رأس مال بوب بلاد الشام

الملفات - كتابة: أفنان أبو يحيى - ٢٠٢٦/٠١/١٥
رأس مال بوب بلاد الشام
تحميل...

“لطالما ارتبطت الثقافة ووسائل الإعلام بالسلطة عبر تاريخ المملكة العربية السعودية، حيث لم يكن دخول الحكومة إلى عالم الموسيقى بالأمر الجديد، فمنذ التسعينات، دأب أفراد العائلة المالكة السعودية على إنتاج وتوزيع الموسيقى التجارية في الخارج على الرغم من حظرها في الداخل”، يقول الباحث عمرو عبد الرحيم في ورقة بحثية تناولت مشهد الموسيقى في السعودية، في إشارة إلى أن الحضور السعودي في هذه الصناعة يتجاوز رؤية ٢٠٣٠ التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام ٢٠١٦، والتي شكّلت ذروة صعود القطاع الترفيهي في المملكة.

اغتنمت السعودية منذ التسعينات الفرص التي أتاحها تراجع المشهد الإعلامي العربي في منطقة بلاد الشام، في أعقاب حرب العراق، لتبدأ بناء إمبراطورية إعلامية منفتحة على العالم الخارجي، تُهيمن على الموسيقى والإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طوال العقد التالي. كان لهذا التوسع أثرٌ كبير في صناعة موسيقى البوب في لبنان وسوريا على وجه الخصوص، إذ كان نجوم المرحلة، وفي مقدمتهم نانسي عجرم ونوال الزغبي، وراغب علامة ووليد توفيق وأصالة نصري، يتخذون من شاشات التلفزيون – التي تديرها شركات إنتاج موسيقي – منبرًا لهم.

الاستحواذ على روتانا

شهدت تسعينات القرن الماضي ثورةً في عالم البث الفضائي، رافقها ظهور الفيديو كليبات كوسيلة ترويجية مهمة. تشير الدراسات التي تتبعت ممارسات بث الموسيقى في الشرق الأوسط إلى أن قنوات التلفزيون المدفوع الرئيسية هي التي تقدّم الموسيقى بوصفها منتجًا ذا قيمة مضافة لجذب الاشتراكات. على سبيل المثال، قدّمت قناة أوربت المملوكة سعوديًا عام ١٩٩٤ قناة ميوزيك ناو المخصّصة لمقاطع الفيديو الموسيقية الغربية، ولاحقًا العربية، في حين ركّزت إذاعة وتلفزيون العرب إيه أر تي على الموسيقى العربية، وطوّرت تعاونًا مع شركة روتانا للنشر الموسيقي لإنتاج وعرض مقاطع الفيديو الموسيقية، والمقابلات، والحفلات الموسيقية.

تأسست روتانا عام ١٩٨٧ على يد الإخوة اللبنانيين نقرو، وبدأت كشركة تسجيلات موسيقية، قبل أن تتوسع لتصبح مجموعة إعلامية شاملة في الشرق الأوسط، تضم إنتاج الأفلام، والقنوات التلفزيونية، والمحطات الإذاعية وشركة موسيقى ومجلة. منذ ذلك الحين، أدّت دورًا محوريًا في دعم صناعة الموسيقى في المنطقة العربية، وإنتاج موسيقى البوب العربية، بوصفها شركة موسيقية لبنانية مستقلة. امتدت سيرة روتانا في حقبة ما قبل السعودية لمدة ١٥ عامًا، نجحت خلالها في التعاقد مع العديد من نجوم البوب اللبنانيين الصاعدين والترويج لهم، ما أسهم في دعم مسيرتهم الفنية المبكرة أو توسعهم الإقليمي.

كان راغب علامة من أوائل الفنانين اللبنانيين الذين أنتجت روتانا لهم أغانٍ في بداية التسعينات، وإن لم تتعاقد معهم بالكامل. إلا أن راغب، في تلك المرحلة، كان يقدّم مزيجًا من الموسيقى الكلاسيكية والبوب اللبناني، أكثر من طابع البوب الحديث الذي أصبح أكثر تجلّيًا في إصداراته اللاحقة. يظهر هذا الفرق بوضوح عند مقارنة فيديوهات الكليب لأغنيته قلبي عشقها مطلع التسعينات، وأغنيته سهروني الليل في مطلع الألفينات. في الأغنية الأولى، اعتُبرت قلبي عشقها أول فيديو كليب في المنطقة العربية، وحققت أعلى توزيع إقليمي آنذاك، رغم أن المقطع الذي أخرجه رجا زهر جرى تصويره “سرقة في مقهى في لوس أنجلوس”، كما روى المطرب اللبناني في إحدى حلقات برنامج صاحبة السعادة، إذ لم يكن يمتلك من المال ما يكفي للحصول على التراخيص اللازمة، وهو ما نفته شركة الإخوان زهر لاحقًا.

استخدم هذا المقطع أنماط تصوير بكاميرات دي إس إل آر تتمتع بقدرات تصوير في الإضاءة المنخفضة نسبيًا، ويظهر فيه راغب علامة متنقلًا في مزيج بين الأداء والمونتاج، وبين التصوير بالأبيض والأسود في بعض المشاهد الخلفية، مقابل مشاهد بالألوان في اللقطات القريبة، فضلًا عن التركيز على لقطات السيارات (جيب رانجلر ومرسيدس إس إل آر) اللتين تحاكيان ثقافة البوب الغربية. على صعيد الموسيقى، اعتُبرت الأغنية من أهم الإصدارات التي ساهمت في تشكيل ملامح البوب العربي المعاصر، الذي يتخذ طابعًا رومانسيًا في مزيج بين الإيقاع الغربي واللحن الشرقي، ويُوظّف جُمَلًا قصيرة سهلة الحفظ ومتناغمة مع اللحن.

أما أغنيته سهروني الليل فقد كانت أول فيديو كليب تنتجه شركة روتانا رسميًا لراغب علامة عام ٢٠٠٢ بعد الاستحواذ السعودي على الشركة، وجاءت ضمن رؤية إنتاجية جديدة تعكس تطور الصناعة البصرية العربية وتجديدًا في الطابع الموسيقي الإنتاجي. استخدم الفيديو كليب شخصيات كرتونية ضاحكة تتحرك داخل المقاطع الواقعية، برفقة بطلة الفيديو كارين فهمي التي ترقص بعفوية، إلى جانب أداء راغب الشبابي مرتديًا جاكيت الجلد الأسود اللامع.

جاءت سهروني الليل أكثر خفة، وأقرب إلى البوب الشرقي الراقص، الغني بالإيقاعات الإلكترونية وموسيقى الطبلة، بما يلائم قالب الكلمات الشعبية المتكررة. ما بين الأغنيتين، تمثّلت مرحلة انتقال الأغنية اللبنانية من الكلاسيكيات الأقرب من الطرب إلى البوب التجاري الجذاب، وهي مرحلة ساهمت فيها التحولات الحاصلة في ملكية شركة روتانا، وفي المشهد الموسيقي في المنطقة عمومًا.

في ١٩٩٥ اشترى الأمير السعودي الوليد بن طلال أسهمًا – لم تُحدَّد قيمتها – في شركة روتانا للصوتيات والمرئيات، إذ بلغت قيمتها مليون دولار فقط وقت الشراء. غير أن هذا الاستثمار توسّع عام ٢٠٠٢ بالحصول على نحو ٤٨٪ من أسهم مجموعة روتانا الإعلامية، قبل أن ترتفع حصته لتصل إلى ١٠٠٪ بحلول عام ٢٠٠٣، وتُحال ملكية المجموعة الإعلامية بالكامل تحت مظلّة شركة المملكة القابضة السعودية.

رغم أن الوليد بن طلال كان قد موّل إطلاق شبكة إيه آر تي (إذاعة وتلفزيون العرب) عام ١٩٩٤، وكذلك قناة أوربت، أي قبل شراء أسهم في روتانا بعام، إلا أن الاستحواذ السعودي على روتانا شكّل محطةً فارقة في تاريخ الإمبراطورية الإعلامية السعودية، وفي مسيرة الأمير بن طلال، ليصبح الشخصية الرائدة في وسائل الإعلام السمعية والبصرية العربية. يبرز ذلك خصوصًا مع التوسع الذي حظيت به روتانا عام ٢٠٠٣، عبر إطلاق شبكة قنواتها التلفزيونية التي ضمّت خمس قنوات فضائية مجانية هي: روتانا موسيقى، روتانا كليب، روتانا طرب، روتانا أغاني، وروتانا خليجية.

تطوّرت مجموعة روتانا للموسيقى لتصبح قوةً مهيمنة في صناعة الموسيقى العربية، إذ تُنتج وتُوزّع المحتوى عبر منصات مختلفة، وافتتحت مكاتب محلية وإقليمية، إلى جانب مقرّها الرئيسي في الرياض، في كل من جدة، ودبي، والكويت، والقاهرة، وبيروت. كما تدير الشركة أكثر من ١٤٠ فنانًا عربيًا، من مغني البوب والطرب إلى منتجي الموسيقى الإلكترونية، ما يجعلها مركزًا رئيسيًا لإنتاج المحتوى الموسيقي العربي وإدارته، والتأثير في الذوق الموسيقي، ومحطةً، يمكن القول إنه لا غنى عنها لكل فنان يسعى إلى تحقيق شهرته.

تشير إحدى الأوراق البحثية المنشورة في المجلة الدولية للاتصالات إلى أن النصيب الأكبر من تطوير المحتوى الموسيقي وإنتاجه واستحواذه ما يزال في أيدي العاملين ضمن بيئة البث التقليدي، رغم صعود العصر الرقمي. إذ لا تزال روتانا تُهيمن على ٧٠٪ من تطوير الفنانين وإنتاجاتهم، بينما تتوزع النسبة المتبقية على شركات إنتاجية أخرى، معظمها مملوك للسعودية، وإن كانت تمارس دورًا تنافسيًا مع روتانا في بعض الأحيان، مثل شركة بلاتينيوم ريكوردز التابعة لشبكة إم بي سي.

صناعة ذائقة البوب

انطلق مركز تلفزيون الشرق الأوسط إم بي سي في لندن عام ١٩٩١ كأول محطة فضائية خاصة مجانية في العالم العربي، وتنوّعت قنواته بين المحتوى الموسيقي، وتغطية الأخبار، وعرض أفلام بوليوود. كان وليد الإبراهيم، أحد أقارب الملك السعودي فهد، من مؤسسيه، وحينها لم يكن ينافسه في الساحة العربية سوى مجموعة روتانا، التي بيعت لاحقًا للوليد بن طلال. ثم في ٢٠٠٧ تأسست بلاتينيوم ريكوردز في دبي كذراع إنتاج موسيقي لمجموعة إم بي سي، وارتبطت بشكل وثيق بالأصوات الفنية اللبنانية التي ظهرت في برامج المواهب، مثل ديانا حداد.

قدّمت كل من روتانا وقناة إم بي سي إنتاج الموسيقى والمقاطع التصويرية لمعظم فناني البوب اللبناني، إلى جانب برامج البوب الموسيقية، وأشهرها توب أوف ذا بوبس من تقديم رزان مغربي، فضلًا عن مقابلات الفنانين الحصرية، واللقطات المباشرة لحفلات فناني البوب من مختلف مدن العالم.

تقول الشاعرة الصومالية ممتازة مهري في مقالها حول البوب والبترول إن كلتا الشركتين دفعتا بنجوم البوب إلى الشهرة على حساب التنوع اللغوي والموسيقي والأسلوبي في المنطقة، إذ جرى التقليل من أهمية أي إنتاج ثقافي موسيقي آخر لصالح تجانس مُنمّق، مدفوع بتقنيات الرسائل النصية القصيرة والفضاء الإلكتروني. معها تراجع اقتصاد أشرطة الكاسيت، واندثرت الخصوصية المرتبطة باللهجات والهويات والتقاليد والخلفيات الطبقية والأذواق، واعتُبرت بعض النغمات واللهجات غير جذابة بما يكفي مقارنة بنموذج نجم البوب الأنيق، الذي استُخدم لبيع كل شيء، من المشروبات الغازية إلى مجوهرات الألماس.

تناولت ورقة بحثية بعنوان تأثير دبي ديناميات موسيقى البوب العربية في ظل الدعم المالي السعودي، الذي شكّل قوة ناعمة تُسهم في تشكيل ونشر ثقافة البوب العربية المعاصرة، وبحثت في التجربة الفنية لمجموعة من نجوم البوب. تقول الورقة، في سياق تناولها تجربة الفنانة أصالة: “إنها تُجسّد هوية عربية عابرة للحدود، فهي لا تُمثّل وطنها الأم، سوريا، كما مثّلت أم كلثوم مصر، أو كما مثّلت فيروز لبنان … مما يُبرز الديناميكيات الجديدة للتأثير الإقليمي في موسيقى البوب العربية. إذ باتت لديها الآن قاعدة جماهيرية واسعة جدًا في الخليج، إلى جانب ألبوماتها المصرية منذ أوائل الألفية الثانية.”

عدا عن الانتقال الموسيقي الملحوظ من موسيقى الطرب إلى موسيقى البوب خلال أوائل التسعينات، وما رافق ذلك من طابع تجاري، تجلى ظهور الرياض في التحكم بمؤسسات الموسيقى والإعلام في منطقة بلاد الشام أيضًا في تراجع مركزية مصر في الموسيقى العربية. إذ لطالما هيمنت القاهرة على الإنتاج الثقافي العربي، مستندة إلى ما حققته من نهضة فكرية وتعليمية وتكنولوجية، وبفضل المركزية المصرية التي روّجت لها ثقافة القومية العربية الناصرية. دفع ذلك الفنانين إلى الغناء باللهجة المصرية، والهجرة إلى مصر سعيًا وراء الشهرة والثروة، قبل أن تتراجع هذه الحالة، وتصبح السعودية قطبًا ثقافيًا منافسًا.

لم تكتفِ السعودية بالتمركز في قطبي الإنتاج الموسيقي في المنطقة عبر الاستحواذ على شركة روتانا ومجموعة إم بي سي، إذ دعمت إطلاق قناة إل بي سي اللبنانية برنامج المواهب ستار أكاديمي عام ٢٠٠٣. فضلًا عن ذلك، كان السعوديون قد امتلكوا ما يقرب من نصف القناة الفضائية التابعة لـ الإل بي سي منذ تأسيسها عام ١٩٩٦، إذ استحوذ رجل الأعمال السعودي صالح كامل في البداية على ٤٩٪ من الأسهم، قبل أن يبيعها للأمير الوليد بن طلال، وهو ما مكّن الإل بي سي من التوسع في منافسة برامج إم بي سي الترفيهية. بكلمات أخرى، لم تكن السعودية تدير وسائل الإعلام وشركات الإنتاج الموسيقي فحسب، بل كانت تدير وتنتفع من التنافس فيما بينها أيضًا.

كثيرًا ما يُختزل صعود السعودية في القطاعين الترفيهي والثقافي ببرنامج ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمرحلة ما بعد النفط، وإطلاق هيئات الترفيه التي يترأس مجلس إدارتها تركي آل الشيخ، وتنظيم موسم الرياض الذي يهدف إلى تحويل العاصمة السعودية إلى وجهة ترفيهية وسياحية عالمية. إلا أن التاريخ الطويل من الحضور السعودي الزخم والسخي في بناء إمبراطورية إعلامية تستحوذ على صناعة الموسيقى العربية وفنانيها هو ما مكّن من تحقيق هذا التحوّل الناعم في مشهد البوب العربي، والذي صيغ في حملة إعلامية رسمية ضخمة بوصفه منجزًا لرؤية ٢٠٣٠.

يجادل البعض في قدرة السعودية على أن تعكس هذه الاستثمارات الحكومية الضخمة تنويع الاقتصاد السعودي، بحيث تُمثّل الصناعات الموسيقية ما بين ١٪ و٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الهدف الذي حددته السعودية لنفسها. إلا أن هذا الطرح يتجاهل المنجزات السياسية التي حققتها السعودية عبر تغيير صورة النظام من خلال السيطرة على صناعات الموسيقى الحية والمسجّلة.

يقول عبد الرحيم في الورقة التي انطلق منها هذا المقال البحثي: “لا يمكن دراسة الاقتصاد السياسي للسعودية ضمن النموذج السائد للدولة الريعية، لأن توزيع السلطة والموارد في مجتمعٍ معيّن ليس نتيجة آلية، بل هو حصيلة عمليات تاريخية. بالتالي، فإن الاستثمارات الموسيقية الضخمة ليست إنفاقًا بارزًا من قِبل دولة أو مجتمع مُبذّر، بل هي جزء لا يتجزأ من التحوّل السياسي.”

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف