أمك ما ترضى | الأهل طرفًا في أغاني الحب العراقية

مقالات - كتابة: حسن شغيدل - ٢٠٢٦/٠٥/٢٢
أمك ما ترضى | الأهل طرفًا في أغاني الحب العراقية
تحميل...

توجَّه الأغاني الشائعة بغالبيتها إلى الحبيب، وأحيانًا للزمن أو النفس؛ لكن في الأغاني العربية، والعراقية خاصةً، يبرز طرف جديد هو الأهل أو أهل الحبيب. نستكشف في هذا المقال عينات شائعة وخفيفة الظل تُقدّم صورة عن مدى أهمية وتأثير هذا الطرف الثالث في علاقة الحب العراقية. 

إلى الأم

بمجرّد بدء علاقة مع فتاة عليك أن تكسب ود والدتها، إذ بإمكانها حسم كل شيء بتأثيرها على الأب والإخوة والفتاة نفسها، مزيلةً أيّ عقبةٍ تواجه هذه العلاقة؛ باعتبارها العنصر النسائيّ الناضج الذي يمكنه الحكم ما إذا ارتبطت ابنتها بالشخص المناسب أو لا.

أيضًا، بحسب تقليد التقدم لخطبة الفتيات تُحسم بالفعل غالب الأمور بين النساء، بدءًا من لقاء أم العريس بالعروس والمفاوضات حول المهر وبعض الترتيبات، ثم تنقل الأخبار إلى الرجال؛ لذلك هناك جملة شائعة في كل خطوبة عراقية “النسوان حِسْمَن كلشي.”

بالنتيجة خصصت بعض الأغاني لأم الحبيبة مرة بتقديم اللوم لها ومرة بالتوسل بها وأخرى بمطالبتها بعدم التدخل.

مثلًا، يشكو عادل جواد من الحديث الدائر بين أمه وأم الحبيبة قرب بئر الماء:

أمك على البير وأمي على البير
وتكلها ميصير انطيني تفسير
’شيريد ابنج من يجي؟’ أمك عليّه تشتكي
أموت واخلص من هاي امك

رغم أن شكوى الأم مشروعة؛ لكنه لا يتنازل ويرفع سقف التحدي في المقطع الثاني:

غصبًا على امك بروحي اضمك
خل تشكي خلها امك لا اسلها

أمّا في حالة قيس الغريب فقد رفضه أهل حبيبته، وبدل أن يغني متفجعًا من الفارق الطبقي أو الفراق قرّر أن يقصّ لنا الحكاية فقط:

وديت الك نور العين
أهلي وعمامي الصوبين
منين اجيب آني منين
أمك ما ترضى

ويعرض لنا متطلبات الأهل غير المنطقية: 

يردون مني ملايين
وبيت وقصر بي بابين

لا نعرف لماذا لم يكتف الأهل ببيت أو قصر وأرادوا الاثنين، ولا نعرف سببًا لوجود بابين في القصر.

أما في المقطع الآخر فيبدأ المطرب بشرح حاله المؤسف:

من غيبتك كلبي يحير واني اتعب من التفكير
لو ماتت أمك شيصير؟ وانجمع وياك ببيت

قُدّمت الأغنية بفيديو كليب يحمل جزءًا من روح المزاح الذي يحتويه الكلام؛ الكثير من الراقصات ومطرب مخطوف من قبل حبيبته ويوضح لها رفض أمها. لا نعرف هل كان هذا عذرًا ليهرب من حبيبته أم أنّه يحدّثها فقط عما جرى. يختم الفيديو كليب بمشهدٍ يظهر فيه المطرب نائمًا قرب زوجته وكلّ ما حدث كان مجرد حلم. تحافظ الأغنية على عدم جديتها رغم جدية الغريب بأداء الموال الذي يسبق الأغنية.

اختلف الأمر مع الفنان سعدي الحلّي في أغنية حبيبي أمك متقبل من أحاجيك، حيث كانت شكواه من أمه أكبر من مشكلته مع أم الحبيبة. قد تحمل جملة الأغنية الأولى الكثير من الود، لكن سرعان ما يقدم المطرب نقدًا لاذعًا لأمه: “أمي تكلي عيفه مسودنه هاي”، متهمًا إياها بالجنون؛ ثم يتجاوز كل ما هو سائد بجملة غزل حادة لم يتجرأ أحد على قول مثلها في الغناء العراقي ولا العربي: 

لعيونك أروحن فدوة يهواي وأمي فدوة لأمك

سعدي الحلّي المطرب الوحيد الذي قدم أمه فدًى لأم الحبيب، لأنها “تلبسك تعتني بشعرك تدرايك.” لولا شخصية سعدي الشعبية التي تقول ما يحلو لها، لما سمعنا أغنية كهذه ولما تقبّلها الجمهور، لتصبح واحدة من الأغاني الأيقونية في الغناء الشعبي العراقي الآن. كتبت الصحافة حينها أن سائقي النقل العام والخاص يجبرون الرّكاب على الاستماع لهذا النوع من الأغاني؛ لأنها لم تكن من أغاني الإذاعة والتلفزيون وانتشرت ككاسيت فقط. 

إلى الأب

في العراق يكنّى والد الزوجة بـ عمي؛ وفي سياق أغنية ماجد المهندس غاب الكمر، حتى وإن لم يؤكد القصد هل هو يتحدث مع عمه والد زوجته أم العم أخو الأب، تبقى الأغنية موجهة لوالد الحبيبة:

غاب الكمر وثريته وكل من نام وي مريته
وماجد مكابل عمه بلكت ينطيه بنيته

كونه أشار للعلاقة الزوجية فهو غالبًا ينتظر والد زوجته، أيّ يفترض أنّها زعلانة في بيت أهلها، أو قد يكون القصد للآن أنه لم يتزوجها وينتظر موافقة أبيها حتى غاب القمر. خصوصًا أن ماجد يستبدل كلمة نام بكلمة راح في بعض الحفلات. يقدّم ماجد احتمالًا ثالثًا في نهاية الأغنية، وكأنّه ينتظر فرصة القرب من خطيبته: 

بيدي امشط شعرها
واختار لها عطرها
وعمّي ما ريدن جيّته

في سياق أكثر درامية، وبعد انتظار دام عشرين عامًا، عادت الحبيبة وقد توفي أبوها الذي رفض “ينطيها”: “يمه ابوها الما قِبل ينطيها مات / روحي اخطبيها الي من اولادها.”

القصيدة للشاعر مؤيد الجربوع مكتوبة كحوار بينه وبين أمه، لتصبح متداولة ببعض الأصوات العراقية؛ حيث قدمها اثنان من الشباب بطريقتهم التي تدل على الفرح بوفاة الأب، وهم قاسم الدولي وأحمد جاسم.

حتى قبل غنائها كان للقصيدة نصيب من الشهرة، إذ قدّمها مجموعة شعراء من أهل الموصل وفاءً لشاعرها الأصلي. أيضًا، قدّمها الفنان أحمد الطيب بطريقة موال حزين يقترب من كلماتها وطول الانتظار.

أضاف أحمد الطيب بيتًا دراميًا آخر يهدد به والد الحبيبة: 

رايدلي ناس تروح يم بيت ابوها
تنطوها لو تنلاص عالخلفوها

إلى الأهل عامةً

يقدم الفنان الريفي الكبير يونس العبودي واحدة من أشهر الأغاني العراقية الموجهة لأهل الحبيبة: “وديت لهلج مكتوب بفلانة وكتلهم غلبني الشوك بس انه”، لأنه لا يعرف لماذا زعلت. يحدثها في الأغنية عن أهلها بطريقة مختلفة عن أغلب الطرق التي تتحدث بها الأغاني مع أهل الحبيبة:

“هلج طيبين وبجرحي ولا يرضون” هنا يظهر دور الأهل كمصلحين والشكوى مقدمة لهم عن الحبيبة، عكس الأهل الذين يتحدث عنهم حاتم العراقي في الموال الشهير أهلك بحبنا درو وانساك رادوني، أو الأهل الذين يتحدث عنهم عادل المختار بمواله حرموني منك هلك وحرموك من عندي، الذين يريدون منع بناتهم من إقامة هذه العلاقات.

من الشائع أن يغني الرجال ضد أهالي حبيباتهم باعتبارهم العائق الوحيد أمام هذه العلاقات، ونادرًا ما يُمنع الرجال من قبل أهلهم. لكن أغنية هلك منعوك تضرب المتوقع، إذ قُدمت بصوت نسائي مستهدفةً أهل الرجل.

رغم أنّها تبدأ بتساؤل “هلك منعوك لو إنت ابعدت عني”، لكنها سرعان ما تؤكد أنّ المشكلة في الأهل: “هلك يهواي حرمو شوفتك مني.” واحدة من الأغاني الأيقونيّة للسيدة عفيفة إسكندر وقد تكون أغنية يمنعونك هلك للسيدة وحيدة خليل أقدم.

قد توجد في بعض الأغاني جمل عن أهل الحبيب لكنها لم تكن أغان مخصصة لهم أو قائمة على موضوع الأهل، مثل ذكر الأهل كجزء من القصة في أغنية تكبر فرحتي بمقطع “هلك والعاذل يريدون وآني وياك راده نريد” وبنفس السياق تحضر الأم في أغنية وين اخذك في مقطع “جابتك وتبسّمت أمك.”

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف