ضريبة التجديد | حقيقة اتهام زكريا أحمد بسرقة ألحان سيد درويش

مقالات - كتابة: عمرو نصحي - ٢٠٢٦/٠٤/٢٧
FI
تحميل...

“كل ما أرجوه أن يُفهم أن التكليف بيني وبين زكريا مرفوع، والزعل ممنوع.”

“أما أنت [زكريا] فمعروف عنك أن ثمن حذائك مما تسطو عليه من ألحان الشيخ سيد.”

قال هاتين العبارتين نفس الشخص، وفي فترةٍ لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا، وهو الشاعر الغنائي يونس القاضي.

بين الإعزاز الشديد والاتهام القاسي، تتشكل واحدة من أكثر الوقائع التباسًا في تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة: قضية اتهام الشيخ زكريا أحمد بسرقة ألحان الشيخ سيد درويش، ووضع جملٍ صريحةٍ منها خلسةً في ألحانه المسرحية. شارك في إثارة القضية محمد البحر درويش، ومحمد دوارة، ويونس القاضي نفسه، صديق زكريا أحمد وشريكه الفني في مراحلٍ سابقة.

الشيخ محمد يونس القاضي

لكي نفهم سبب التحوّل الجذريّ من التقدير إلى التحقير، لا بدّ من دراسة السياق الذي جاء فيه هذا الاتهام، الذي يمكن اعتباره موتًا فنيًّا وأدبيًّا لفنانٍ لم يتجاوز عمره الفني آنذاك خمس سنوات فقط. قبل أن يتحوّل اسمه إلى محور سجال صحفي لاذع في خريف ١٩٢٦، كان زكريا أحمد لا يزال يخطو خطواته الأولى في تثبيت هويته كملحن مسرحي داخل مشهد مزدحم بالروّاد والورثة المحتملين لمدرسة سيد درويش.

تهدف العودة إلى هذا السجال بالأساس إلى مساءلة تلك الحالة من القداسة التي ضُربت حول مدرسة سيد درويش، وتفكيك تلك الخطيئة الوهمية التي أُلصقت بزكريا أحمد في مهده. نحن هنا أمام محاولة مبكرة لتأميم الموسيقى المصرية الحديثة وحصرها قسريًا في ظل عباءة سيد درويش، وكأنَّ أي خروج عن النص أو استلهامٍ للمنهج هو بالضرورة سرقة تستوجب العقاب والإقصاء. 

أيضًا، ما يدفعنا لإعادة القراءة هو ذلك المزيج الغريب في موقف يونس القاضي؛ عاطفية جارفة ومبالغ فيها تحولت بين ليلة وضحاها من الحب إلى الكراهية، ما يجعل من اتهامه لزكريا أقرب إلى انتقام العشاّق منه إلى النقد الموسيقي الرصين. لذا، فإن فحص هذه الواقعة هو بالضرورة فحص لآليات صناعة الإقصاء في الوسط الفني.

بين دمياط والمحلة وبني سويف، بدأت مسيرة زكريا أحمد على نحوٍ تقليديّ لفنانٍ ذي خلفيةٍ أزهرية؛ إذ استهل مشواره بالغناء في الموالد، برفقة عددٍ من كبار الموالدية في ذلك العصر، وكان من أشهر “الصييتة” حينها . كما عمل منشدًا في بطانات أشهر الشيوخ حينها، مثل علي محمود ودرويش الحريري وإسماعيل سكر.

لم تكن لزكريا في تلك البدايات صلة تُذكر بالموسيقى الدنيوية، انشغل فقط في الموالد والإنشاد. إلى أن سار تدريجيًا في مجالسة بعض رواد المسرح الغنائي، ما فتح أمامه أفقًا جديدًا، فبدأ يتردد على مجالس عددٍ من رجاله، مثل بديع خيري وسيد درويش، والصديق اللدود يونس القاضي. مع هذا التحول في محيطه الاجتماعي تحول إلى “زكريا أفندي” وأخذ من الطربوش والبدلة زيًا رسميًا له، بعد عهدٍ طويل كانت العمامة فيه جزءًا من هويته .

دخل زكريا عالم التلحين من الباب الواسع من حيث الانتشار، لكنه اصطدم في أولى محطاته بثوران التيار المحافظ؛ إذ أثار لحْنه الأول ارخي الستارة اللي في ريحنا ، من كلمات يونس القاضي، موجةً من الاعتراضات الأخلاقية التي ندّدت بما رأته إيحاءاتٍ جنسيةً في نص الطقطوقة.

غير أن هذا الجدل نفسه تحوّل، بالنسبة إلى زكريا، إلى ما يشبه “فتحة الخير”؛ فبعيدًا عن اعتراضات التيار المحافظ، لاقت الطقطوقة انتشارًا لافتًا، وتلقفها عدد من أشهر مطربي ومطربات العصر، لتسجّل بذلك البداية الفعلية لاسم زكريا أحمد في عالم التلحين. كان انتقاله إلى المسرح الغنائي أيضًا في العام نفسه، ١٩٢٤، إذ قام بتلحين أولى مسرحياته دولة الحظ، التي شارك فيها بسبعة ألحان .

على هذا النحو، استمرت العلاقة الفنية والإنسانية بين زكريا أحمد ويونس القاضي إلى أن جاءت ليلةٌ مشؤومة وقع فيها الشقاق بين الخلّان، وكان ذلك في الرابع من مارس ١٩٢٤ .

لا يُعرف على وجه الدقة سبب هذا الفراق. غير أن محمد دوارة، أحد أطراف السجال لاحقًا، يرجّح أن سببه إعراض زكريا عن التعاون مع يونس القاضي والتفاته إلى بديع خيري . يبدو هذا التفسير راجحًا؛ إذ ينمّ ما كتبه يونس القاضي لاحقًا في هجومه على زكريا عن قدرٍ واضح من العاطفية الجارفة، يمتزج في الوقت نفسه بشيءٍ من الحقد المكتوم.

من جهة أخرى، في حيّ كوم الدكة بالإسكندرية على بعد نحو مئتي كيلومتر من القاهرة، كانت تتشكل صداقة ثلاثية جمعت بين محمد حوّاش، الذي حفظ تراث سيد درويش عن ظهر قلب وكان يمتهن الغناء، ومحمد البحر درويش، نجل سيد درويش، الذي كان يستمع إلى حوّاش فيحفظ عنه ويستوعب، وأخيرًا محمد دوّارة، الذي لم يكن صاحب موهبة فنية، لكنه كان يمتلك موهبةً أخرى أصبحت لاحقًا حاسمة في هذه القصة: الصحافة.

محمد محمود دوارة في شبابه

جمع الثلاثة حب سيد درويش وإعجابهم بتراثه، وكان أكبرهم سنًا محمد حوّاش، بينما لم يكن محمد البحر قد تجاوز الثامنة عشرة، وكذلك دوارة.

في ليلةٍ من ليالي رمضان، كانت تبدو لهم ليلةً سعيدة، جاء محمد البحر إلى صديقيه مبشرًا بأن المطربة فتحية أحمد زارت أسرته تكريمًا لذكرى والده، وأهدته “لوجًا” في تياترو الهمبرا ، على أن يشغله مع من يشاء من أصدقائه؛ ولم يتردد في اختيار حوّاش ودوارة.

حضر الثلاثي الحفلة المعهودة في اليوم العاشر من شهر يوليو ١٩٢٦، وأخذوا في السماع، وكانت تعتريهم الفرحة العارمة؛ إذ كان ذلك أول عهدهم بالتياترات. لم يمر وقت طويل حتى صُعق محمد البحر درويش بطقطوقة آدي وقت البرنيطة، وظل ساكنًا تبدو عليه ملامح الامتعاض حتى انتهى الحفل.

ما إن خرجوا حتى انفجر غاضبًا، مؤكدًا أن اللحن مسروق من لحن والده شوف بختك في مراتك.

لم يتردد حوّاش بدوره، فسارع يسأل عن ملحن تلك الطقطوقة، بينما كان دوّارة يقف حائرًا، لا يفهم على وجه الدقة سبب ذلك الغضب المفاجئ.

في اليوم التالي قصد الثلاثة من يكبرهم سنًا وخبرةً، وهو الشيخ محمد خاطر، صديق سيد درويش القديم. عرضوا عليه الأمر، لكن رده جاء صادمًا؛ إذ لم يُبدِ أي استغراب، بل قال لهم إن هذا الأمر ليس جديدًا على الشيخ زكريا، وأنه اعتاد، على حد قوله، أن يأخذ من ألحان سيد درويش.

فتح الثلاثة أفواههم دهشةً، لكن الشيخ خاطر استنكر عليهم دهشتهم، وبدأ في عدّ ما أسماه “سرقات”، وذكر منها الطقطوقة التي ذكرناها سالفًا، وهي ارخي الستارة اللي في ريحنا، وأشار إلى أنها مسروقة من لحن سيد درويش يا أبو الكشاكش كان جرى لك إيه؛ وأضاف أن هذا الحال لا يجب أن يستمر. اتفق معه في حماسٍ حوّاش ومحمد البحر، بينما كان دوارة يستذكر لحن ارخي الستارة ويقارنه بلحن أبو الكشاكش.

انتقل السجال إلى الميدان الصحفي رسميًا في التاسع عشر من يوليو ١٩٢٦، عبر رسالةٍ بعث بها محمد البحر درويش إلى مجلة المسرح يروي فيها القصة التي رواها دوارة لكن برواية مختلفة . هنا تطلُّ علينا مفارقةٌ تكشف ملمحًا جوهريًا في شخصية الوريث الشاب: الاعتزاز المفرط بالنفس. فبينما يروي محمد دوارة الواقعة بوصفها منحة من المطربة فتحية أحمد لعائلة سيد درويش، نجد محمد البحر في روايته الصحفية يتجاوز ذكر هذا العطف تمامًا، مصورًا ذهابه للتياترو كقرارٍ سياديٍ محض.

​هذه السمة هي المحرك ذاته الذي دفعه سابقًا لنفي أخبار فقر عائلة سيد درويش بحدةٍ بالغة في ذات المجلة، معددًا موارد العائلة وقدرتها على الصمود. يبدو أن محمد البحر كان يرى في زكريا أحمد، الذي بدأ يلمع اسمه كملحن مسرحي، تهديدًا لهذا الكبرياء؛ فالهجوم على زكريا لم يكن دفاعًا عن حقوق الملكية الفنية بقدر ما كان محاولة لتثبيت سلطة كهنة الشيخ سيد في مواجهة الأغراب، حتى لو استدعى الأمر تحويل التشابه الروحي إلى جناية سرقة.

محمد البحر درويش في شبابه

لم ينجر زكريا أحمد إلى السجال الإنشائي، بل اختار ردًا تقنيًا بامتياز؛ فنشر رسالةً مقتضبة نفى فيها التهمة واعتبرها “مناورة المقصود منها معلوم”، واضعًا حدًا للجدل بمطلبٍ وحيد: “انشروا النوتة الموسيقية.” كان هذا الطلب بمثابة دعوة لنقل النزاع من حيز الانطباعات السمعية إلى حيز التحقيق العلمي، وهو المسار الذي كان يمكن أن يحسم القضية في مهدها.

إلا أن عبد المجيد حلمي، صاحب مجلة المسرح، لم يتبنّ هذا المنحى التقني في التعامل مع الرد. فبدلًا من الاستجابة لمطلب النشر، عمد إلى تحليل موقف زكريا من زاوية صحفية مغايرة، معتبرًا صمته عن الرد التفصيلي “صمتًا غائرًا” يوحي بالهزيمة. بل ذهب حلمي إلى أبعد من ذلك حين استخف بقدرات زكريا الثقافية قائلًا: “إن كان الرجل ليس كاتبًا ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه تحريريًا، فليتقدم إلينا شفويًا (…) وإما أن يقف موقفًا حازمًا للدفاع عن نفسه، وإما أن تكون النتيجة في غير مصلحته.” كان حلمي يضع زكريا أمام خيارين أحلاهما مر: إما اعتراف ضمني بالجهل أو مواجهة غير متكافئة مع ترسانة صحفية يقودها يونس القاضي.

أراد حلمي أن يستمر الجدل حول زكريا، فبدأ في ترويج الكذبات التي نفاها زكريا مثل انفصاله عن مسرح الماجستيك، وهو ما نفاه زكريا قطعًا

​هنا، شعر الشيخ يونس القاضي أن فرصته للانتقام من زكريا، الذي لم يعد يلتفت إلى ما ينظمه، قد جاءت على طبقٍ من ذهب. فدخل الحلبة متجردًا من عباءة الناقد ومتصدرًا كشاهد عيان يملك أسرار الكواليس، ليبدأ هجومًا لاذعًا. لم يتورع القاضي عن السخرية من طريقة تلحين زكريا ملمحًا إلى فقر خياله، ​ولكي يقطع الطريق على مطلب زكريا بنشر النوتة، شكّك القاضي في أصل معرفة زكريا بالموسيقى، موجّهًا له أسئلة تعجيزية ومهينة في آنٍ واحد: “على من تعلمت الموسيقى؟ وهل تعرف النوتة الموسيقية وعلاماتها؟” وصل به الأمر إلى استدعاء شهادات مجتزأة من أساتذة زكريا القدامى مثل الشيخ درويش الحريري والشيخ علي محمود لإحراجه.

​بهذا الانتقال، تجاوزت القضية موضوع اللحن المسروق، وتحولت إلى محاولة إعدام فني لزكريا أحمد، يقودها صديق قديم يعرف مواطن الضعف ويجيد ضربها تحت حزام الصحافة.

بالإضافة إلى التلاسن الصحفي، سعى يونس القاضي عبر الأديب اليافع محمد محمود دوارة إلى نقل السجال من حيز النقد الفني إلى حيز الوقائع الميدانية؛ حيث أورد دوارة روايةً مفادها أن زكريا أحمد بعث بخطابٍ إلى صديقه في الإسكندرية، الجواهرجي نقولا الملا، يطلب فيه التوسط لإسكات محمد البحر ودوارة، بل وعرض شراء روايتي الباروكة وشهرزاد من عائلة سيد درويش، مع وعدٍ بتعليم محمد البحر أصول التلحين. صوّر دوارة هذه الواقعة كنوعٍ من الاستجداء أو الاعتراف الضمني بالذنب، مختتمًا سرده بعباراتٍ تهكمية تدعو زكريا للتعلّم بدلًا من التعليم .

إلا أن هذه الرواية، التي اعترف دوارة لاحقًا بأنها نُسجت بإيعازٍ من يونس القاضي لإرضاء رغبة الفتى في التصدر الصحفي، اصطدمت بنفيٍ قاطع ومفصل من نقولا الملا نفسه. ففي رده المنشور بمجلة المسرح، فنّد الملا تلك الادّعاءات جملةً وتفصيلًا، واصفًا إياها بأنها نتاج “أقلام صبيانية يحركها حب الظهور”، ومؤكدًا أنه لم يتلقى أي خطاب من زكريا أحمد منذ عامٍ تقريبًا. كشف الملا أن دوارة هو من بادر بزيارته محاولًا البحث عن دليلٍ يدين زكريا، فما كان من الملا إلا أن نصحه بالانصراف والالتفات إلى دروسه بدلًا من التدخل فيما لا يعنيه. أيضًا، وجّه الملا عتابًا مباشرًا ليونس القاضي، مستنكرًا انخراطه في هذا المسلك وهو العليم بقدرات زكريا، كما ذهب الملا إلى أبعد من ذلك بوصف زكريا بأنه “الرجل الذي خلف صديقي المرحوم الشيخ سيد درويش بحق” .

​وضعت هذه الشهادة مجلة المسرح والقائمين عليها في موقفٍ يتسم بالتناقض؛ فبينما كانت تفتح صفحاتها آنذاك لاتهام زكريا بالافتقار للابتكار، كانت هي ذاتها قد نشرت قبل عام واحد فقط تقييمًا وصفته فيه بأنه “الملحن الوحيد في مصر اليوم الذي يستطيع أن يصنع شيئًا من الابتكار ويسمو به إلى درجة الإبداع.”

يكشف هذا التباين الحاد، مع لجوء القاضي لترتيب وقائع ميدانية غير حقيقية عبر دوارة، أن المحرك الأساسي للسجال لم يكن مراجعةً نقدية للمنتج الموسيقي، بقدر ما كان انعكاسًا لمحاولة استغلال شبح سيد درويش لتصفية وجود زكريا الفني في لحظة صعوده كملحن.

بينما كانت مجلة المسرح تذكّي نيران الهجوم، تحولت مجلة ألف صنف بقيادة بديع خيري إلى جبهة دفاعٍ فنّي متماسكة، أدركت منذ اللحظة الأولى أن المعركة كيدية؛ إذ رفضت ألف صنف نشر ادّعاءات دوّارة مالم تُدعم بالنوتة الموسيقية، معتبرةً أن رمي التهم ثم التولي من الميدان هو ظلمٌ وافتراء. مع تصاعد السجال، بدأت الأقنعة الفنية لخصوم زكريا في التهافت؛ إذ كشف الموسيقي محمد فاضل، الذي تعلم العود على يد محمود الجمركشي، في مقاله المنشور بتاريخ ١١ سبتمبر ١٩٢٦ تناقضًا صارخًا في كتابات يونس القاضي، الذي حاول في آنٍ واحد وصم زكريا بالغباء لعدم قدرته على حفظ شطرة لحنية في أربع ساعات، وبالذكاء الذي يجعله سارقًا محترفًا قادرًا على السطو على نتاج عبقري كدرويش. بل وفنّد فاضل الجهل الموسيقي للقاضي وأنصاره، كاشفًا أن الادعاء بسرقة لحن مصطفاكي بزياداكي ليصبح تركي أفندي أمان هو افتراءٌ تقني مدهش، فالمقارنة هنا بين مقامي النهاوند والحجاز كار، والفرق بينهما كالفرق بين الليل والنهار.

​دفع هذا التهافت في الحجج، وتصدّي نقولا الملا لمحاولات تزييف الواقع، بمجلة المسرح إلى تراجعٍ سريع. بعد أن كانت صفحاتها مرتعًا لأقلامٍ لم تشبع من الافتراء على زكريا، قرّر صاحبها عبد المجيد حلمي في ١١ أكتوبر ١٩٢٦ إيقاف يونس القاضي عن الكتابة، ونشر مقالًا يحمل عنوانًا قاطعًا: “اقفلوا الباب”، معلنًا طي صفحة الجدل نهائيًا. تمثلت المفارقة التاريخية الكبرى في تحوّل لهجة المسرح لاحقًا لتصف زكريا بإمام الملحنين، بل واعتراف محمد دوارة نفسه في شهادة متأخرة بأن الحملة كانت ظالمة، وأن زكريا لم يكن سارقًا بل كان الامتداد الطبيعي والأصيل لمدرسة سيد درويش. 

يكشف فحص مسيرة يونس القاضي عن نزعة مرضية للاستحواذ، لا تتوقف عند حدود التلاسن، بل تمتد إلى محاولة صياغة تاريخ موازٍ يضعه في مركز كل إبداع. لقد كان القاضي يمارس نوعًا من السطو؛ فبينما كان يتبارى في اتهام زكريا أحمد بالسرقة، كان هو نفسه غارقًا في انتحال نصوصٍ أجمع المعاصرون والوثائق على نسبتها لغيره.

لا بد من قراءة هجوم يونس القاضي على زكريا أحمد ضمن سياقٍ أوسع يتعلق بنهجه في توثيق ملكية الأعمال الفنية؛ فالمتأمل في أرشيف كتابات القاضي يجد نمطًا متكررًا من محاولة تأميم المنجز الإبداعي لجيله ونسبته لذاته، وهو منحى رصده معاصروه منذ بداياته. في عام ١٩١٢ مثلًا، وجهت له مجلة السيف عتابًا علنيًا تحت عنوان زجل السيف، فضح فيه المحرر انتحال القاضي لنظم أزجال الجريدة لنفسه، مشيرًا إلى أنه كان يضعها بغير طلب ثم يلح في نشرها . استمر هذا السلوك طويلًا بعد البدايات، وامتد ليشمل أعمالًا صارت لاحقًا من ثوابت الهوية الوطنية، مثل نشيد بلادي بلادي؛ إذ التزم القاضي الصمت لعقود حين كانت الإذاعة تنسبه لبديع خيري، أو حين نشرت مجلة التياترو المصورة عام ١٩٢٥ الكلمات واللحن بوصفهما من إبداع سيد درويش وحده، ليعود القاضي بعد عقود من وفاة درويش ويقرر في أحاديثه الصحفية (١٩٦٣-١٩٦٦) أنه صاحب النشيد، مستغلًا غياب الشهود والتباس الأرشيف.

​تكشف الوثائق أن القاضي كان يمارس ما يمكن تسميته بالإقصاء المزدوج؛ فهو يسعى لتجريد الملحنين من صفة الأدب، وتجريد الأدباء من صفة الابتكار، ليبقى هو المحور الوحيد للعملية الإبداعية؛ فبينما كان يصف الملحنين بالأغبياء ويصر على أن سيد درويش لم يكن يملك القدرة على نظم بيت واحد من الشعر، كانت إعلانات الصحف المعاصرة تكذّب ذلك. على سبيل المثال، في مايو ١٩٢٣ نشرت جريدة السياسة وجريدة المقطم إعلانات عن حفلات لسيد درويش تشتمل على مونولوج مصر والسودان وأناشيد أخرى، مؤكدة أنها تأليف وتلحين الشيخ سيد درويش. بل إن برامج الحفلات المطبوعة لأدوار مثل في شرع مين ويوم تركت الحب أثبتت ملكية درويش لها نصًا ولحنًا، وهو ما يدحض ادّعاء القاضي اللاحق في مجلة المسرح (١٩٢٦) بأنه الواضع الفعلي لتلك النصوص.

​بلغ هذا الموقف الاستحواذي ذروته في نزاع رواية كليوباترا عام ١٩٢٧؛ إذ حاول القاضي إثبات اسمه كمؤلف وحيد، ليواجهه سليم نخلة ومنسي فهمي على صفحات الجرائد مؤكدين أن القاضي “لم يضع في الرواية زجلًا واحدًا”، وأن واضع الكلمات الحقيقي كان أديباً توفي إلى رحمة الله . يأتي الدليل الحاسم من أوراق سيد درويش نفسه، الذي ترك وثيقة بخط يده يثبت فيها ملكيته الفكرية لأجزاء الرواية، حيث دوّن فيها بوضوح: “إن الأجزاء المبينة بالصحيفة الأولى والثانية والثالثة من هذه الورقة هي من تأليفي وتلحيني دون سواي، نظمتها ولحنتها خصيصًا لرواية كليوباترا المعلن عنها بتاريخ ١٥ فبراير ١٩٢٣ بإعلانات رسمية مطبوعة لجوق السيدة منيرة المهدية، وعدد الأجزاء السالفة الذكر سبعة أجزاء فقط، وتحرر هذا لإثبات ملكيتي لها دون سواي.” بقدر ما يثبت وجود مثل هذه الوثيقة التي كتبها درويش قبل وفاته بشهور قليلة كذب ادعاءات القاضي اللاحقة، يكشف أيضًا عن وعي سيد درويش المبكر بضرورة حماية إنتاجه الأدبي من محاولات الانتحال التي بدأت تظهر حتى في حياته.

​إن سيكولوجية القاضي، التي دفعته لادّعاء نظم أدوار وطقاطيق لم يكتبها، هي ذاتها التي دفعته لاختراع واقعة نقولا الملا لإدانة زكريا أحمد. لقد كان القاضي يرى في الفن سلعة تجارية لا تنقطع علاقته بها إلا بالموت، بينما كان يسعى في الوقت نفسه لانتزاع ما يضمن له خلودًا فنيًا عبر نسب إبداعات الغير لنفسه. بذلك، لم يكن اتهامه لزكريا بالسرقة دفاعًا عن تراث درويش، وإنما محاولة لإزاحة ملحن بدأ يلمع كمبدع شامل؛ وهو النموذج الذي كان يهدد احتكار القاضي لسلطته .

تعد قضية اتهام زكريا أحمد بالسرقة نموذجًا مبكرًا لمحاولة تأميم النهضة الموسيقية المصرية واختزالها قسريًا في شخص سيد درويش وحده. كان درويش بلا شك المرتكز الأهم في هذا التحول، إلا أن مكمن المشكلة في الكهنة الذين نصبوا أنفسهم حراسًا على تركته، وحاولوا تحويل منهجه من تيار فني جارف ومفتوح للجميع إلى إرثٍ مغلق لا يحق لأحد الاقتراب منه إلا بإذنهم.

​إن الفكرة التي حاول محمد البحر ويونس القاضي ترويجها هي أن أي تقاطع جمالي أو تشابه في الروح بين زكريا ودرويش هو بالضرورة سرقة، وهي رؤية قاصرة تتجاهل التطور الموسيقي الطبيعي الذي تلا الحرب العظمى. إذ كانت الحداثة الموسيقية التي قادها جيل العشرينات احتياجًا شعبيًا بعد أهوال الحرب وخلخلة ثورة ١٩١٩، لا ابتكارًا فرديًا معزولًا.

​الخلاصة الفكرية لهذا السجال هي أن زكريا أحمد انتصر لأنه رفض أن يظل مجرد ظل لسيد درويش، وأدرك أن الوفاء الحقيقي للمدرسة في تطوير روحها. كشفت الأيام أن تلك الخطيئة الوهمية التي أرادوا ذبحه بها كانت في الحقيقة شهادة ميلاده، كملحن كبير استطاع أن يفك شفرة الشخصية المصرية بأسلوبه الخاص. إن بقاء ألحان زكريا وتأثيرها الممتد هو الرد التاريخي على محاولات الاختزال؛ إذ كانت النهضة الموسيقية عبارة عن نهرٍ يغذّيه أكثر من رافد، وكانت محاولة سد أحد هذه الروافد بادّعاء حماية المصب مجرد صراع على السلطة الفنية، خُلط فيه الحابل بالنابل، والتوثيق بالادّعاء، دفاعًا عن مجد شخصي لا عن الحقيقة الموسيقية.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف