّعٌ خلّاق يمنح السيمفونية الغربية بعدًا صوفيًا تفتقده في مواطنها الأصلية.
يختبر الملحن اليوناني في القرن العشرين حالة من الاغتراب المزدوج سنرجع إليها بتركيز أكبر مع سكالكوتاث؛ فهو في نظر الغرب شرقي غريب، وفي نظر أبناء وطنه متغرب متعالٍ. لكن هذا التمزق هو تحديدًا ما منح الموسيقى اليونانية (والشرقية في الصيغ الكلاسيكية) نقطة قوتها؛ فمن قلق هذا الوتَر تصاعدت موسيقى تقدم شهادةً وجودية على كفاح الإنسان على صياغة هويته في نقطة البرزخ بين الحضارات.
٢. جبهات الصراع
أ. بيان كالوميريس الصادم
أطلق مانوليس كالوميريس (١٨٨٣ – ١٩٦٢) صرخته المدوية في عام ١٩٠٨ من خلال المانيفستو الذي أرفقه ببرنامج حفلته الموسيقية الأولى في أثينا. صرّح كالوميريس قائلًا: “إنني أستهدف إقامة قصرٍ للموسيقى الوطنية على قواعد الألحان الشعبية الخالصة والترانيم البيزنطية.” كما هو متوقع، أحدث هذا التصريح زلزالًا صحافيًّا؛ فقد هاجم كالوميريس المدرسة الأيونية واصفًا إياها بأنها مدرسة فقر الدم، التي تعتاش على فتات الأوبرا الإيطالية. يتضح هنا الموقف الوجودي المتوازن لكالوميريس؛ فهو لا يرفض الغرب كتقنيات، بل يرفض التبعية النفسية. يرى كالوميريس أن الموسيقى الأيونية – رغم جمالها – تفتقر إلى الخشونة اليونانية الوطنية.
ب. جبهة المدرسة الأيونية | الدفاع عن الجمال الكوني
تصدى نقاد المدرسة الأيونية، ومن ورائهم مؤلفون كبار مثل سبيريدون ساماراس (١٨٦١ – ١٩١٧)، لهذه الهجمة القومية العنيفة؛ فتدافعت الصحف الموالية للتيار الأيوني لتنافح عن الكونية؛ بمنطق متى صار لزامًا على الموسيقى أن “تتجغرف” كي يصدق تعبيرها؟ ينظر هؤلاء النقاد إلى الموسيقى كلغة إنسانية عابرة للحدود. كان من البديهي أن يهاجموا فجاجة كالوميريس التقنية، وأن يروا في دمج الألحان الشعبية الخشنة في السيمفونية نوعًا من التدنيس للفن الرفيع. ذلك حتى وصفوا الموسيقى الوطنية بأنها “موسيقى ترتدي التنانير الجبلية داخل القصور الملكية”، مشيرين بذلك إلى عدم ملاءمة اللحن القروي البسيط لعظمة الأوركسترا.
في هذا السياق خاض ساماراس صراعًا داخليًا صامتًا؛ فهو – الذي غزا مسارح إيطاليا – قد وجد نفسه فجأة غريبًا في وطنه، متهمًا بأنه “إيطالي أكثر من الإيطاليين.” يطرح النقاد الأيونيون سؤالًا وجوديًا مريرًا: “هل نقتل الجمال الذي تعلمناه من أوروبا لنرضي غرورًا قوميًا غير ناضج؟”
جـ. جيورجيوس لامبيليت | التحول الدرامي
يبرز اسم جيورجيوس لامبيليت (١٨٧٥ – ١٩٤٥) كواحد من أهم العقول النقدية في تلك الحقبة. بدأ لامبيليت أيونيًا، لكنه سرعان ما اختبر يقظةً قومية جعلته ينقلب إلى جذوره. كتب لامبيليت في مجلة نوماس (معقل الثقافة الشعبية آنذاك) مقالاتٍ تشرّح بنية اللحن اليوناني. يمكن القول إن لامبيليت قد مارس فعلًا ظاهراتيًا في نقده؛ فهو لا يكتفي بالحديث عن الألحان، بل يتحدث عن روح الشعب الكامن في الإيقاع.
يجادل لامبيليت بأن الروح اليوناني لا يمكن أن يسكن في الهارمونيات الإيطالية الرقيقة، بل يتطلب بوليفونية مستمدة من تداخل الأصوات في الكنيسة البيزنطية. هكذا تحولت كتابات لامبيليت إلى بوصلة للملحنين الشباب؛ فهو يطالبهم بفعل تعديني-موسيقيّ، بالتنقيب في أعماق التراث بدلًا من استيراد القوالب الجاهزة. من ثم يبرز الصراع بين الاستهلاك الثقافي والأصالة الوجودية، وفي الخلفية يدوّي سؤال لامبيليت الحانق: “لماذا نستعير الثياب الإيطالية، ونحن نملك أقمشةً منسوجة من شمسنا وتاريخنا؟”
د. محور الصراع التقني | ربع التون في مواجهة البيانو
تجاوز الصراع الكلام إلى حدود الفيزياء الموسيقية. يطرح النقاد والموسيقيون اليونانيون في ثلاثينات القرن العشرين معضلة الآلة الغربية؛ فالبيانو والأوركسترا يعتمدان على السلم المعدل، بينما تمتلئ الموسيقى اليونانية (البيزنطية والشعبية) بالمسافات الصوتية الدقيقة . هكذا يظهر التمزق الوجودي في أوضح صوره؛ فيصف النقاد الملحنَ اليوناني بأنه كمن يحاول “تلخيص المحيط في زجاجة”. كيف يمكن لآلة الكلارينيت الأوركسترالية أن تؤدي التقاسيم الإبيروسية (نسبةً لمنطقة إبيروس) دون أن تفقد وعورة الجبال في شمال اليونان؟
يُنتج هذا الصراع نوعًا من الوعي الحاد بالتقنية؛ فيبدأ الملحنون مثل نيقوس سكالكوتاث بالبحث عن حلولٍ عميقة فيما يتجاوز ما بدا له تسطيحًا للنقاش. يرفض سكالكوتاث القومية العاطفية لكالوميريس، ويرى أن الحل يكمن في تجريد العناصر الشعبية. هذا بينما يهاجم النقاد المحافظون سكالكوتاث واصفين موسيقاه بأنها رياضيات جافة خالية من الروح اليوناني. لكن سكالكوتاث يرد بفعله الإبداعي غير المباشر، مؤكدًا أن “اليونانية” هيكلٌ منطقي أكثر منه زخرف لحني. هذا الجدل الموسيقي الجاد هو ما يمكن لنا تجريده في نقاط التمفصل التالية، التي تمثل مواضع انتقال الموسيقى اليونانية التقليدية إلى الصيغ الكلاسيكية العالمية.
مواضع التواشُج بين الموسيقى البيزنطية والقوالب الكلاسيكية الغربية
لطالما وقفت اليونان بجغرافيتها وتاريخها كجِسر فوق البرزخ الثقافي بين الشرق والغرب. في قلب هذه الهوية تكمن موسيقاها؛ ذلك الكيان الذي صار مجالًا لحفظ الثقافة الجمعية في جدلها مع العالمية.
١. الأصول البيزنطية | فلسفة النغم والارتباط بالشرق
كما قدمنا، الموسيقى البيزنطية في جوهرها مونوفونية (أحادية الصوت)، تعتمد على نظام الأوكتويخوس (الألحان الثمانية)؛ وهي مقامات موسيقية تشترك في الكثير من خصائصها مع المقامات العربية والفارسية والتركية، خاصة في استخدام ربع التون (المسافات النغمية الدقيقة) والإيسون (القرار المستمر الذي يصاحب اللحن). لم يكن هذا الإرث حبيس الجدران الكنسية فحسب؛ فالموسيقى الشعبية اليونانية قد استمدت مادتها الخام من هذه الألحان.
عندما بدأ الموسيقيون اليونانيون في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين التوجه نحو أوروبا لدراسة الموسيقى السيمفونية، حملوا معهم هذه “الجينات” المقامية، ليجدوا أنفسهم أمام تحدٍ ضخم: كيف يمكن ترويض اللحن البيزنطي البرّي ليغنّي بحُرّية في قفص الهارمونية الغربية دون أن يفرّ بجناحيه أو يكتئب ويموت؟
٢. المدرسة الوطنية اليونانية | تطويع السيمفونية
بدأت المحاولات الجادة مع ظهور المدرسة الوطنية اليونانية، وكان من أبرز روادها، أو مؤسسها بحسب بعض المؤرخين، مانوليس كالوميريس (١٨٨٣ – ١٩٦٣). آمن هؤلاء بأن الموسيقى اليونانية لا يمكن أن تنفصل عن جذورها البيزنطية، فبدأوا باستعارة الألحان الكنسية والأنماط الإيقاعية المعقدة ودَمْجها في قوالب سيمفونية.
بدلًا من الاعتماد على التيمات (الموضوعات) الغربية المعتادة، نجد السيمفونيات اليونانية الحديثة ثرية بموضوعات مستوحاة من ألحان الطروباريات البيزنطية. لكن يكمن الاختلاف هنا في أن الملحن يضطر إلى ترشيح المسافات النغمية الدقيقة (الميكروتونالية) لتناسب الآلات الغربية ذات المسافات الثابتة (البيانو والكمان مثلًا). أما في الكونشرتو فبرزت محاولات تجعل الآلة المنفردة (كالبيانو) تحاكي أسلوب الترتيل البيزنطي، حيث الزخارف اللحنية الكثيفة التي تميز الغناء الشرقي، ما يعطي الكونشرتو صبغة درامية تختلف عن الرصانة الألمانية أو الرومانسية الفرنسية.
٣. نيقوس سكالكوتاث وتجريد البيزنطية
لا يمكن الحديث عن هذه العلاقة التي تجسدها الموسيقى اليونانية السيمفونية بين الشرق والغرب من دون ذكر نيقوس سكالكوتاث (١٩٠٤ – ١٩٤٩). في عمله الشهير ست وثلاثون رقصة يونانية الذي سنتوقف عنده لاحقًا، قام سكالكوتاث بتفكيك اللحن الشعبي أو البيزنطي بنيويًا. لقد دمج السلم الموسيقي البيزنطي مع الأبعاد الاثنا-عشرية الغربية. هنا تحولت الموسيقى البيزنطية من ليتورجيا (طقس) إلى جيومطريقا (هندسة)، حيث حافظ على روح اللحن الشرقي على قلقه “كأنّ الريح تحته” (استلهامًا للمتنبّي)، بيد أنه وضعه في سياق حداثي معقد.
٤. بأي معنى يمكن اعتبار الموسيقى اليونانية شرقية؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال شجاعةً في تعريف ما هو شرقي في الموسيقى. إذا نظرنا إلى الموسيقى اليونانية من منظور بنيوي، نجدها تنتمي للشرق في عدة نقاط:
المقامية: تميل الموسيقى اليونانية غريزيًا، حتى في نسخها الكلاسيكية، نحو المقام وليس السلم الموسيقي الكبير والصغير المنضبط بأبعاد ثابتة. يمنح هذا الميل السيمفونيات اليونانية طابعًا شجيًا يشبه الموال أو التقسيم الشرقي.
الزمن الموسيقي: إن الإيقاعات اليونانية (مثل إيقاع ٧/٨ أو ٩/٨) هي إيقاعات عرجاء شرقية بامتياز، تبتعد عن الرتابة الرباعية أو الثلاثية الغربية.
الارتباط بالكلمة: في التقاليد البيزنطية والشرقية الموسيقى خادمة للكلمة. هذا هو ما يظهر بوضوح في الأوراتوريو والقداسات اليونانية الحديثة (مثل أعمال ميكيس تيودوراكيس)، حيث يُصاغ اللحن ليخدم مخارج الحروف والانفعال اللفظي، تمامًا كما في التجويد أو الترتيل الشرقيين.
الإيسون: من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام محاكاة الإيسون البيزنطي (القرار) من خلال الوتريات منخفضة الطبقة كالتشيللو أو الكونتراباص في السيمفونية اليونانية. في الموسيقى الكلاسيكية الغربية تتغير النوتات الأساسية مع تغير التآلفات ، أما في السيمفونيات ذات الطابع اليوناني، فغالبًا ما نجد ثباتًا على نغمة قرار لفترة طويلة، ما يخلق حالة من التأمل الصوفي تشبه أجواء الكنائس الأرثوذكسية، وهو ما يكسر القواعد الأكاديمية الغربية التقليدية التي تطالب بالحركة الدائمة.
نماذج من الموسيقى اليونانية في الصيغ الكلاسيكية
١. سيمفونية الليفينتيا (البطولة) لمانوليس كالوميريس | الانبثاق الوجودي للروح اليوناني
كُتبت السيمفونية رقم ١ لمانوليس كالوميريس بين عامي ١٩١٨ و١٩٢٠، وأطلق عليها المؤلف اسم الليفينتيا، التي تعني باليونانية الشهامة والشجاعة الرجولية. قصد المؤلف بهذا الاسم تلخيص الروح اليوناني قاهر الصعاب في حروب البلقان، كتأبين وتكريم للمقاتلين في سبيل حرية وطنهم. هذا ما نجده في افتتاح العمل بصرخة نحاسية تزلزل السكون، حيث تقتحم الأبواق الفضاء الأوركسترالي لتعلن حضور الليفينتيس؛ ذلك المفهوم الذي يجسد في الوجدان اليوناني عنفوان الرجولة والكرامة في مواجهة الألم.
بصورة عامة تتدفق الألحان البيزنطية في عروق هذا العمل، كفعل وجودي لإعادة صياغة الزمن: من فهم غربي حسابي موضوعي إلى فهم شرقي شعوري ذاتي. يستعيض كالوميريس في هذا العمل عن الإنماء السيمفوني الألماني الصارم بتراكمٍ غنائي يتصاعد كبناء الكنائس الأرثوذكسية؛ حيث تتضافر الخيوط اللحنية حول بعضها البعض لتخلق نسيجًا كثيفًا يذكرنا بـ الطروباريات الكنسية.
ينبثق اللحن الأساسي في الحركة الأولى من مقام إيكوس البيزنطي، لكنه يرتدي حلة الأوركسترا الكاملة. يبتعد كالوميريس هنا عن الهدوء الغربي؛ فيستعمل الوتريات لترسم آفاقًا شاسعة تحيط بمئات الجزر من الزخارف فيما يشبه بحر إيجه، تلك الزخارف التي تئن آلات النفخ الخشبية بها، فيما يذكّرنا بعزف الفلوجيرة الرعوية. بينما يتحول الإيسون البيزنطي (القرار المستمر) في الحركة الثانية إلى أنّة وجودية مستمرة تؤديها آلات التشيللو، ما يمنح المستمع شعورًا بالثبات في عالم متغير.
يتجلى الصراع الوجودي في إنماء الموضوع ؛ حيث يصطدم اللحن اليوناني المتعرج بجدران الهارموني الغربي الصلبة. يتشظى اللحن، ثم يعيد لملمة ذاته في الكودا الختامية، معلنًا انتصار الروح الشرقي، الذي يأبى الذوبان في القالب الغربي، “يأبَى الفرارَ ويأبَى النزوح” استلهامًا لأمل دنقل.
٢. كونشرتو البيانو والأوركسترا لمانوليس كالوميريس (١٩٣٥)
اختمرت فكرة هذا الكونشرتو لدى كالوميريس خلال فترة الثلاثينات، وهي حقبة تصاعُد المدّ القومي التي شهدت كفاحًا مريرًا لإثبات الذات اليونانية في مواجهة الهيمنة الثقافية الأوروبية. كتب العمل مهديًا إياه لعازفة البيانو ماريا خيروجيورجو، ليكون بمثابة تحدٍ تقني وفلسفي للآلة، التي لطالما اعتُبرت سيدة آلات الأوركسترا الغربية، فجاء العمل ليعلن أن البيانو قادر على التحدث بلسان الأرثوذكسية والتقاليد الرعوية.
تفتتح الأوركسترا الحركة الأولى بضرباتٍ قدرية توقظ في وعي المستمع إحساسًا بالماضي السحيق. يستلهم كالوميريس هنا روح المقام البيزنطي، حيث تتردد أصداء الألحان الكنسية في آلات النفخ الخشبية. يدخل البيانو كذاتٍ متمردة مقتحمة للمشهد، ممارسًا فعل الغزو؛ فيعزف كتلًا صوتية ضخمة تحاكي جسامة الجبال اليونانية.
تتجلى تقنية العزف هنا في مزيجٍ غريب بين الرومانسية المتأخرة (على طراز رحمانينوف) وبين الزخرفة الميكروتونالية، التي يحاول البيانو محاكاتها رغم ثبات أبعاده المقامية. يستعمل العازف التريمولو (الارتجاف) بكثافة ليخلق حالة من الارتعاش الوجداني الذي يشبه ارتجاف لهب الشموع في الكنائس القديمة. تتحاور الأوركسترا مع البيانو حوار الند مع الند؛ فتمثل الأوركسترا التاريخ، بينما يمثل البيانو الإنسان، الذي يحاول أن يجد مكانه داخل هذا التاريخ. الأوركسترا هي قارة أوروبا، والبيانو هو اليونان التي تحاول استعادة مركز القيادة الحضاري. ينبثق اللحن من مقام شرقي يلتف حوله الهارموني الغربي كغلافٍ واقٍ، ما يخلق توترًا يشعر معه المستمع أن النغم يبحث عن مركز ثقل لا يجده إلا في اللحظات التي يتحاور فيها البيانو مع الصمت.
تنساب الموسيقى في الحركة الثانية إلى أعماق الذات الصوفية. يسكن ضجيج البطولة ليحل محله نوعٌ من التأمل الروحي؛ إذ يبدأ البيانو بفقرة صولو ممتدة وكأنها تعزف تأملات بصوت حنجرة بشرية. يستعمل كالوميريس تقنيات العزف الغنائي ليجعل البيانو يرتل أنشودة بيزنطية حزينة، تُظهر استقلالًا عن القالب الغربي لصالح الصوت الشرقي؛ إذ يحاول البيانو أن يوهمنا بوجود ربع التون من خلال زخارف لحنية سريعة تلتف حول النغمة الأساسية، تمامًا كما يفعل المرتل في القداس.
تنسحب الأوركسترا إلى الخلفية لتصبح ظلًا باهتًا، مستخدمة الوتريات المكتومة لخلق فضاءٍ ضبابي. يشعر المستمع هنا بـثقل الوجود؛ فيتباطأ الزمن الموسيقي وتتحول كل نوتة إلى حدث مستقل يختبر فيه العازف صدمة الوعي بالتوقُّت، حين يتذكّر الواحد منّا أن حياته نافدة مؤقتة.
ينفجر العمل في حركته الثالثة والأخيرة ليعلن انتصار الفعل على التأمل. يستدعي كالوميريس الإيقاعات اليونانية التقليدية العرجاء، محولًا الأوركسترا إلى جوقة تراجيدية تشارك في احتفالٍ شعبي صاخب. يتحول البيانو في هذه الحركة إلى آلة نقرية بامتياز، بينما يتطلب العزف عليه براعة فائقة، حيث تتسابق الأصابع على المفاتيح في قفزاتٍ واسعة تحاكي حركات الرقص الشعبي (مثل الزيبكيكو). يتصارع البيانو مع الأوركسترا في حوارية تتسم بالتخاصُم تارة وبالتحالف تارة أخرى.
تستعمل الأوركسترا الآلات النحاسية لتخلق جدارًا صوتيًا يحاول ابتلاع البيانو، لكن ينجح الأخير في اختراق هذا الجدار عبر فقرات الكادنزا، التي تظهر مهارة العازف في الحسّ وسيادة الفرد في التصوُّر. يبرز المجاز هنا في تحول البيانو إلى قيثارة أسطورية إغريقية تعيد ترتيب فوضى العالم، الذي بعثره جبابرة الأولمب من حولها.
لا ينتهي الكونشرتو إذًا بحلٍّ توافقي، بل باتحادٍ اضطراري بين الطرفين. يذوب البيانو في جسد الأوركسترا في ذروةٍ سيمفونية تعلن أن الهوية اليونانية هي حالة البرزخ الدائم.
لأن المؤلف يستعمل تقنية التريمولو في العزف، قد يجدر بنا التوقف عنده للحظة لسببين: أولاً لأنه تقنية شهيرة في الموسيقى الشرقية بالذات في عزف الآلات النقرية لمحاكاة الصوت المتصل في الآلات الوترية وآلات النفخ، وثانيًا لأن المؤلف وظّفه ببراعة يحسَد عليها توظيفًا دلاليًا، وليس مجرد تقنية للمحاكاة. يستلب هذا الأسلوب السكونَ من الحاضر، ليُلبس النغمةَ ثوب الحيرة تصوريًا والارتعاش حسيًا. يمارس العازف هنا فعلًا وجوديًا يفتت فيه وحدةَ الزمن؛ فيحول النغمة الواحدة إلى حشدٍ من الأنفاس المتلهفة المتلاحقة. ذلك أنّ تقنية التريمولو هي فن الارتجاف المنظَّم، حيث يتخلى الصوت عن ثباته ليصبح حالة من الصيرورة الدائمة، ليعبّر عن القلق، أو الضوء المتلألئ، أو الهمسة المترددة.
٣. ست وثلاثون رقصة يونانية لنيقوس سكالكوتاث | رقصة الاغتراب المزدوج
يمثل نيقوس سكالكوتاث (١٩٠٤ – ١٩٤٩) حالةً فريدة من الاغتراب الإبداعي المزدوج في تاريخ الموسيقى العالمية المعاصر، من حيث اغترابه الثقافي عن القوالب الغربية، ومن حيث اغترابه كمؤلف سرّي في ثوب عازف. إذ هو المؤلف الذي قضى حياته كعازف كمان خلفي في أوركسترا أثينا، بينما كان يخبئ في أدراج مكتبه عاصفة موسيقية لم تخرج منها إلا بعد وفاته. ما يذكّرنا إلى حد ما بالمؤلف النمسوي شوبرت.
تنبثق الرقصات اليونانية الست والثلاثون (وضعت بين ١٩٣١ – ١٩٣٦)، موزعة على ثلاث مجموعات، من صدمة العودة إلى الوطن؛ فبعد سنوات قضاها سكالكوتاث في برلين غارقًا في دراسة المقام الاثنا-عشري والتجريد الهندسي، عاد إلى أثينا ليجد نفسه محاصرًا بوطنٍ لا يفهم لغته الحديثة، وبجمهورٍ ينشد الألحان البسيطة.
يتحرك اللحن الشعبي برشاقة في هذه الرقصات ذات المعالم الجغرافية الوعرة (مثل رقصة بيلوبونيسيا أو البيلوبونيزية نسبةً لشبه جزيرة في جنوب اليونان بهذا الاسم الشهير، وإيبيوتيقوس أو الإبيروسية نسبة لمنطقة جبلية بشمال اليونان)، وكأنه كائنٌ حي يحاول الفكاك من أسر الهارمونية. يطبق سكالكوتاث هنا استراتيجية تفكيكية؛ فيأخذ اللحن المونوفوني المرتبط بالرقص الدائري في القرى، ثم يضعه في معمل البوليفونية الغربي.
تتصادم الآلات النحاسية مع الوتريات في إيقاعاتٍ عرجاء (٧/٨ و ٥/٨)، فتخلق حالة من الدوار الوجودي لدى المستمع. يختبر الوعي هنا صدمة التعرف مِن جديد؛ فأنت تعرف هذا اللحن، لكنك تشعر بأنه تغرب عن نفسه، كمَن يرى وجهه في مرآةٍ مكسورة. يستعمل سكالكوتاث الأوركسترا لتَسْوير اللحن بسياج ثري متداخل.
تتحول هنا الرقصة من فعلٍ جماعي بسيط إلى حدثٍ درامي؛ حيث يبرز المجاز الموسيقي في تحول الطبلة الشعبية إلى ضربات تيمباني سيمفونية تقرَع كطبول الحرب. يسكن سكالكوتاث في هذه الموسيقى منطقة البرزخ اليوناني الثقافية.
٤. كونشرتو البيانو الثاني لنيقوس سكالكوتاث | تغريدة المنفَى المزدوج
يمثل كونشرتو البيانو الثاني (١٩٣٧) قمة النضج الفلسفي والتقني لسكالكوتاث، العمل الذي ظل مهملًا لعقود. هنا يتخلى سكالكوتاث عن الرقص ليدخل عوالم الهندسة المعقدة؛ فيستخدم النظام الاثنا-عشري ببراعة رياضية تخفي وراءها قلقًا شرقيًا. كتب سكالكوتاث هذا العمل وهو يعيش في عزلةٍ داخلية وسط أثينا، بعيدًا عن أستاذه شونبرج، ومنبوذًا من الوسط الموسيقي المحافظ في بلده. من ثم يجسد هذا الكونشرتو خبرة المنفَى المزدوج؛ فهو المنفيّ في سياج الاثنا-عشرية، حين يحاول إكساب التقليد ثوبًا معاصرًا، وهو المنفيّ داخل الوطن؛ حين يصمم على كتابة موسيقى لا يفهمها تقريبًا أحدٌ سواه في لحظته التاريخية.
يفتتح البيانو الحركة الأولى بانفجار من النغمات المتلاحقة، التي تحطم توقعات المستمع حول الجمال المثالي الأفلاطوني. يمارس البيانو هنا دور المفكر القلق؛ وتتجلى تقنية العزف في سرعاتٍ خرافية وكثافةٍ صوتية عالية. يستعمل سكالكوتاث آلات النفخ الخشبية لتعزف خطوطًا لحنية متعرجة تشبه في تركيبها المقامات الشرقية، لكنها مصوغة بلغة أتونالية (لا-مقامية). يخلق هذا التناقض حالة من الاغتراب السمعي؛ حيث يشعر المستمع أن الروح اليوناني – بكل شجنه – محبوس داخل قفصٍ منطقي من اثنتي عشرة نغمة.
في الحركة الثانية المتهادية يتباطأ الزمن لدرجة السكون الجنائزي. يترنم البيانو بأصواتٍ خافتة تذكرنا بترانيم الجمعة العظيمة في الكنيسة الأرثوذكسية ، لكنْ دون مرجعية مقامية ثابتة. يختبر الوعي هنا تلاشِي المركز؛ إذ نشعر بالحرقة واللوعة، لكننا لا نجد تونيك (نغمة أساس) مستقرة ترتاح إليها أذاننا.
تصل الحركة الأخيرة إلى ذروةٍ من الحركية الميكانيكية؛ حيث يتسابق البيانو مع الأوركسترا في إيقاعاتٍ معقدة تعيد التذكير بإيقاعات الرقص، غير أنها هنا أصبحت رقصةً كونية مجردة. ينتهي العمل بتوقفٍ فجائي قاطع، يترك المستمع في مواجهة الفراغ.
يمكن القول إن سكالكوتاث هو سيزيف الموسيقى اليونانية المعاصرة؛ فقد ظل يدفع صخرة الفلكلور ليضعها على قمة جبل الحداثة، وفي كل مرة كانت الصخرة تعود لتأخذ شكل الرقصة أو تذكّرنا باللحن الشعبي، غير أنها كانت تكتسب في كل مرة معنًى جديدًا.
ملامح في المرآة المضادة
عند استعراض السياق التاريخي لنشأة الموسيقى السيمفونية في اليونان إضافةً إلى الأمثلة التي انتخبناها من أعمالها، يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد التأريخ: ما الذي يجعل دراسة هذه الأعمال هامة من الناحية الفلسفية والجمالية؟ إن القيمة الحقيقية لفحص الموسيقى التراثية حين تُكتب في الصيغ الكلاسيكية الغربية لا تكمن فقط في رصد انتقال تقنية موسيقية من حضارة إلى أخرى، بل في أنها تكشف بطريقة التبايُن عن جوهر الموسيقى التراثية نفسها. في اللحظة التي تُنقل فيها هذه المادة التراثية إلى قالب صارم ومحدد، تظهر خصائصها الأساسية بوضوح أكبر، كما لو أن البنية الغربية تعمل كإطار هندسي يبرز الخطوط الداخلية المتعرجة للتراث.
لطالما اعتمدت الموسيقى التراثية على التدفق اللحني أكثر من اعتمادها على الإنماء البنيوي الطوليّ، وعلى الزمن الداخلي للّحن أكثر من اعتمادها على الزمن الدرامي للحركة السيمفونية. لذلك فإن نقلها إلى الصيغ الكلاسيكية يعني إعادة ترتيب العلاقات بين عناصرها الأساسية: اللحن، والإيقاع، والزخرفة، والارتجال.
أولى هذه السمات هي المركزية المطلقة للحن؛ ففي معظم التقاليد الموسيقية الشرقية، يمثل اللحن العنصر البنائي الأول، بينما تأتي بقية العناصر بوصفها امتدادات له أو تلوينات حوله. عندما يدخل هذا اللحن إلى الصيغة السيمفونية، يحتفظ بهذه السيادة حتى وإن أُعيد توزيعه أوركستراليًا؛ فكثير من الأعمال السيمفونية التي كتبها مؤلفون من هذه الثقافات تُظهر أن اللحن يظل نواة التجربة الموسيقية كلها، على عكس الموسيقى الألمانية الكلاسيكية. غالبًا ما نجد أن التطوير السيمفوني نفسه يتحقق عبر تحولات لحنية دقيقة بدلًا من التحولات الهارمونية الكبيرة.
السمة الثانية هي المكوِّن المقامي. المقام في الموسيقى الشرقية منظومة كاملة من العلاقات النغمية والميول التعبيرية. عندما يُدخل المؤلف هذا المقام في قالب غربي، فإنه يواجه معضلة فنية متمركزة حول الحفاظ على خصوصية المقام داخل نظام هارموني يقوم أساسًا على السلالم الكبرى والصغرى. النتيجة غالبًا ما تكون حلولًا إبداعية: إما عبر استعمال هارمونية معدّلة تسمح بظهور درجات المقام الخاصة، أو عبر إبقاء النسيج الهارموني بسيطًا بحيث يترك المجال للحن المقامي لكي يتنفس بحرية. في كلتا الحالتين، يصبح المقام علامة واضحة على حضور التراث.
أما السمة الثالثة فهي الزخرفة الصوتية. إذ تتميز الموسيقى التراثية في الشرق الأوسط واليونان بثقافة زخرفية غنية، حيث تتشكل الجملة الموسيقية من انحناءات دقيقة، وتزيينات صغيرة، وانزلاقات صوتية تكاد تكون جزءًا من النطق اللحني نفسه. حين تنتقل هذه الزخرفة إلى الأوركسترا السيمفونية تتخذ أشكالًا جديدة: قد تظهر في الآلات الخشبية كحليات سريعة، أو في الكمانات كاهتزازات وانحناءات صوتية تحاكي الأداء التقليدي.
تتعلق السمة الرابعة بالإيقاع؛ فالتقاليد الموسيقية في هذه المنطقة معروفة بتنوعها الإيقاعي، وبوجود دورات زمنية غير متناظرة أحيانًا. عندما تدخل هذه الإيقاعات إلى الصيغة السيمفونية، تضيف إليها حيوية مختلفة عن الإيقاع الأوروبي المنتظم. يخلق حضور هذه الأنماط الإيقاعية توترًا إبداعيًا داخل العمل: فالبنية الغربية تميل إلى التوازن الدوري، بينما تدفع الإيقاعات التراثية نحو حركة أكثر مرونة وتعرجًا. النتيجة هي لغة إيقاعية مركبة تحمل في داخلها ذاكرة الرقص الشعبي أو الغناء التقليدي.
السمة الخامسة هي الطابع التعبيري المرتبط بالذاكرة الجماعية. الموسيقى التراثية حامل للخبرة التاريخية والثقافية للمجتمع، وعندما يستخدمها المؤلف داخل عمل سيمفوني، فإنها تعمل كرمز ثقافي، كأنها تستدعي فضاءات بعيدة: الريف، والطقوس، والغناء الجماعي، والحكايات الشعبية.
لذا، حين يضع المؤلف لحنًا شعبيًا داخل سيمفونية، فإنه يضطر إلى أن يحدد بدقة ما الذي يجعل هذا اللحن مميزًا: هل هو سلمه المقامي؟ أم إيقاعه؟ أم طريقته في التزيين؟ أم علاقته بالذاكرة الثقافية؟ هذه الأسئلة لا تظهر عادة في التلحين التقليدي، لأن التراث يعيش هناك في بيئته الطبيعية. لكنها تظهر بوضوح عندما يُنقل إلى بيئة موسيقية مختلفة. من هنا يمكن القول إن الصيغة الغربية تعمل أحيانًا كمختبر جمالي للتراث. داخل هذا المختبر يجري عزل العناصر الأساسية للموسيقى التقليدية : بعضها يتغير، وبعضها يتكيف، وبعضها يبقى ثابتًا بشكل لافت. ما يبقى هو غالبًا ما يمثل جوهر الهوية الموسيقية.
ختام | الهوية اليونانية الموسيقية كصيرورة قبل-سقراطية
ينجلي الغبار عن هذا الصراع التاريخي ليكشف أن الموسيقى اليونانية لم تكن تختار بين الشرق والغرب بقدر ما كانت تحاول ابتكار جهة أصلية ثالثة غير جغرافية. عندما ننظر اليوم إلى أعمال تلك الحقبة، ندرك أن الصدام بين كالوميريس وساماراس، وبين سكالكوتاث والنقاد المحافظين، كان ضروريًا لولادة الحداثة اليونانية.
تؤكد النتائج النهائية أن الموسيقى اليونانية الحديثة قد نجحت في تحويل الاغتراب إلى هوية جديدة، فبدلًا من أن يقع المؤلف اليوناني ضحيةً للتغريب، أصبح هو المُستعمِر الثقافي، الذي يتسلل إلى القوالب الغربية ليفرغها من محتواها المادي ويملؤها بروحٍ صوفي متمرد.
