تقلّ الأصوات النسائيّة في العراق مقارنة بالبلدان العربية الأخرى، منذ بداية التسجيل حتى الآن، في كلّ حقبة يعاد السؤال حول السبب. تختلف الإجابة من شخص لآخر، إلّا أنّ الجميع يتفقون على أن المجتمع المحليّ محافظ ويصعب على العوائل قبول فكرة امتهان بناتهن الغناء.
في الواقع رفضت عوائل الكثير من الرجال دخولهم هذا المجال أيضًا، لكنّ الرفض لم يصبح ظاهرةً أو عاملًا مؤثرًا مثلما كان على الأصوات النسائية بشكلٍ رسم مسارًا واضحًا في تاريخ الغناء العراقي الحديث؛ حتى أنه في حال دخول النساء لساحة الغناء وبعد تثبيت أقدامهن فيها، كنّ غالبًا ما ينسحبن مبكرًا بالاعتزال.
رغم هذه القلّة بإمكان أي باحث ملاحظة التأثير الكبير للنساء على الغناء العراقي، حيث نجد الكثير من مفردات الأمهات ونواح النساء بأصوات الرجال. نصرت البدر مثلًا أعدّ أحد ألحانه من مقطع فيديو مشهور لبعض النسوة، وسيف عامر غنى أكابل كون مُلاية وهي جملة متداولة بين النسوة العراقيات، واستخدم نور الزين في أغنيته يالرايحة أصواتًا نسائية بطريقة عراقية معروفة شعبيًا ترددها النساء في المناسبات تسمّى كولات، كما ذكر كاظم الساهر في أحد اللقاءات أنه التقط كلمة سلمتك بيد الله من والدته. أيضًا، في مقطع صوت شهير يشير الفنان العراقي قحطان العطار إلى تأثره بأخته الكبيرة التي كانت تنوح بأشعار في مجالس العزاء. يدلّنا هذا على أن الغناء العراقي يدين بالكثير لغناء النسوة، لكن بسبب الظروف صار الرجال هم الذين يؤدون هذه الأغاني وينقلونها لنا.
منذ صديقة الملاية في العشرينات وحتى رحمة رياض أحمد اليوم، يمكننا حصر الأصوات النسائية العراقية البارزة في أقل من ثلاثين اسمًا، باستثناء من قدّمن أقل من عشرة أغان. تصعب معرفة أول امرأة عراقية احترفت الغناء، لكن يمكننا تتبع تاريخ دخول الأسطوانات للعراق، الحدث الذي يتفق المؤرخون على أنه عام ١٩٢٥؛ حين أعلنت شركة بيضافون إنتاج أسطوانات لجميع مطربات ومطربي بغداد المشهورين، ثم الآخرين من مطربي ومطربات العراق في البصرة والناصرية والموصل.
كان المقصود بالمطرباتِ المشهورات من يؤدين الغناء داخل المقاهي وعلى المسارح في بغداد. لم تستطع كل هؤلاء النسوة التسجيل، حيث كانت هناك الكثير من الأسماء التي عاصرت سليمة مراد ومنيرة الهوزوز وصديقة لم نسمع لهنّ أي تسجيل.
العشرينات
خمسة أسماء بدأت الغناء في العشرينات، هنّ صديقة الملاية، منيرة الهوزوز، سليمة مراد، بدرية أنور، وأحيانًا تضاف لهن جليلة أم سامي ويُسقط ذكر منيرة الهوزوز في كثير من الأحيان رغم أنّها بحسب بعض المصادر أكبر من صديقة الملاية وبدأت الغناء مبكرًا ونافست سليمة مراد لفترة طويلة؛ لكنها اعتزلت مبكرًا بسبب المرض.
يُشار إلى صديقة كأول مطربة عراقية، كونها أول من سجّلت أسطوانة ومن أوائل الأصوات التي غنّت في الإذاعة. كانت شهيرة فترة الغناء في المقاهي والحفلات العائلية والمآتم السابقة على التسجيلات؛ بينما يمكن اعتبار سليمة مراد الأكثر شهرة واستمرارية بينهن وأكثر واحدة تركت إرثًا غنائيًا كبيرًا، أما البقية فكل منهن قدمت أغانٍ قليلة.
أخذت منيرة الهوزوز (منيرة عبد الرحمن) اسمها من أغنيتها يا عيني عالهوزوز، أول أغنية رائجة في تاريخ الغناء النسائي، والتي بيعت منها أكثر من ألف أسطوانة وتحوّلت لدعاية تجارية لأكثر من منتج مثل علك الهوزوز وصابون الهوزوز.
دفعت الأغنية سليمة مراد لإنتاج أكثر من أغنية من ضمنهم كلبك صخر جلمود، كأول تنافس فني بين مطربتين يذكره المؤرشفون انتهى باعتزال منيرة عام ١٩٤٠؛ ولم تُذكَر منافسة بين سليمة وصديقة رغم نشاطهما في نفس الوقت.
تحمل هذه الفترة من تاريخ الغناء جزءًا شعبيًا وعفويًا غاب بعدها عن الأغنية العراقية، إذ نجد صديقة الملاية رغم تمكّنها وأدائها للكثير من المقامات قدمت أغنية الافندي، كما قدمت سليمة مراد سودة ماخذت حياوي وقدمت وحيدة خليل دللول [تقول وحيدة إنها أغنية كانت ترددها جدتها، أي أغنية غير احترافية، وترفض اعتبار البعض أنها أخذتها من مطربة سابقة اسمها جليلة أم سامي؛ إذ تتشابه الدللول لكن تختلف الموضوعات، وأخذت كل مطربة دللولها من بيئتها. أما الدللول فهي طريقة لنواح الأمهات او تهويدة تنوّم الأطفال، لها لحن خاص وتوضع الكلمات وفقًا لما تشعر به الأم أو ما تحفظه.].
كان بإمكان المطربات تقديم ما يحلو لهنّ، إذ تداخلت الحقوق الفكرية بسبب النقل عن الشعبي؛ وهناك تداخل بين ما يقدّم للتسجيل وما يغنى في المقاهي والملاهي. غالبًا ما اعتمدت الأغاني على المقام العراقي بالأساس ملحقةً به البستة، أي ذيل المقام أو ما يسمى الآن الأغنية، ويكون لحنها من نفس المقام. تميّزت كلّ مطربةٍ بنوع المقام الذي تؤديه، فمثلًا عُرفت سليمة بِمقام البنجكاه كما في هذا مو إنصاف. شاعت أيضًا أنواع أخرى مثل الغناء الريفي؛ وأول الأصوات النسائية التي قدمت هذا اللون وحيدة خليل عام ١٩٤٠.
دخول الإذاعة
كلّفت الحكومة الموسيقار صالح الكويتي بتشكيل فرقة الإذاعة الموسيقية، والذي كان ملحنًا شابًا قدّم أكثر من أغنية لسليمة مراد أول صوت نسائي سجل للإذاعة. هنا بدأت الأغنية تتخلص من عفوية المقاهي وضياع الحقوق، إذ أصبح لها كاتب وملحن مع نقل واقتباس بعض التراث الشعبي.
قدم صالح للإذاعة أصواتًا نسائية جديدة؛ مثل عفيفة إسكندر التي سجلت أولى أغانيها عام ١٩٣٧، وزكية جورج التي ظهرت مع بدايات الإذاعة لكنها غادرت العراق عام ١٩٥٥ وتركت الغناء، وسلطانة يوسف التي اعتزلت مبكرًا.
مع ترك الغناء مبكرًا والابتعاد عن الساحة الفنية يمكننا القول أن ما تبقى من هذه الأسماء نشطًا في نهاية الأربعينات هنّ سليمة مراد وعفيفة إسكندر، اللتان يذكر تنافسهنّ فترة الحكم الملكي؛ ترافقهنّ صديقة الملاية التي بقيت محافظة على حضورها ووحيدة خليل الصوت النسائي الوحيد الذي خصصت له الإذاعة مكانًا بين مطربيها الريفيين.
رغم نشاط وحيدة في الأربعينات لكنها تأخرت في دخول الإذاعة حتى عام ١٩٥٠، ولحقتها المطربة لميعة توفيق ١٩٥٢. هذه الفترة ذاع صيت الفنانة زهور حسين بعد تعاونها مع الملحن عباس جميل في أغنية أخاف أحجي في ١٩٤٨؛ لذلك أحيانًا تُحسب زهور على مطربات الخمسينات رغم انضمامها للإذاعة منذ ١٩٤٢.
التلفزيون
عام ١٩٥٦ تغيّر كل شيء مع بدء البث التلفزيوني في العراق. شهدت هذه الفترة استمرار مسيرة سليمة مراد وعفيفة إسكندر وصعود نجم زهور حسين ومائدة نزهت التي انضمت للإذاعة عام ١٩٥٠.
كانت صديقة الملاية قد وصلت مرحلة متقدمة من عمرها فلم تحظَ في التلفزيون إلا بتسجيل بضعة أغاني يصعب وجودها في الأرشيف. أما وحيدة خليل فتأخرت شهرتها في التلفاز حتى الستينات رغم أنّها سجّلت قبل ذلك؛ كما جعل الرحيل المبكر لزهور حسين عام ١٩٦٤ أرشيفها المرئي أصغر من عفيفة اسكندر ومائدة نزهت التي بدأت تنشط مع بدايات التلفزيون.
انضمت لهن فنانة لا تُذكَر كثيرًا رغم أنها غنت من ألحان بليغ حمدي وسيد مكاوي وهي ربيبة منيرة الهوزوز، الفنانة أحلام وهبي التي استمرت في الغناء حتى اعتزالها بداية التسعينات؛ لكنها أقل هذه الأسماء ذكرًا سواءٌ في الأوساط الموسيقية أو بين الجماهير العراقية.
في هذه الفترة ظهرت مطربة فتحت الباب لنوع غنائي جديد، حمدية صالح فتحت الباب للغناء الكاولي، وهو غناء الغجر الذين يسكنون مناطق ريفية في العراق. ثم أسّست فرقة بنات الريف وهي مجموعة من الراقصات ترافق المطربة، وكانت ساجدة عبيدة أشهر البنات اللاتي انضممن لهذه الفرقة في الثمانينات.
كان هذا النوع غير مرغوب به للشاشة والإذاعة وعانى من تمييز مثلما بقي الفن الريفي يعاني من تمييز في فترات لاحقة، بحجة أنه ليس فنًّا راقيًا. ظهرت الفرقة في الستينات وكانت معروفة بحمدية وبناتها، ثم تراجع حضورها تدريجيًا في ظل طغيان الأحداث السياسية المحتدمة قبل أن تبرز مرة أخرى في الثمانينات. جاءت بعد حمدية صبيحة ذياب ثم البقية.
الجيل النسائي الذهبي
فترة السبعينات تطوّرت الأغنية العراقية بالكامل من حيث اللحن والكلمات والتنوع الموسيقي، بفضل مجموعة من الملحنين أبرزهم كوكب حمزة، طالب القره غولي، محمد جواد أموري، محسن فرحان، فاروق هلال وطارق الشبلي؛ ما جعل أربعة أصوات نسائية تقدم طبقًا غنائيًا متكاملًا قبل أن تتوالى اعتزالات معظمهن؛ وهن أمل خضير وسيتا هاكوبيان وأنوار عبد الوهاب، ومائدة نزهت التي استمرت بقوة في السبعينات، وأحيانًا تضاف لهن مي أكرم.
أول معتزلات الحقبة سيتا هاكوبيان رائدة البوب العراقي في أغنية يما وهي أول أغنية عراقية تستخدم آلات غربية. رغم قصر مسيرتها الغنائية التي أنهتها عام ١٩٨٣، تركت سيتا هاكوبيان إرثًا غنائيًا حافلًا، وأشهر أغانيها دروب السفر وبهيدة التي لحنها طارق الشبلي.
أما ثاني المعتزلات كانت أنوار عبد الوهاب، بعد خلاف مع السلطة حينها في نهاية الثمانينات كما تذكر هي؛ إذ بعد اعتقال والدتها والتحقيق معها قررت الانزواء و عدم الاختلاط وشعرت بالخوف باعتبارها من عائلة يسارية، رغم عدم ادعائها الانتماء لجهة سياسية لكنها حملت أفكارًا حول الحريات متأثرةً بتربيتها. كانت أشهر أغانيها عد واني اعد التي صنعت شهرتها، وداده حسن؛ ولحن كليهما محمد جواد أموري.
بين اعتزال سيتا وابتعاد أنوار عبد الوهاب غابت مائدة نزهت عن المشهد لفترة، ثم استعادت وهجها في أغنية اسألت عنك التي لحنها فاروق هلال؛ قبل أن تقرر الذهاب للحج وارتداء الحجاب ثم ترك الغناء.
أما أمل خضير فقد انطلقت تعاوناتها مع فاروق هلال في أغاني على ضيك يا كمر وأغنية مر فركاك، وذاع صيتها بلحن من محسن فرحان في أغنية كرستال، كما تعاملت مع عباس جميل الذي كان رائدًا وقدم لها حتى ألحانه القديمة، مثل غريبة لزهور حسين ويا يمه ثاري هواي لسليمة مراد.
بقيت أمل خضير مستمرة حتى اعتبرت المطربة العراقية صاحبة أكبر أرشيف، وهي تنسى أحيانًا بعض أغانيها. غنّت الكثير من ألحان محمد جواد أموري وأشهرها أغنية أنا يا طير، لكنها لم تتعامل مع طالب القره غولي خارج الأوبريتات، وكان يمكن أن تقدم يا روحي جذاب الهوى بصوتها ولم يكتمل المشروع. أمل الأكثر استمرارية في الغناء العراقي، صرّحت في ٢٠٢٣ بأنها ستغني حتى الموت.
ثمانينات صعود الكاوليات
بدأت أديبة مسيرتها عام ١٩٨٠ مع طالب القره غولي، بعد بضعة سنوات من ساجدة عبيد والأقدم منهن سعاد العبد الله التي كانت ممثلة في بدايتها. كان تشابه أصوات الثلاثة والمزاج الغنائي الذي يقدمنَه جزءًا أساسيًا من إيقاع الثمانينات.
اشتركت مطربات الجيل السابق، لدى تراجع حضورهن أمام ثلاثي ساجدة وسعاد وأديبة، بتصريحات متقاربة خلاصتها أن الجو لم يعد ملائمًا لهن.
لا يمكن اعتبار هؤلاء الثلاثة مطربات ريفيات تمامًا ولا يمكن اعتبار أعمالهن غناءً شعبيًا بالكامل؛ هو غناء يجمع بين الصوت الغجري الريفي والغناء الشعبي، خصوصًا أن سعاد العبد الله تمتهن الرقص إضافة للغناء. أعادت هذه الأصوات تقديم الأرشيف الغنائي النسائي العراقي بالكامل وحتى جزء كبير من أغاني الرجال لكن بطريقتهن، وقليلًا ما نجد لهن أغانيَ خاصة.
برزت ساجدة عبيد بأغنية كسرت الشيشة، ربما أجرأ أغنية عراقية نسائية على الإطلاق، حيث تتناول موضوع فقدان العذرية. أما أنا المسيجينة فهي أشهر أغاني سعاد العبد الله؛ وتشترك الاثنتان بتقديم أغاني الجوبي كل واحدة بطريقتها، رغم أن هذه النوع الغنائي يعاني دائمًا من عدم الاعتراف الرسمي في الإذاعة والتلفزيون، لكن ملائمته للحفلات جعلته يثبت ويرسخ في الساحة الفنية.
استطاعت هذه المجموعة من النسوة تحسين حياة الغجر في العراق في بعض النواحي، إذ ينسب فضل حصول بعض الغجر على الجنسيات إلى حمدية صالح، ثم إعطائهم حق المواطنة بخدمة الجيش أو القبول بالوظائف وغيرها من الحقوق. كما تكفّلت كل واحدة منهن بالحصول على مستحقات لأهالي منطقتها أو المحيطين بها بسبب علاقتهن الجيدة بالسلطة، وهذا ما يجعل كثيرًا من العراقيين يربط هذا النوع الغنائي بالسلطة السابقة.
لم يأخذ الغناء الكاولي أو الغناء الغجري حقه من النقد بصفته نوعًا مستقلًا بسبب النظرة الاستعلائية عند الرقباء الفنيين، والتي شملت أي شيء مقارب له. حتى أن طالب القره غولي الأكثر تعصبًا رفض تقديم لحن لحاتم العراقي لأنه اعتبر صوته غجريًا رغم أن الرجل ليس غجريًا. أثر هذا إلى حد كبير على تلقّي الجمهور فأصبح هذا النوع هو الذوق غير المعلن.
من جهة أخرى، في الثمانينات هناك صوتان نسائيان لم تكتمل مسيرتهم الغنائية، الأولى هي سهى عبد الأمير التي أصبحت قصة جنونها أشهر من أغانيها. إذ دخلت سهى السجن وخرجت لتتسوّل في الشوارع وتنعت بالجنون. تتضارب الحكايات حول سجنها أو اختفائها؛ فيذكر البعض أنها تزوجت من أحد أقرباء العائلة الحاكمة، لكنها بقيت متسوّلة فاقدة للذاكرة حتى توفيت في خيمة في شارع السعدون ببغداد. الصوت الثاني هو أنيتا بنيامين التي لم تقدم أكثر من أربع أغانٍ.
التسعينات عقد بلا مطربات تقريبًا
في التسعينات توقف نشاط سيتا هاكوبيان وأنوار عبد الوهاب ومائدة نزهت، ولم يبق من جيل السبعينات إلا أمل خضير. لكن هل هناك مطربات تسعينات؟ الأبرز هن ثلاث أسماء، غزلان وسيناء وحنان حمدي. أي عقد بلا مطربات تقريبًا في فترة شهدت توّهج وتطور للأغنية العراقية من حيث الكم والنوع؛ إذ يصعب حصر أسماء الرجال الذين نشطوا في نفس الفترة، إضافة لظهور مجموعة ملحنين وموزعين قدموا أشكالًا متنوعة من الغناء، كما أن وجود قناة تلفزيونية مخصصة للشباب دعم هذه الموجة وساهم كثيرًا في وفرة الأغاني. لكن لا ملامح حقيقية لغناء النساء. من حيث الشهرة يمكن أن نذكر غزلان وسيناء وأسماء أقل شهرة بكثير.
قدمت سيناء بضعة أغانٍ أشهرها ظلمتوه، ثم اضطرت للتوقف بسبب المرض، قبل السفر وارتداء الحجاب؛ لم تطل مسيرتها أكثر من خمسة سنوات. كذلك قدمت حنان حمدي بضعة أغانٍ أشهرها مملكة الحب، أما غزلان فهي الوحيدة التي ظهرت في هذا الجيل واستمرت رغم قلة إنتاجها؛ إذ كان لموال أوصيك بيه لو متت صدى جماهيري كبير، إضافة لمشاركتها الفنان سعدي الحلي في بعض الأغاني، وحضورها كممثلة ومطربة في المسرح الشعبي؛ ما جعلها ذات حضور لافت. إلا أنها لم تقدم مسيرة غنائية على صعيد التسجيل والتصوير عكس الذي حدث في الأغنية العراقية مع الرجال في نفس الفترة، بينما الأسماء الأخرى لا يوجد لها أثر في ذاكرة معظم الجمهور أو لم يكن لها أثر غنائي ولا حتى بأغنية واحدة.
ربما ما حدث مع سهى وأنوار جعل بعض الفتيات تخشى دخول هذا المجال، خصوصًا أن الفنان كان يضطر لإحياء الكثير من الحفلات الخاصة لشخصيات في السلطة، وحتى المطربين كانوا يتعرضون لاستغلال وإهانات وتعذيب لم يكن يخفى عن التداول في الوسط الفني ويصل بطريقة ما للتداول الشعبي. أما حلقة الوصل بين التسعينات وما بعدها كانت مطربة ظهرت في بداية الألفية، اسمها رنا وليد برزت بأغنية اليوم شجابك.
التغيير الذي استثنى غناء النساء
بعد ٢٠٠٣ والتغييرات الكبيرة التي حدثت في البلاد أصبح هناك انفتاح أكثر، لكنه لم يشمل تغييرًا في الحضور النسائي على الساحة الغنائية.
كسرت دالي الحاجز وقدمت نفسها كمطربة بمجموعة أغانٍ حققت بها شهرة واسعة وسريعة مطلع الألفية. ثم ظهرت شذى حسون بطلة ستار أكاديمي، وبينهم عادت رنا وليد لتنتج أكثر من أغنية مع نصرت البدر، ما ساعد في صعود اسمها.
سرعان ما بدأت الاثنتان بالاختفاء التدريجي، لا نعرف أين هي دالي بعد ٢٠١٠ ولا رنا وليد، بينما استمرت شذى بإنتاج بعض الأغاني التي يعتبرها بعض العراقيين عربية أكثر منها عراقية، باستثناء أغنية بالاشتراك مع الفنان حاتم العراقي لتشجيع منتخب كرة القدم. في هذه الفترة ظهرت رحمة رياض أحمد، الوريثة الشرعية للنواح العراقي بأغنية مشتركة مع الفنان هيثم يوسف، لكن ما صنع شهرتها الحقيقية ظهورها في برنامج ستار أكاديمي، ثم غابت بعد البرنامج أو غابت عن النجاح لأنها أصدرت أعمالًا لم تشكّل الحضور المرجو بعد انتهاء البرنامج.
أما إسراء الأصيل فشكّلت حضورًا لافتًا من لحظة صدور أغنيتها الأولى عليك ادعي وبعد إنتاج أغنيتين بدأت مسيرتها بالتذبذب. في هذا الوقت كانت أصيل هميم بالنسبة للجمهور العراقي هي الفتاة التي ظهرت مع كاظم الساهر في برنامج تاراتاتا ولها أغنية وحيدة معروفة في العراق، بلاني زماني. بينما ظلّت غزلان، التي قدّمت أكثر من أغنية مميزة مع الملحن علي بدر، معروفةً بقلة الظهور والإنتاج.
في ٢٠١٨ تغيّر الحال قليلًا، عادت رحمة رياض بأغنية وعد مني وأصيل هميم بـ سر الحياة لتسيطرن على الساحة العراقية الغنائية النسائية، مع كثافة إنتاج واستمرار في النجاح، ورغم نجاح أغنية العروسة لإسراء الأصيل لكنها عادت لقلة الانتاج. مع ظهور دموع تحسين وإنتاجها بعض الأغاني واستمرار شذى حسون، بدأ تداول سؤال لا أجد له داعيًا: من هي مطربة العراق الأولى. لا أعلم لماذا يطرح هذا السؤال ونحن في ١٥ عامًا لم نتجاوز العشر مطربات.
أمل وإحباط في المهجر
مع هذه القلة يوجد عدد من الأصوات النسائية العراقية ظهرت بعد ٢٠٠٣ بقيت خارج الحسابات رغم أصالتها، خارج اللقاءات وخارج الشائع، ومع قلة الإنتاج لكنهنّ معروفات عند المستمعين العراقيين وإن لم نسمعهن على مسارح العراق وإذاعاته. العامل المشترك بينهن أنهن نساء يعشن في الغربة.
بيدر البصري ونوفا عماد ورزان رمزي وتارة مونيكا وميرنا حنا. قد تكون هناك أسماء أخرى، إلا أن هذه الأسماء معروفة لنسبة كبيرة من الجمهور والعاملين في الفن.
أصبح صوت بيدر البصري رائجًا قبل زمن اليوتيوب في العراق، عندما غنت هذا مو إنصاف. كان هذا المقطع الصوتي يتنقل بين الهواتف، ثم بدأنا بالتعرف عليها أكثر على أنها من عائلة فنية والدها الملحن حميد البصري وأمها المطربة شوقية العطار؛ التي برغم ظهورها المبكر وانضمامها للإذاعة والتلفزيون لم تحظ بحضور كبير في الساحة العراقية كونها شيوعية لوحقت وهاجرت من العراق واستمرت مسيرتها خارجه. أما نوفا عماد فمنذ بدايتها ونحن نسمع عنها بوصفها فتاة عراقية تشارك مع الفرق العالمية وفي المهرجانات المهمة، إضافة لذلك هي ابنة سيتا هاكوبيان السالف ذكرها.
بيدر ونوفا هنّ الجيل الأول من المغتربات، بقيت مسيرتهن خارجية تصلنا بعض تسجيلاتهن وبعض المشاركات التي يمكن الاحتفاء بها. رغم كثرة شركات الإنتاج الغنائي في العراق لم تتعاون أي من هذه الشركات معهما، وطوال هذه الفترة لا يمكن حساب عدد النجوم الرجال الذين ظهروا في الغناء العراقي، حيث كانت هناك الكثير من الشركات مع الكثير من القنوات وأكاد أجزم أن لكل شركة قناة تلفزيونية خاصة: أغانينا، القيثارة، mcb، الحنين، الريماس، الشباب، New Music TV … لم تتعامل أيٌّ من هذه القنوات مع هذين الاسمين رغم شح الأسماء النسائية، ورغم أنها كانت قادرة على تحويل أي شخص إلى نجم في الغناء من خلال تكرار بث أعماله.
تقول نوفا إنه لم يُقدَّم لها أي عرض من المؤسسات العراقية خصوصًا في بداية الألفية، مرجحةً أن يكون السبب نوعية الأغاني التي تقدمها باعتبارها مختلفة من حيث الكلمة واللحن والمزاج؛ لذلك اضطرت أن تكون فنانة مستقلة تعمل موظفةً وتنفق من راتبها على فنها.
“أحيانًا أشعر بالظلم فأنا لا أشعر بالتقصير في تقديم أغاني تمثل الفن العراقي رغم صعوبة ذلك ونحن بالغربة. رغم هذا نحن أقرب لفنانات ممحوات من الذاكرة. قد يرجع هذا لعدم استفادة أي جهة من نجاحاتنا. نحن مغيبات بقصد أو بغير قصد. أنا غنيت بمسلسل مصري قبل أن أغني بمسلسل عراقي بعشر سنوات ورغم ذلك في وقتها لم تنتبه الصحافة العراقية إلى غنائي بالسبع وصايا رغم أنه عند نزول الأغنية بالسوشيال ميديا كتب العراقيين: ’البنية من عدنا واحنه ما ندري.’”
يصيب هذا الاستبعاد الكثير من فنانات المهجر بالإحباط ويجعل بعضهن ينسحبن مثل ورود الخفاف.
الأمر ذاته مع ميرنا حنا وتارة مونيكا، اللاتي تتشابه قصتَيهما إلى حد ما من حيث البداية في برنامج المواهب ذَ فويس كيدز والحصول على نجومية مبكرة وإشادات كبيرة على حجم مواهبهن، ثم السفر برفقة عوائلهن ومحاولة البدء من جديد بتحدٍّ أكبر.
تنتمي تارة إلى عائلة فنية عراقية والدها هو الممثل صلاح مونيكا، وينشط إخوتها في الوسط المسرحي العراقي. عندما ظهرت في البرنامج كانت معروفة نسبيًا، لكن البرنامج صنع منها نجمة على مستوى العراق، وبعد عودتها إلى الوطن جرى الاحتفاء بها واستقبالها في أكثر البرامج شهرة حينها. كانت على وشك أن تبدأ مسيرتها بهذه الأرضية الممتازة، لكن عرقل موعد سفر أهلها هذه المسيرة وأخذ الطفلة بعيدًا عن الوطن والناس. رغم محاولة العودة بإنتاج أغنية حالتي حالة التي شكلت حضورًا نسبيًا بقيت تارة هي تلك الطفلة التي ظهرت في ذَ فويس كيدز ثم غابت.
مع ذلك تنشط تارة الآن مع فرقتها بتقديم بعض الحفلات في بعض البلدان لكنها مغيبة من الساحة العراقية والإعلام العراقي.
أما ميرنا، ففي لحظة ظهورها كان وضع عائلتها مرتبكًا. عائلة عراقية مهجّرة قدمت للبرنامج وهم ينتظرون الانتقال لكندا، لذا كان البحث عن مكان آمن أهم من البحث عن مكان بين الأصوات النسائية، وهي كانت طفلة تبحث عن الاستقرار كذلك وهذا ما ذكرته بالضبط.
غابت لتستوعب الصدمة الثقافية، مثلما أسمتها، ثم عادت لإنتاج أكثر من أغنية، ورغم نجاحهن تشعر ميرنا يخيبة الأمل من الإعلام.
عام ٢٠١٧ انضم اسمُ جديد إلى فنانات المهجر، حين أنتج الفنان وليد الشامي أغنية ويحد حلو باللهجة الموصلية العراقية تضامنًا مع ما يحدث حينها في الموصل. شكلت الأغنية حضورًا جيدًا عزّزه امتلاء الميديا بفيديو لفتاة موصلية اسمها رزان رمزي تعيد غناءها. حينها أعاد الفنان وليد الشامي نشر الفيديو على صفحته بإنستجرام محتفيًا برازن وطريقة غنائها. بقيت رزان نشطة داخل صفحتها على إنستجرام وقناتها على يوتيوب بأداء بعض الأغاني العراقية القديمة أو تسجيل كوفرات لبعض الأغاني الحديثة؛ مع الحضور في بعض الحفلات خارج العراق.
في أغلبه، يعود عدم حضور هذه الأسماء إعلاميًا إلى قلة التواصل والتخوّفات من الطرفين، بين تخوف الفنانات من تداعيات الاحتكار وما قد يترتب عليه من إلزامهنّ بالغناء في أماكن لا يرغبن بالغناء فيها، وبين ارتفاع التكلفة المادية لإقامة حفلات لهن بسبب تكاليف الطيران والإقامة، بالإضافة للأجور التي من الطبيعي أن تكون مرتفعة لتصبح الرحلة مغرية. لكن لو كانت هناك شركة إنتاج عراقية واحدة تفكر بالاستثمار الحقيقي في المواهب لأثرت الساحة العراقية بهذه الأصوات النسائية التي يتفق عليها الجميع وجعلتني أفكر بكتابة هذه المادة.
تركت مطربات العراق أثرهن في تاريخ الغناء، ورغم قصر مسيرة معظمهن وصعوبتها استطعن أن يضعن أعمالهن بين أيقونات الفن في كل حقبة. أعيد تقديم أغنياتهنّ كثيرًا ومن أفضل المطربين إلا أن احدًا منهم لم يقدمها كما قدمنها. هذا مو إنصاف منك أغنية أداها كثير من المطربين المحترفين والمبتدئين بأداءات ملفتة، لكنها فقدت روحها وإحساس موضوعها بأصوات الرجال؛ ما يجعلنا نشتاق لها ولأغنيات كثيرة مثلها يجب أن تغنى بصوت نسائي ينصفها.
