في كثير من الأحيان تظهر التغيرات المجتمعية والاقتصادية في الموسيقى قبل باقي مناحي الحياة. يرى المنظّر الفرنسي جاك أتالي على سبيل المثال أن الموسيقى نبوءة تستشرف التغيرات حولها قبل أن تصبح مرئية تدريجيًا؛ ويرى بروفسور علم الموسيقى ريتشارد ميدلتون أن الموسيقى تفصح عن القلق الاجتماعي والاقتصادي قبل أن يُرى فى المجتمع ككل.
ننتقي في هذا المقال لمحات من تاريخ الأغنية المصرية، تتقاطع فيها السياسة والثقافة والمجتمع مع الأغنية، لتصور القاهرة ككائن اجتماعي تمثل الموسيقى صوته، ويتغير هذا الصوت باطراد مع تحولات طبيعة هذا الكائن.
القاهرة الجديدة | سيد درويش وما بعده
بينما ترزح القاهرة تحت النفوذ الاستعماري والحماية المفروضة، انتهت الحرب العالمية الأولى بإلغاء الدستور وإعلان الأحكام العرفية. مع انتشار الجنود البريطانيين في الشوارع وازدياد بطشهم، تصاعد الحراك الوطني واشتعل الصراع في القاهرة، والذي وصل ذروته مع نفي سعد زغلول ورفاقه ورفض مطالب الاستقلال، فقامت ثورة ١٩، وبالتزامن مع ذلك كله، برز نجم سيد درويش.
أثرت الثورة بشكل واسع على المشهد الفني في القاهرة، ووجهت أغلب الموسيقيين للتفاعل مع الأحداث بتقديم أغان سياسية واجتماعية، ومنهم سيد درويش. أنتج درويش أغان بمضامين ثورية بشراكة شعراء مثل بديع خيري ويونس القاضي وبيرم التونسي، كالهتافات التي لحنها للطلبة، وأناشيد قوم يا مصري وأنا المصري الذي يمجّد في الهوية المصرية المعتدة بنفسها في مواجهة الاستعمار، وأغاني مثل يا عزيز عيني التي مثلت نداء الحسرة لفلاحة فقيرة على ابنها، وأهه دا اللي صار، كما وضع واحدة من أشهر أغانيه: يا بلح زغلول، تورية بالطبع عن ذكر اسم سعد زغلول صراحة.
جاء هذا كنتاج أساسي لعمله بالتلحين المسرحي، إذ ركّز على أن يخرج اللحن خفيفًا سهل الحفظ مرتبطًا بالحدث، امتدادًا لأعمال سلامة حجازي.
بينما كان المسرح في بداياته يعتمد على تعريب روايات أجنبية، جاءت نقلة مهمة أدخلت عليه تمثيل روايات تعكس الواقع المصري، بإسهامات من أبو خليل القباني ثم سلامة حجازي. أصبحت مسارح القاهرة في وسط البلد وشارع عماد الدين تعرض حياة الطوائف والحرفيين، وآمال الناس وتطلعاتهم، كما أضافت إليها مساهمات معاصرة من داوود حسني وكامل الخلعي وغيرهم.
تحت ظهور تأثيرات التحولات المدينية وحضور الإنتاج الغربي في القاهرة، نرى أثر ذلك على حماس سيد درويش لإصدار أعمال غنائية مسرحية تُجاري مستوى الإنتاجات الغربية، والتي أُركِزَت كمقياس للتطور، فاستعمل في ألحانه البيانو، كما اقتبس من الموسيقى الأوروبية وصاغها بطريقة مستساغة للأذن المحلية، ويبين ذلك الإدماج في أغان مثل قوم يا مصري على صورة حس إيقاعي يشبه المارش.
بعد رحيل سيد درويش ظلّت الأبواب مفتوحة تغري بالاحتمالات الكامنة في الموسيقى، وما تستطيع تقديمه بوصفها أداة ثقافية؛ وتحت ظلّ الحركة القوميّة المستمرة، انتقلت النهضة الموسيقية من حيز الجهود الفردية إلى الاهتمام المؤسسي. يشير الباحث فريدريك لاغرانج إلى هذه المرحلة: “انتقل الغناء من تجربة جمالية ذاتية إلى خطاب جماهيري منظّم يمكن تداوله اجتماعيًا.”
على هذا الخط، أقيم في القاهرة المؤتمر الأول للموسيقى العربية عام ١٩٣٢. كانت من أهم توصياته وضع منهج تعليمي وطني للتربية الموسيقية العربية وتصنيف المؤلفات الموسيقية التاريخية، وتحديد استخدام الآلات غير التقليدية في الموسيقى العربية بما لا يخلّ بالطّابع العربي؛ كما سجلوا ٣٦٠ تسجيلًا للعروض الموسيقية بهدف الحفاظ على التراث الشفوي الموسيقي، وغنت المطربة الشابة أم كلثوم في الحفل الختامي قصيدة أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا.
على أن شهرة هذا المؤتمر تركّزت في أنه استبدل مصطلح الموسيقى الشرقية بـالموسيقى العربية، في خطوة دعائية للتخلص من الأثر الثقافي العثماني، داخل إطار الاضطلاع بالترويج للمركزية الثقافية للقاهرة، والذي قاده موسيقيون محليون تعبيرًا عن تطلعات حداثية تتحرك داخل المدينة.
عبد الوهاب
مع ظهور الراديو وانتشاره في الثلاثينات أصبح الغناء في القاهرة سلعة استهلاكية يومية، عدا عن تمكين المستمعين من طلب الأغاني وإذاعتها أكثر من مرة، ما ساهم في تحديث دورة الأغنية واختصار الوصلة الطويلة إلى أغانٍ قصيرة تلائم كلًّا من جدول البث وإيقاع المدينة الآخذ في التسارع.
كان محمد عبد الوهاب الصاعد بقوّة في الثلاثينات يمثّل زمنًا جديدًا على القاهرة، فقد ترسّخت نجومية المطرب الشاب عبر الوسيط الجديد، بين جمهورٍ أغلبيته من الطبقة الوسطى الصاعدة والقادرة على اقتناء أجهزة الراديو. في ليالي الخميس صار أهل القاهرة يلتفون حول الراديو لسماع عبد الوهاب ومنافسته أم كلثوم، الذين اقتسموا البث بواقع أغنيتين لكل منهما. لاحقًا تمسّكت أم كلثوم بليلة الخميس الأول من كل شهر تطل منها على البلاد، بمدنها وشوارعها المفرغة من روادها الملتفين حول وسائط الاستماع.
يمكن اعتبار لقاء محمد عبد الوهاب بأحمد شوقي وارتباطهما الثقافي منذ أواخر العشرينات صورةً للمتغيرات في القاهرة؛ إذ يراها الكاتب وولتر أرمبروست انعكاسًا لتحوّل اجتماعي عميق، في لقاء المثقف الأرستقراطي بابن الطبقات الشعبية الصاعد إلى الطبقة الوسطى التي أرادت تقرير مصيرها في الاستقلال والدستور. أدخله شوقي للأرستقراطية بإدماجه في مجتمع الصالونات الأدبية التي عدها عبد الوهاب مدرسة، ورآها محبو عبد الوهاب خطوةً أتمت تحويله إلى هجين عميق ما بين التراث والكلاسيكية والحداثة الغربية.
في إحدى الصالونات الثقافية، في قصيدة ألقاها أحمد شوقي مادحًا سيد درويش، أعلن شوقي محمد عبد الوهاب وريثًا لعباءة الأصالة والحداثة من سيد درويش. تكمن هنا مفارقة أن سيد درويش الذى اشتبك بمواضيع أغانيه مع ثورة ١٩، وتلقفته الدعاية القومية كفنان الشعب، لم يلهم عبد الوهاب في صورته الجماهيرية بالمواضيع القومية والثورية التى ارتبط اسمه بها، حيث فضّل عبد الوهاب الالتزام بأرستقراطيته الحداثية على الاندماج مع الخطاب القومي المتصاعد، رغم استلهامه بعض التوجهات الموسيقية من درويش.
تبرز هنا صورة عبد الوهاب ثمرة زمن وفضاء القاهرة الذي قد تغير، بخفوت انفعالات الثورة وحلول المفاوضات محلها وخفوت النبرة الرافضة لكل ما هو أجنبي لتنشط دعوات التجديد الثقافي، واستلهام الأساليب الغربية. تعالت نبرة المطالبات من المثقفين بهوية قومية حديثة للقاهرة، تواجه الخطاب الدونيْ للاستعمار الذي يُعيّر بجمود التراث واستحالة التجديد على المقياس الأوروبي، فنشطت محاولات التجديد الموسيقي عبر الاستلهام الغربي كطريقة لمواجهة الخطاب الاستعماري وإثبات قابلية الموسيقى الشرقية للحاق بركب الحداثة.
برز عبد الوهاب على هذا المسار، حيث عمل على جعل التجديد مقبولًا، بل والتباهي به، فرغم أنه لم يستلهم كثيرًا من سيد درويش على مستوى الموسيقى لكنه كما يرى فادي العبد الله، أخذ عنه إيمانه بأهمية التجديد وعدم إلزامية التطريب كمؤشر على جودة الموسيقى، فذهب أبعد من سيد درويش في تفاعله مع الموسيقى الغربية، مواكبة لأزمنة القاهرة التي تغيّرت بدخول السينما في الفضاء الحداثي للمدينة.
يعد فيلم الوردة البيضاء لحظة مهمة في تفاعلات الحداثة التي شهدتها القاهرة وصنعتها، فقد ظهر فيه بطله جلال (عبد الوهاب)، رمزًا للطبقة الوسطى الجديدة، حيث ينتسب للأرستقراطية لكنه يعمل ويندمج في الحياة اليومية، متعلم ويجيد الفرنسية لكن دون أن يتفرنج، عكس البرجوازيين الذين يعرضهم الفيلم بميلهم إلى الكسل وانغماسهم في أساليب الحياة الأوروبية. يرى وولتر أرمبروست أن الفيلم قد أعطى تركيزًا كبيرًا على التفريق ما بين أولاد الذوات المتفرنجين وبين أبناء الطبقة المتوسطة، في موقف نقدي يتخذه الفيلم من الصفوة البرجوازية.
تعاطى المشهد الثقافي في القاهرة مع الفيلم كمشروع حداثي ذي وطنية مصرية، فعلّق الطلبة مقاطعتهم لدور السينما المملوكة للأجانب خلال عرض الفيلم، معلّلين بأنه مصدر فخر كونه مشروع وطني بأياد مصرية. كما تلقفه سياسيو حزب الوفد وأبرزهم مصطفى النحاس بالاحتفاء لنفس السبب، كونه مشروع وطني يعادل في جودته الأفلام الأجنبية، أي أنه برز في مواجهة الخطاب الاستعماري بإصدار سينمائي يماثل الأفلام الأجنبية. المفارقة هنا- رغم الأهمية المتحققة للفيلم كخطوة سينمائية بارزة – أن الفيلم انتهج الأساليب السينمائية الأجنبية وصُوّرت أجزاء منه في باريس، كجزء من كلية السينما الناشئة فى اتجاهها للاستعارة من السينما الأجنبية في الأدوات والأساليب، لتحقيق معايير الجودة الأجنبية في مواجهة دعاوى الاستعلاء الاستعمارية، تفسيرًا لمنطق القاهرة باللحاق بركب التحديث الأوروبي على دربه وباستعارة أدواته.
برز نهج استلهام الأساليب الأوروبية في ألحان الفيلم أيضًا، بالاهتمام بالتوزيع الموسيقي واستعارة إيقاعات غربية.
نالت تجارب الحداثة الثقافية الكثير من الانتقادات من المثقفين والفنانين مع النقّاد، رأى بعضهم أن هذا نوع من الاتباع الأعمى لثقافة الاستعمار ورأى آخرون أن كل تلك المدخلات هي تغيير لهوية الطبقة الوسطى كأكثر الشرائح عرضة لهذه التغييرات، وهو بالتالي تبديل لهوية القاهرة كما عرفوها.
رصدت وسائط أخرى مثل الصحف والمجلات سرعة هذا التغيير، ويرى أرمبروست أن مجلة الاثنين، وسط إصداراتها الساخرة، كانت تعرض لهوية الطبقة المتوسطة كصورة جماهيرية رومانسية متجهة ناحية التغيير، ومستهلك مثقف للتقنيات الغربية، تندمج مع ما يحمله من الثقافة المصرية.
نال عبد الوهاب قدرًا كبيرًا من تلك الانتقادات، باعتباره موسيقي يتباهى بالتجديد الذي يقتبس فيه أساليب وتيمات أوروبية، وبرّر لذلك في سياق تذوق الموسيقى الغربية، وأنها أصبحت جزءًا من الهوية المصرية ما دمنا استمعنا إليها؛ أي أن كل ما دخل نطاق التداول الاستماعي للقاهرة ساهم بشكل أو بآخر في تكوين هويتها، وأصبح محليًا بدرجة أو بأخرى.
كان أهم أهداف الحداثة الثقافية والاجتماعية في القاهرة استلهام العناصر التجديدية، بما لا يخل بالموروث أو يهدد الأصالة. أما ما نجح من تلك المحاولات أو فشل فسيظل الكثير منه محل نقاش، لكن الثابت هنا في الحداثة المدنية وتدخل الموسيقى في نطاقها، هو الرغبة في تطويع المقتبس للتكيف مع الموروث أو على الأقل مقاومة ما يجنح إلى الاغتراب. أما عن عبد الوهاب، فلا شك أنه انطلق من فهمه وتأثره بالمدارس السابقة من مدرسة الموشحات وإنتاجات الحامولي وسلامة حجازي وأبو العلا محمد. كما يرى فادي العبد الله أن هالة التجديد التي استقرت حول عبد الوهاب تظلم الجانب الواعي والمستبطن للإرث المحلي لديه، فعبد الوهاب وأم كلثوم باعتبارهما وجهين للمدينة، ما كانت مكانتهما لتترسخ لو كانت انقطاعًا تامًا عن المألوف واغترابًا مطلقًا عن الموروث.
أم كلثوم
جلبت نهاية الثلاثينات إحباطاتها على القاهرة، بين التوترات السياسية الداخلية والخارجية من الحرب العالمية الثانية وصداها المزلزل في بلد يعاني من الاحتلال البريطاني، وما نتج من تبعات اقتصادية مباشرة كإفقار طبقات بعينها وإثراء طبقات أخرى، من الذين أفادوا من الأوضاع القائمة واصطلح على تسمية الواحد منهم غني حرب.
بحلول الأربعينات خفتت النزعة الرومانسية وانصرف الذوق العام عن التأثيرات الحالمة، باحثين عن أغان أكثر واقعية. لذلك، وأيضًا لإدراج تفضيلات أغنياء الحرب من الطبقات الشعبية، والذين قفزوا لنطاق رواد الحفلات، تحوّلت أم كلثوم جزئيًا عن ألحان محمد القصبجي وكلمات أحمد رامي إلى زجل بيرم التونسي بعاميته الحيّة وألحان زكريا أحمد تلميذ الشيخ درويش الحريري والشيخ علي محمود، والذي، كما يقول عنه صالح جودت، تتشبع ألحانه بكل ما هو قاهري.
بأداء أم كلثوم، واستخدامها الانتقائي للزخارف الغنائية لتعزيز أثر شعوري ما للكلمة أو اللحن على المستمع، ما وسم أداءها بوجدانية وصفها البعض بالصوفية، توحّد الناس مع تلك الأغاني مسقطين عليها مشاعرهم الشخصية. في أغان مثل أنا في انتظارك وعبارات مثل “بتقلب على جمر النار” وغيرها، من الممكن، في ضوء المعطيات، ترجمة انتظار الحبيب كاستعارة للقلق الفردي في مدينة سياسية مضطربة، وجدت في صوت أم كلثوم وسيلة لتأطيره، فيطرب الجمهور، ويستعيد أم كلثوم فتعيد. تقول فرجينيا دانييلسون في كتابها عن أم كلثوم: “صار هذا النوع من الغناء وسيلة للتعبير مجازيًا عن أنواع أخرى من الفقد والأمنيات التي لا تتحقق.”
أسهمت المدينة بشكل أساسي في تشكيل العلاقة بين الأداء والتلقي عند أم كلثوم والجمهور، فبالنظر إلى فضاءات الاستماع في القاهرة، ولاسيما مسرح الأزبكية الذي ارتبط في الأذهان بأم كلثوم، نلحظ ملامح هذه العلاقة.
احتلّ مسرح الأزبكية موقعًا مركزيًا في التاريخ الثقافي الحديث للقاهرة، امتدادَا لصورته الأولى في السياق الحداثي لتخطيط المدينة. منذ أواخر القرن التاسع عشر ومع تأسيس دور العرض في محيط حديقة الأزبكية، أصبحت المنطقة مستقطبَا لعروض الفرق الغنائية المسرحية والحفلات الموسيقية بما أسهم في تكوين الذائقة الثقافية للقاهرة. في الثلاثينات والأربعينات، ومع ترسّخ وسط القاهرة كمجال حداثي، ساهم مسرح الأزبكية في تشكيل علاقة المدينة بالسماع، كونه أحد أهم فضاءات الاستماع التي تتقاطع فيها الخلفيات الاجتماعية المتنوعة، كالأعيان والموظفين والطلبة وغيرهم.
أنتج هذا التنوع الطبقي نمطًا من التلقي الجماعي فرضته مكانية المسرح، وتعدد معاني الأغنية الواحدة لدى المستمعين المختلفين أو المستمع الواحد. ترى فرجينيا دانييلسون في ذلك أن المستمعين قد يفهمون الأغنية المؤداة فور تأديتها من خلال متعة الخبرة الجمالية، وقد يستدعي الأداء إلى أذهانهم هوية اجتماعية أوسع يربطون بين الأداء وبينها. أصبح الأداء نفسه أكثر وعيًا بالفضاء، إذ يتعيّن على المطرب ملء الحيّز الصوتي المكاني، والمحافظة على السلطنة والطرب خلال بنية زمنية ممتدة.
في هذا السياق يمكن قراءة حضور أم كلثوم على مسارح القاهرة، ومنها الأزبكية، بوصفه جزءًا من مسار انتقالها من فضاءات ريفية إلى مركز المدينة الحديثة. صحيح أن حفلاتها الشهرية ضمت لاحقًا مسارح أكبر وأهم، إلا أن الأزبكية ظلّ من أبرز المسارح التي أطّرت العلاقة بين الأداء والتلقي، بجمهور “سميع”، يطالب بالإعادة في لحظة وجدانية جماعية، ويتدخّل بنداءات الطرب، ويُسهم عمليًا في إطالة زمن الأغنية، فتتشكل الأغنية المؤداة بطلبات الإعادة.
بالنسبة لأداء أم كلثوم؛ فبينما حافظت على تقاليد الأداء والارتجال، أخذت تتعامل مع الأغنية كبناء درامي يتصاعد داخل فضاء المسرح، بالجملة اللحنية والأداء، وارتباط التكرار والارتجال باستجابة جمهور المسرح، الذي يعلن رضاه بالتصفيق أو الهتاف، فتعود الجملة محمّلة بكثافة انفعالية أكبر. كان من المعتاد أن تستخدم أم كلثوم الوصلة الأولى لاختبار مزاج جمهورها أو كتمهيد تحفيزى للحضور بإسماعهم أغنية معروفة ومحببة لديهم، تقدم بعده الأغاني الجديدة في الوصلة الثانية، وغالبا ما كانت تترك اختيار باقي الأغاني حتى تستشعر الحالة المزاجية للجمهور فتختار الوصلة الختامية وفقًا لتفاعلهم معها.
يتمسك جمهور أم كلثوم بممارسة سلطتهم السماعية في مختلف فضاءات الاستماع، في البيوت والمقاهي أمام أجهزة الراديو، التي ينقلون بها الأغنية إلى سياقات جديدة في أوقات مختلفة، وتسجيلات الحفلات، فيديرون الأغنيات مجزأة أو كاملة. من الممكن أن نرى دلالة لتلك العلاقة في تعدد المقاهي التي تحمل اسم أم كلثوم، وتبلور ذلك في القاهرة وامتداده إلى المدن المصرية والعربية، بما يمثله اسمها من استحواذ على حيز العلاقة بين الأداء والتلقي. يرى جهاد راسي في تفسير ذلك: “أن موسيقى الطرب يمكن معايشتها انفعاليًا خارج الوسط التفاعلي المباشر الذي أُبدعت فيه في مبدأ الأمر، وسواء قدمت أغاني الطرب في حفلات حية أو على موجات الإذاعة، فإنها تتحول إلى شفرات رموزها تعبر عن النشوة أو الوجد، وبإمكانها خلق وسط طربي للمستمع المدرب ثقافيًا والواعي موسيقيًا.”
تتشعب دلالات تحوّلات القاهرة في أغاني أم كلثوم، فتظهر في وطنياتها الغنائية، والتي بالمقارنة بما قبل ٥٢ وما بعدها، سنرى تغيّر النبرة من وطنيّة رومانسيّة إلى تعبويّة جماهيريّة، ودور أم كلثوم فيها كرمز وطني مدعوم سياسيًا.
إذا حسبنا الأغاني عن عبد الناصر في سياق الوطنيات، فسنرى أنه بخلاف العهد الاشتراكي حيث كان عبد الناصر موضوعًا أساسيًا في أكثر من أغنية لأم كلثوم، فليس من المعروف أن أم كلثوم قد غنت خصيصًا للملوك أو الأمراء في سياق وطني أو سياسي، مع الاستثناء بالطبع للمناسبات الاحتفالية كالأفراح الملكية. تدخل هذه المواقف في نطاق التحيات والمجاملات ولم تأت فيها أم كلثوم بما لم يأت به الأولون والمعاصرون أيضًا، حيث تجدر الإشارة إلى لقب عبد الوهاب لمدة طويلة: مطرب الملوك والأمراء.
قبل ١٩٥٢، كانت وطنيات أم كلثوم تعكس قاهرة محمّلة بالمركزية الثقافية، تركز على تمجيد الوطن ككيان تاريخي ثقافي دون تعبئة مباشرة، كأن تمجد مصر كأرض خالدة وتاريخية في مصر تتحدث عن نفسها على خلفية المطالبات بإلغاء معاهدة ٣٦، أو تتغزل بكلمات أحمد شوقي في النيل، كرمز للهوية مستوحى من الطبيعة وأهميته الممتدة من العصر الفرعوني، والتي غنتها في حفلة ١٩ مارس ١٩٤٨ بمناسبة وضع حجر الأساس لمشروع توليد الطاقة الكهربية من خزان أسوان.
بعد الثورة، تحولت وطنياتها في الكثير منها إلى أغان تعبوية تخدم الدولة الجديدة، وتمجد في القومية وعبد الناصر، حيث غنت أم كلثوم ما بين ١٩٥٢ – ١٩٦٠ أغنيات وطنية أكثر مما غنت في أي وقت آخر. مثل والله زمان يا سلاحي (١٩٥٦)، والتي أصبحت نشيدًا وطنيًا، دعمًا لقناة السويس والجيش. هي وكثير من الوطنيات كانت ذات طابع عسكري باستنفار تعبوي خالص، يصاغ في قالب أوروبي بمصاحبة أوركسترالية تتضمن آلات نحاسية وكورال رجالي في معظم الأحيان؛ ثم بفضل بيرم التونسي وصلاح جاهين والموجي والسنباطي، اصطبغت الأغنية الوطنية بصبغة محلية، مثلما نرى اشتمال بعد الصبر ما طال على إيقاعات مصرية راقصة، ولحن السنباطي ثوار على مقامي الحجاز والراست، وتزيين يا سلام على عيدنا بصوت الناي الذي اخترق أوركسترالية الأغنية.
حافظت وطنيات أم كلثوم على بعض العناصر الفنية من العصر السابق، وزاد عليها طابع جماهيرى دعائي في طوف وشوف، وتعبوي ضد الإمبريالية الاستعمارية في والله زمان يا سلاحي، ودعم القيم العروبية للجمهورية كالغناء لقضية فلسطين في أصبح عندي الآن بندقية، وطبعًا أغان بالأساس لعبد الناصر، مثل يا جمال يا مثال الوطنية، والتي غنتها في ١٩٥٤ بكلمات بيرم ولحن السنباطي لعبد الناصر بعد نجاته من محاولة اغتيال بالمنشية: “يا جمال يا مثال الوطنية / أجمل أعيادنا المصرية / بنجاتك يوم المنشية”. كما غنت له عند التنحي: “ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب.” تعبر هذه الأغاني وغيرها عن موقف أم كلثوم نفسها الموالي للدولة الناصرية.
يقول فريدريك لاغرانج أن أم كلثوم كانت فاعلًا فى مشروع وطني من البداية، لأسباب عدة منها كونها فلاحة، وهي إحدى أشهر الصور في الرمز لمصر، وحداثتها في صعودها الأرستقراطي مع شهرتها، والذي لم يفصلها أبدًا عن قيمها المحافظة. أم كلثوم كعبد الناصر، أفاد كل منهما من الحراك الاجتماعي في زمنه كفلاحين استقطبتهما القاهرة، وأفاد كل منهما من شخصيته القوية كعنصر مهم في اجتذاب الجماهير، كما أفاد الاثنان من علاقتهما الشخصية. استخدمت الدولة أغاني أم كلثوم الوطنية والعاطفية أيضًا كأدوات دعاية مهمة، حتى أن أم كلثوم نفسها أصبحت واجهة رسمية للعلاقات بين الدول التي تحيي فيها حفلاتها وبين مصر، وكل ذلك أضاف إلى نجوميتها شرعية سياسية بمباركة الدولة الاشتراكية.
أما أغانيها العاطفية عن الفراق والهجر والانتظار، والمشاعر التي تحملها كالشجن والغضب والإحباط، فقد ظلت محتفظة بقابليتها للإسقاط أو الإشارة ضمنًا إلى أحداث سياسية تحدث في القاهرة أو يصل إليها صداها وتثير تلك المشاعر. تقول دانييلسون أنه من المحتمل أن أكثر النصوص شعبية، هي التي سمحت بتنوع التفسيرات، فنرى النصوص العاطفية تُحمّل بتفسيرات سياسية، حيث ربط الناس بين “أعطني حريتي أطلق يديا” من الأطلال وبين الكفاح الفلسطيني والعربي ضد المستعمر، بل ورغم شهرة صداقتها الشخصية به، أحال البعض هذا الشطر لمقاومة المصريين لقمع عبد الناصر. فسر آخرون دارت الأيام على أنها إشارة لوفاة عبد الناصر، ما يخبرنا عن تداول الجمهور للأغاني والفن عمومًا، والذي يخضع لتأويلات تتحرر حتى من مبادئ وقناعات مبدعيها.
قاهرة الصعود والنكسة | المدينة في أغاني عبد الحليم حافظ
من اللحظات الأولى أرادت حركة الضباط الأحرار في ٢٣ بوليو ١٩٥٢ تدشين شرعيتها الثورية في قلب القاهرة، فأعلنت للشعب من مبنى الإذاعة قيام الثورة، وتحمس لها الناس، وبالمثل احتفى الفنانون والمثقفون بالثورة منذ بدايتها، سواءٌ كان تطوعًا أو امتثالًا، زافين مبادئ الثورة وممجدين في شخص عبد الناصر ومحمد نجيب من قبله.
تشكّلت الأغنية الوطنية في ثورة ١٩ كتعبير تلقائي عن حراك شعبي تعدّدت مصادره ثم توحدت في شوارع القاهرة. أمّا في ثورة ١٩٥٢، فقد صيغت الأغنية الوطنية في مركزية قاهرية مؤسسية، من مبنى الإذاعة والمسارح الحكومية والاحتفالات الرسمية ومؤسسات الثقافة الجماهيرية، فأصبحت المدينة تنتج ذوقًا موحّدًا برعاية القيادات والمسؤولين عبر البث المركزي، وأرست صورة جديدة للعلاقة بين الفن والسلطة. تعدت الأغنية كونها انعكاسًا لوجدان المدينة، فصارت أداة لتشكيله، وأصبحت القاهرة تضخ خطابًا وطنيًا منتظم الإيقاع، تعززه المارشات والتوزيعات الأوركسترالية والنفخيات، بما ينسجم مع صورة المدينة الجديدة.
في سياق سعي النظام الجديد إلى إقامة “هوية قومية جديدة”، ووسط آمال الطبقات الشعبية والوسطى التي التفت حولهم من البداية، بزغت الحاجة إلى صوت يمثل جيل الثورة، قريب من الناس بأحزانهم وآمالهم. هنا ظهر عبد الحليم حافظ ليصنع موقعًا وسطًا بين النظام والناس، بتكوينه البسيط وصوته الهادئ الذي يشبه جيل شباب الثورة.
شرعت الدولة الجديدة في إقامة مؤسسات ثقافية، فتم إنشاء جهاز الثقافة الجماهيرية كهيئة تمرر الفنون التي تلائم توجهات الدولة إلى أنحاء مصر. ضمن ذلك السياق الدعائي، انتشرت سردية الدولة ضمن توطيد صورة القاهرة الجديدة، بإعلانها الحرب على جل التراث الغنائي القديم – والتي نجا منها سيد درويش لأسباب قومية، وإلباس هذا التراث كل ما يرمز لسلبيات العصر الملكي، والتشديد على ارتباطه بالقصور والسخرية الكاريكاتورية من سامعيه من الأتراك، بحيث يلتفت الجمهور للغناء التعبوي الرسمي وينبذ سماع القديم. تتعدى دلالات هذه الدعاية تغيير الذوق إلى دلالات انتصار معنوي للأفراد على العصر الملكي بسلبياته المتمثلة في القاهرة البرجوازية القديمة، ما يعزز انتمائهم للعصر الجديد والمدينة الجديدة.
كان عبد الحليم نفسه عنصرًا فاعلًا في ذلك السياق الدعائي، في أغنيته أمرك يا سيدي التي يراها لاغرانج “إجرامية تمامًا في شحنتها الأيدلوجية”، نراه يغني بخفة أجزاءً من أغانٍ قديمة، استرضاء لذائقة باشا عثماني مجنون حتى لا يذهب به للسجن، ويمرر في مقاطع الأغنية سخرية “وبغني قديم وانا إيه ذنبي” ثم يفيض به الكيل: “أعملك إيه يانا يا غلبي”، ما يجعل المتفرج يشفق على المطرب الشاب الذي يتعرض لعقاب قاس كهذا.
اكتسبت الأغاني الوطنية بتوظيفها من قبل الدولة، في الاحتفالات الرسمية والمهرجانات والبث الإذاعي الرسمي، شرعية وقدرة على بناء خطاب جماهيري موحد. تبنّت معظم هذه الأغاني إيقاعات المارش والتوزيعات الأوركسترالية المنتظمة لتحمل دلالات الحركة وتدعم التعبئة والاصطفاف الجماهيري، وأصبح الكورال كترميز للشعب جزءًا أساسيًا من هذه الأغاني، فيما توفر النفخيات والآلات الغربية شعورًا بالضخامة والإبهار يصوّر قوة الدولة الحديثة. نجد أمثلة على ذلك في معظم أغاني عبد الحليم الوطنية في تلك الفترة، مثل: الله يابلادنا الله، صورة، وبالأحضان.
بحسب صلاح جاهين: “الأغاني الوطنية اللي كنا بنعملها كانت زي الأفراح البلدي” في استعارة عن الهيصة والزهوة الاندفاعية، وحميمية التعبيرات العامية المستخدمة، مثل: “عم أبو خالد” في أغنية شادية بلد السد، كناية بالطبع عن جمال عبد الناصر، أو “ريسنا”، أو حتى تسميته في أغان كثيرة جمال دون كنايات، إمعانًا في ترسيخ الحميمية التي تسمح بالاستعاضة عن الألقاب.
يمكن تصنيف عبد الحليم كابن مدلل للعهد الناصري، في ظهوره كمشروع وطني مدعوم، حافظ في الكثير من حفلاته على الغناء إما لعبد الناصر بالاسم أو للجيش أو للحراك الوطني والشعب أو المزج بينهم في مواضيع أغانيه.
على الرغم من الانتقادات الكثيرة المبررة للعهد الناصري، فالغالب على علاقة عبد الحليم بالثورة وقياداتها أنها تحمل في باطنها صدقًا حقيقيًا، لا يختلف في ذلك عن الكثير من عامة الشعب وقتها، وعموم الفنانين أيضًا، خصوصًا في بدايات الثورة، فبعضهم أفادوا من العهد الجديد حقيقة أو على الأقل علقوا عليه آمالًا وطموحات عظامًا، ربما لأجل ذلك كانت صدمتهم عظيمة عند حدوث نكسة ٦٧.
في أعقاب النكسة
انتشر لعبد الحليم مؤخرًا مقطع من إحدى حفلاته أواخر الستينات، ينهر بوجهه الغاضب وحركات يده ما تبينه لنا الكاميرا التي تدور لتظهر شابة من الجمهور تتجاهل الفنان الغاضب كليًا، وترقص بانسجام على أنغام أغنية أحلف بسماها وبترابها، فيما يحاوطها البعض مصفقين.
يُتداول هذا المقطع الآن في سياق مبرر من السخرية، إلا أنه يصور لنا بثوانيه المعدودة الحالة آنذاك تصويرًا دقيقًا.
بعد النكسة، خيم الإحباط على القاهرة، وخرج البعض بدافع يأس أكثر منه أمل يرفض قرار التنحي، وغنت أم كلثوم لعبد الناصر: “ابق فأنت الأمل”، وحافظَ عبد الحليم في كل حفلة له من بعد النكسة على غناء أحلف بسماها وبترابها.
استطاعت جبهات داخلية من المقاومين والفنانين تخطي الصدمة والصمود، وبالتوازي تفشّت حالة من اللامبالاة نستطيع أن ندرجها تحت سمات الاكتئاب الانفصالي، عبّر عنها بصورة بليغة فيلم ثرثرة فوق النيل.
أدركت السلطات سريعًا أن حالة الإحباط في القاهرة وباقي المدن أصبحت أكبر من تجاهلها، فقامت بإزاحة سقف الحريات، ما أثر مباشرة على الفضاء الفني.
اصطبغت السينما بالجرأة في إنتاجاتها الجادة وتجاريتها البحتة أيضًا، أما الغناء فقد تأثر بشكل خاص؛ إذ تراجع إنتاج الأغاني الوطنية وتصاعدت نبرة وجدانية استبدلت النبرة التعبوية، مثل يا أم الصابرين وعدى النهار. تغيرت طبيعة ما ينتظره الناس من الأغنية، فقبل ٦٧ كانت الأغنية الوطنية تُصنع في فضاء سياسي يَعِدُ بالمجد، وتحظى برعاية الدولة وترويجها، أما بعد النكسة ظهرت طبقة شعورية جديدة في القاهرة، تجمع بين الإنكار والسخط، وانتشرت حالة من الانغماس في كل ما هو يومي وخفيف وساخر، كتعويض عن انهيار السردية الكبرى، ولم تعد الأغنية الوطنية قادرة على حمل ثقل المدينة، فتراجعت أمامها النبرة الوعظية الثقيلة وانصاعت لجمهور بات يبحث عن شيء مختلف.
نلاحظ مثلاً أن أعمال عبد الحليم بعد ٦٧ أكثر قتامة وأبطأ إيقاعًا وأقل زهوًا أوركستراليًا من أعماله الوطنية في الخمسينات والستينات المبكرة، فتوزيع عدّى النهار مثلًا أقرب إلى نشيد جنائزي، لا يبث الأمل بقدر ما يتناول الألم بصيغة يمكن احتمالها.
نرى في مرحلة ما بعد يونيو ١٩٦٧ حدوث تحول واضح في البنية اللحنية والإيقاعية للأغنية المصرية، حيث نجد ما يصفه بعض النقاد بانكسار درامي في المزاج الموسيقي العام، باتجاه الملحنين لتخفيض درجات التوتر الإيقاعي والعودة إلى مساحات صوتية أكثر هدوءًا تعبر عن إحباط المدينة مقارنة بالمارشات والتوزيعات العسكرية التي سادت الخمسينات والستينات المبكرة.
زحمة يا دنيا زحمة | القاهرة الشعبية
انحدرت الأوضاع الاقتصادية في البلاد بعد النكسة، بغلاء الأسعار وندرة السلع، بالتزامن مع حرب الاستنزاف وتهجير سكان القنال تحت وطأة الحرب؛ حيث قدم معظمهم إلى القاهرة وجاء معهم سكان من الريف والصعيد تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية، باحثين في العاصمة عن فرصة للعيش.
كان ذلك أكبر من استيعاب مؤسسات الدولة المنشغلة على الجبهة، فتفاقمت الأحياء العشوائية حول القاهرة، وخلق ذلك طبقة حضرية جديدة من العمال والباعة وأصحاب الورش.
لا تشبه هذه الطبقة الجمهور المعتاد لحفلات أم كلثوم، ولا تكتفي بالغناء المدعوم من مؤسسات الدولة الثقافية ولا تتكلف الخطاب المدني أصلًا أو حتى تحاول التكيّف معه. احتاجت تلك الطبقة إلى صوت أكثر مباشرة وحميمية، يعبر عن الحواري الشعبية الضيقة أكثر من الميادين المنظمة، وتمثل كل ذلك في أحمد عدوية.
بدخول السبعينات، تشكّلت في القاهرة ذائقة موسيقية مواكبة للواقع، ومع اتساع الفجوة بين الغناء الكلاسيكي والشارع، زادت الحاجة إلى شكل موسيقي مختلف يعبر عن الطبقات التي تهزأ بأغاني القصائد ولا تهتم كثيرًا بمواضيع اللوعة والانهزام العاطفي لأنها لا تملك ترفها.
بدأ عدوية الغناء من القهاوي وكازينوهات شارع الهرم، أي من القاهرة السفلى أو “من تحت السلم” على حد تعبيره. نجح عدوية في الانتشار بأغنية السح الدح امبو ١٩٧٢، والتي كانت متداولة في نطاق ضيق قبل عدوية، لا تحمل أكثر من تعبيرات شعبية بإيقاع مقسوم تغنى في حفلات السبوع، قادمة من تخوم القاهرة والمدن.
رغم استهجانها من طبقات المثقفين ووصفها بالابتذال، لأن مثل تلك الكلمات بمطلعها “السح الدح امبو / إدي الواد لابوه”، لا يسمعها أحد في الشوارع الرئيسية والأماكن التي يذهب الناس إليها بالبدلات، إلّا أن عموم الناس الذين لا يملكون بدلات لارتدائها توحدوا مع الأغنية، بتعبيراتها المتحررة من العواطف التي ضاقت بها تلك الطبقات، وبمفرداتها التي يستخدمها الناس في السخرية في كلامهم العادي.
يمكننا القول إن انتشار عدوية الساحق جعل للأغنية الشعبية وسط الشارع درجة على الأغاني العاطفية والوطنية، الملتزمة بقوالب معينة والتي يمكن أن نطلق عليها مدينية؛ خصوصًا مع انتشار الكاسيت، والذي نجح بالتخلص من دور الرقابة الذي لعبته مؤسسات الدولة بشكل رسمي منذ الخمسينات. يرى الباحث أندرو سايمون أن الكاسيت في هذه الفترة تحول إلى “وسيط مقاومة ثقافية.”
ربما لذلك أثارت أغاني عدوية حفيظة المؤسسة الرسمية، وأيّدها الكثير من المثقفين في السبعينات، الذين كانوا بدورهم من الجيل الذي تربى على النتاج الموسيقي لمرشحات الدولة الثقافية في الخمسينات؛ والتي شجّعت على إنتاج الأغاني الشعبية، مشروطة بملاءمتها لتصورات مؤسسية تضطلع بتربية الوجدان الشعبي، فتنزع إلى المحافظة وتجتزئ الكثير من المعاني والتلميحات التي رأت الدولة أنها لا تليق بالتداول في شوارع القاهرة. رغم أن تلك المعاني كانت تمثل بالفعل جزءًا كبيرًا من الأغاني الشعبية المتداولة والموروثة على نطاق واسع في الدلتا وحواري القاهرة، ومنها ما اندثر أو نُقّح فى الخمسينات؛ لذلك لم يعجبهم عدوية، لأنه جاء متحررًا من كل تلك الرقابة.
المدينة عند عدوية
انتشرت السماعات الخارجية بشكل جنوني في السبعينات، في الفضاءات العامة في شوارع القاهرة والمدن، وصارت مثبتة في كل حيز يمكن وضعها فيه، من دور العبادة والمحلات التجارية والمقاهي، حتى الأفراح الشعبية والمواصلات العامة.
أخذ انتشار تلك الثقافة في السبعينات منحى يرى الباحث نيكولا بويج أن غرضه الاحتفاء بالمكانة المرتبطة بالثروة، حيث أدّت سياسات الانفتاح إلى الإثراء السريع لأفراد قادمة رأسًا من الطبقات الدنيا، فقوبلت بالكثير من الانتقاد الراجع لانقلاب مراكز الثروة التي كانت ترتبط بطبقة الباشوات والأجانب قبل الخمسينات، والمثقفين والقيادات السيادية في الخمسينات والستينات. جاء الإثراء في السبعينات، مع سياسات الانفتاح وعمالة الخليج، مرتبطًا بالشعبية والعشوائية، وتبني الاستخدام المفرط للسماعات ومكبرات الصوت “كثقافة استعراضية تخترق المجال العام” كما يرى بويج، وانتقلت ثقافة الاستعراض هذه بالعدوى بين الفئات، ووسط كل هذا، غنى عدوية أغنيته: زحمة يا دنيا زحمة:
زحمة يادنيا زحمة / زحمة وتاهوا الحبايب
زحمة ولا عادش رحمة / مولد وصاحبه غايب
اللحن بسيط متحرر من التقليد، بجمل لحنية قصيرة وكلمات عامية مباشرة تعبّر عن ضغط المدينة، الزحام، الرغبة في الهروب أو اللقاء، الإحساس بالغربة وسط الحشود. أغنية خرجت من قلب فوضى القاهرة، تتحدث عن التلوث الصوتي والزحام بالطبع، لكن بعض النقاد رأوا أنها تحتمل قراءات سياسية على عصرها، غير أنها لسلاسة تعبيراتها وصدقها حافظت عبارات من الأغنية على قابليتها للتداول الشعبي في العامية حتى اليوم.
حرص نجيب محفوظ بأسلوبه الهادئ دومًا على استغلال كل فرصة لإغاظة تيار المثقفين الرافض لعدوية؛ فصرّح مع الإذاعي عمر بطيشة بعبارة ذكية تلخّص كل شيء، عن أن أغاني عدوية هي ترجمة لفوضى العصر في قالب غنائي جميل. كما أجاب في لقاء تليفزيوني في الثمانينات مع طارق حبيب عن أصوات تعجبه من الشباب مسميّا نادية مصطفى وسميرة سعيد، وأضاف مستغلًا المناسبة أنه يرى أن أغاني عدوية دمها خفيف وشعبية ويستمع إليها في التاكسي، ولا يدري لماذا تمنعها الإذاعة والتليفزيون، ويعلق مستنكرًا: “هما بقوا ألافرانكا خلاص؟”
القاهرة الشبابية | تجارب الفرق الموسيقية
تحت ظل التبعات السياسية للنكسة، التجأ شباب الجامعات إلى موسيقى الفرق الشبابية كشكل موسيقي بديل يمثلهم، بعيدًا عن الأغنية الرسمية. ينتمي هذا الجمهور من الشباب إلى جيل ما بعد الثورة، الذين نشأوا في ظل الجمهورية الجديدة وهم بعدُ أطفال، فلم يعرفوا الزهوة الشعبية مع الثورة ولا التفاف الناس حول عبد الناصر، وإنما تفتّح وعيهم مع الهزيمة.
لأسباب كهذه تضاف إلى انفتاحهم الغربي في السينمات والنوادي والجامعة الأمريكية، خرج هؤلاء الشباب بطبيعة الحال من النطاق الاستقطابي للأغنية الرسمية باحثين عن بدائل، فالتفوا حول الأنماط الموسيقية المستوردة، كالروك والجاز، بوصفها صورة للتمرد، ومن قلب هذا الجيل، خرجت تجربة الفرق الشبابية.
ظهرت الفرق بشكل الباند الغربي، وفي نفس الوقت اعتمدت مقاربات شرقية ومصرية تقوى أو تبهت اعتمادًا على خلفيات أصحابها الثقافية ومدى اتصالهم بالواقع اليومي والموروث الثقافي، وأيضًا باختلافات الجمهور المخاطَب.
تأثرت هذه الفرق بتجربة البيتلز، الثورية بدورها، بشكل أو بآخر، في الأسماء الغربية وتبنيها للروك كأهم الألوان الموسيقية المميزة للتجربة.
لم تكن الفرق الموسيقية جديدة على الجمهور المصري، إذ عرفت فنادق وملاهي القاهرة حتى الستينات فرقًا إيطالية ويونانية تقدم أداءات لأغانٍ أوروبية رائجة. خرج هؤلاء من مصر مع قرارات التأميم. أيضًا، هناك فرق الفلكلور وأوركسترا القاهرة، لكن هذه الفرق كانت دائمًا تحت مظلة الدولة محكومة بنظام إيقاعي وقيادة أوركسترالية، فأتت الفرق الشبابية لتملأ فراغًا فنيًا بإنتاجات متمردة على الرسمية.
كانت بداية عدوية من مقهى الآلاتية فى شارع محمد علي، والأفراح في أحياء القاهرة الشعبية مثل السيدة زينب، قبل أن يصعد نجمه وينتقل لكازينوهات شارع الهرم وملهى الأريزونا، حتى اخترق حدود الطبقية المكانية ووصلت حفلاته إلى النوادي والفنادق مثل الهيلتون. بينما بدأت الفرق الشبابية ظهورها وانتشارها من حفلات كازينوهات وفنادق وسط البلد، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ما يعرض لذوق قاهرتين متوازيتين سمح لهما الكاسيت بالتمدد.
داخل ذلك التباين بين القاهرتين الصاعدتين، نرى الفرق بين التحرر الرقابي النسبي مع الاختلاط بين طبقات اجتماعية وثقافية بعينها في الأماكن التي يغني بها عدوية، مقابل الأماكن المعترف بها ثقافيًا والتى تغني فيها الفرق. لذلك نرى مظاهر محاربة الدولة ومثقفيها لانتشار ظاهرة عدوية كما اصطلحوا على تسميتها، مقابل محاولتهم لاحتضان تجارب الفرق الصاعدة من الطبقة الوسطى والوسطى العليا، حتى وإن أبدت التمرد على الرسمية، مثل كايرو جاز باند التي ظهرت في التلفزيون ضمن برنامج موسيقى أسبوعي للجاز، إلى جانب حفلاتها في الأوبرا القديمة.
ظهرت فرقة كايرو جاز باند ضمن الاتجاهات التجريبية، أنشأها صلاح رجب سنة ٦٨، ضابط في الجيش وقائد قسم الموسيقى العسكرية. كوّن فرقته من عناصر فرق عسكرية وموسيقيين مدنيين، وتظهر هنا دلالة ضمنية للتمرد المعنوي على الرسميّة بأداءات الجاز الحر.
نشطت الفرقة بين ٦٨ و٧٣ ونالت شهرتها الأولية بعروضها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ١٩٦٩. قامت الفرقة على المزج بين الجاز الأمريكي وبين مقاطع موسيقية عربية أو شرقية، في ارتجال يجمع بين الشرقي والغربي مستخدمة آلات مثل الناي والدف والقانون إلى جانب الدرامز والساكس. من ضمن الأمثلة نرى ذلك في تراك أورينتال موود، ويعد ألبومهم إيجيبشن جاز أحد أهم إنتاجات هذه التجربة.
استعادت الفرق ومنها كايرو جاز باند إيقاعات الجاز والروك والفانك بشكل أسرع وأكثر تنويعًا، وأقل اعتمادًا على بنية المقام العربي بحرية ارتجالية وتلوين موسيقي ومساحة للشباب لتمييز إنتاجهم عن الأجيال السابقة.
من الأمثلة أيضًا لو بيتي شا، فرقة روك مصرية تأسست في عام ١٩٦٧ ونشطت بعد النكسة بقليل كردّ فعل على الفراغ الثقافي والجو العام. كانت من أوائل الفرق التي حاولت تقديم موسيقى روك شبابية مصرية، وبدأت كفرقة كفرات تقدم أغاني غربية معاد توزيعها لجمهور مصري.
نرى أيضا تجربة ذا بلاك كوتس في أواخر الستينات، بقيادة إسماعيل توفيق الحكيم، واعتمدت على جمهورها الجامعي من الشباب والمثقفين. عارض الحكيم الأكبر إنتاجات الفرقة بادئ الأمر انطلاقًا من خلفيته الأدبية وإعلانه الدائم لحبه للموسيقى الكلاسيكية وموسيقى العوالم على سواء، لكنه تراجع عن موقفه بعد ما حضر عروضًا للفرقة معلنًا في مقال له بعد ذلك أن هذا عصر انتقالي موسيقي يقوده الشباب.
بموسيقى غربية في سياق عربي، تبرز تلك الفرق الأولى كاغتراب ثقافي لجيل ما بعد النكسة، ومحاولات لملء فراغ خلّفه خفوت هالة المركزية للمغني الواحد، فخلقت مقاربات موسيقية بإعادة إدماج إيقاعات عربية، في قالب البوب، لخلق لون صوتي وهوية محلية مدنية داخل موسيقى غربية.
في أواخر السبعينات مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، زاد الطابع الشرقي في أغاني الفرق كانصياع للآثار اليومية التي أسبغتها تلك التحولات على حياة المدينة.
من الأمثلة على هذه الفرق الفور إم التي تأثرت في تكوينها بفرقة بوني إم. تأسست الفور إم بنهاية السبعينات على يد عزت أبو عوف، من أعمالهم الليلة الكبيرة ولا عاجبك كده ولا كده ودبدوبة التخينة. قدموا مقاربة بين الشعبي والغربي، واللذان تحققا كأبرز اتجاهات التمرد، واستعانوا بالمؤلف حسن أبو عتمان صاحب أشهر نجاحات عدوية، منها مثلًا سلامتها أم حسن.
أيضًا ظهرت فرقة المصريين في السبعينات وامتد نشاطهم إلى الثمانينات، كإحدى أهم فرق البوب في تاريخ مصر، بتأثرهم بالقالب الغربي في التجريب والمزج بين الروك والفانك، ومحاولاتهم في الإسهام في المعجم الغنائي باستلهامات مدينية تركز على الفرد وسط المدينة، مثل ما فاتش ليه والشوارع حواديت، وموقف الجيل الحالي من السابق في ماما ستّو.
ساهم صلاح جاهين بشكل كبير في التوجيهات الفنية للفرقة، وكتب لهم أكثر من أغنية. جدير بالذكر هنا أن جاهين كان مؤيدًا بحماس لثورة ٥٢ وعبد الناصر، وكتب لعبد الحليم الكثير من الأغاني بهذا الاتجاه. كان جاهين أيضًا من ضمن الكثيرين الذين أثرت فيهم النكسة بعمق، ربما كان ذلك من أهم الأسباب التي أحالتهُ إلى التخلّي عن المشروع الرسمي والكتابة عن الجموع فى ظل الاشتراكية مثل بالأحضان وصورة، والاتجاه ليكون فاعلًا أساسيًا ومؤلفًا لفرقة المصريين، وكاتبًا فيها لأغانٍ تعبر عن مشاعر الفرد وسط أهواء المدينة المتقلبة كما في الشوارع حواديت، وأن يكون أيضًا أحد أبرز من كتبوا لعدوية في مجنون.
نتيجة لفهمها الشريحة المستهدفة، نجحت فرقة المصريين بما تقدمه في الدمج بين المحلي والعالمي، والانتشار بين شباب الطبقة الوسطى في المدن الكبيرة، من طلبة المدارس والجامعات، خصوصًا من نال منهم تعليمًا في المدارس والجامعات الأجنبية؛ حيث وجدوا فيما تقدمه المصريين صورة تشبههم لجيل جديد ينفتح على العالم، وتعبّر موسيقاه عن هويّة معاصرة مختلطة بصوت مواز يخلق قوانينه الخاصة.
في السبعينات والثمانينات ساعد الكاسيت الفرق للوصول إلى جمهور أوسع دون المرور بوسيط رسمي، ومع الوقت تحولت هذه الفرق نحو زوايا مدنية أكثر وضوحًا؛ من هجرة الشباب إلى الخليج وبطالة الطبقة الوسطى ونقد الهيمنة السلطوية في المجتمع وعليه، مثل أغنية حرية من الألبوم بنفس الاسم، مع إحباط من المشهد العام في الشوارع حواديت والإحباط من الشارع اللي “كل يوم يضيق زيادة عن ما كان” إلى السلطة بتدخلها الفج: “بس حراس الشوارع حطوا للحدوتة حد”، والفجوة الطبقية كما في الحدود ومطلوب موظف للأصدقاء، التي انتقلت بالفرق من الروك والجاز إلى مخاطبة نوع آخر من الجمهور
يختلف منطق الأصدقاء (٨٠ – ٨٦) عن المصريين، فبينما انطلق هاني شنودة من صنع ما يخالف الأغنية المزامنة والتي يراها أصبحت جامدة، انطلق عمار الشريعي من الرغبة في المحافظة على الروح المصرية لكن في قالب تجديدي.
كمن جزء من أهمية تلك الفرق في أنّها مهدّت بتأثير غير مباشر لموسيقى بديلة في مصر ظهرت لاحقًا في عدة تجارب مثل فرق الأندرجراوند والمهرجانات.
لولاكي | البوب وعولمة القاهرة
استمر الأثر الثوري للفرق الموسيقية رغم خفوت صيتها تدريجيًا منذ منتصف الثمانينات، وبدأت معظم الأغاني الناجحة فى هذه الفترة بإدخال إيقاعات بوب غربية حاولت إدماجها مع المقامات الشرقية، كما في قال جاني بعد يومين، فى محاولة لإرضاء النزعة الرسمية ومواكبة التغيرات المتسارعة فى السوق الموسيقي في الوقت نفسه.
مع نهاية الثمانينات واسترجاع مدينة طابا من إسرائيل بالمفاوضات، استقرت الأوضاع السياسية نسبيًا، ما ساهم في اعتماد متزايد من قبل مؤسسات الدولة على حركة رؤوس الأموال الخاصة. ظهر ذلك فى المجال الموسيقي في انفتاح متزايد على البوب الغربي، والذي هيأ تنامي السوق الرأسمالي واتصال النزعة الاستهلاكية بالغرب لانتشاره، ما جعل القاهرة سوقًا موسيقيًا مفتوحًا ضم قطاعات أوسع من الجماهير.
كان إعلان هذا التحول بإصدار أغنية لولاكي نهاية الثمانينات، كانطلاق لتيار كان مكبوتًا بين نموذجي الطرب الكلاسيكي وشعبي ما بعد عدوية، بكلمات وجمل لحنية بسيطة تتكرر على مدار الأغنية. أحدثت لولاكي انفجارًا جماهيريًا مدويًا يذكّر بانفجار السح الدح امبو، نتيجةً لتمدد الذوق الاستهلاكي الذي لم يتوقف منذ بداية الانفتاح، ليجعل استعداد السوق لهذا اللون الجديد يجابه النقد المؤسساتي بقوة أكبر هذه المرة.
“الفضل كله يرجع لأغنية لولاكي سنة ٨٨، هي اللي فتحت لنا الباب على مصراعيه. كان نجاحها ساحق، باعت ٥ مليون نسخة شريط كاسيت غير المضروب، فأكدت لنا إن الشكل دا من الأغاني هينجح.”
بهذا وصف حسام حسني تفاعل الموسيقيين الشباب مع نجاح الأغنية، حيث استغلوها فى التحرر من محاولة إرضاء الكلاسيكية، تلتها مباشرة ميال التى يعدها كثيرون الانطلاقة الحقيقية لعمرو دياب، وتعزّزت أيضًا شهرة حميد الشاعري بأغان مثل جلجلي وغيرها، بتوزيعه الموسيقى المميز بمصاحبة الآلات الإلكترونية، ممثلًا نقطة انتقال إلى البوب الحديث.
تزامن ظهور مصطلح العولمة مع انتعاش حركة رؤوس الأموال بظهور الدش والقنوات الفضائية في مصر أوائل التسعينات، وأصبح جمهور الفضائيات ينتظر الجديد الآتي من أجزاء أخرى لم يرها من العالم الذي أصبح “قرية صغيرة”، ففرض الفيديو كليب نفسه فى صناعة البوب، كعنصر حاسم تحلل من الحرج في استيراد محتوى غربي شبه متكامل كالصورة والسياق، والمحتوى، إرضاءً لتوقعات الجمهور.
وسط ذلك، برزت تجربتين أرجأتا الاستعارة الغربية المعولمة للتعبير عن إحدى صور الواقع الاجتماعي. كليب شنطة سفر لأنغام عن سفر المصريين إلى الخليج، بجرعة شعورية مكثفة خلقها اللحن بكلاسيكيته التجديدية كمرحلة مهمة من مشروع أنغام مع محمد علي سليمان، ووطد تأثير الكليب واقعيته غير المفلترة من إخراج عاطف الطيب. إضافةً إلى أغنية ورجعت من السفر لعمرو دياب من تلحين ياسر عبد الرحمن ذات الطابع الدرامي. حاولت الأغنيتان استحضار هموم جيل شباب الطبقة الوسطى المنسحق تدريجيًا والآثار الجانبية لبحثه عن فرص أفضل.
خلال التسعينات ازداد انفكاك البوب التدريجي من مركزية القاهرة، مع سطوع نجوم استوديو الفن إليسا ونوال الزغبي ووائل كفوري وغيرهم، برأس مال خليجي سخي وجمهور على مستوى الوطن العربي، ليقدموا إنتاجات تنافس داخل القاهرة نفسها.
أصبح صوت القاهرة هجينًا أكثر من أي وقتٍ مضى، بوب مصري ومايكل جاكسون ومحمد عبده ولطفي بوشناق وإلين خلف، وإن بقيت الصدارة لنجوم جيل عمرو دياب ومحمد فؤاد والنجوم العرب ممن يغنون بالمصرية وعلى رأسهم جورج وسوف؛ قبل أن ينضم إليهم الصاعدون خلال حقبة الفيديو كليب، شيرين وتامر حسني وبهاء سلطان، الجيل الذي ساعد بالتدريج على استرجاع جزء كبير من مركزية القاهرة.
ضوضاء المدينة في المهرجانات
استمرت القاهرة في استقطاب المغنين الشعبيين من حدود المدينة وتخومها والمحافظات، واستمر المطربون الشعبيون لعقود في تقديم أغنيات، على تميّزها، يمكن أن نعدّها تنويعات على أسلوب عدوية الغنائي، مثل عبد الباسط حمودة و شفيقة ورمضان البرنس وحتى طارق الشيخ بالمواويل وبالبحة – أو اصطناعها في الكثير من الأداءات، وتوظيف عبارات من العامية الشعبية والآلات الكهربائية كالأورج، والكمان لخلق الشجن في خلفية المواويل وبداية الأغنية.
نجحت هذه الأغاني في استقطاب الجمهور المستهدف من الحرفيين والعمال وسائقي المواصلات، بتخليق جرعة شعورية مركزة، في العزف والأداء، لترضي ذوق جمهورها الذي يعمل أغلب اليوم لتغطية أساسيات احتياجاته، وتبنت مواضيع عن غدر الزمن والصحاب والحبيبة التي تحولت للرجل الأغنى وعن الإخلاص الذي صار نادرًا. استمرت الأغاني على هذا الحال حتى ظهرت المهرجانات.
الشائع أنها بدأت في ٢٠٠٤ بمهرجان السلام لفيفتي وفيجو، ووصلت للقاهرة، وبإصدار مهرجان الدخلاوية دخلت أكبر محافظتين سكانيتين في مصر في منافسة، بسمات إيقاعية أسرع واجتماعية تبرز فردية المغني في مهرجانات القاهرة، مقابل إيقاعات أبطأ وانتشار للفرق في مهرجانات الأسكندرية.
انتشرت المهرجانات بحلول ٢٠١١ وبعدها، كشكل موسيقي ناشئ يعكس تحوّلات القاهرة بعيدًا عن وساطة المراكز المؤسساتية، وسط تبعات الثورة من حالة فوضى سياسية اقتصادية في القاهرة وسائر البلد، يتخبط الجميع بسببها في المجال العام، بينما تضرب تبعاتها المباشرة الطبقات الشعبية، والتي أدركت عدم الجدوى عمومًا فتخلت عن المحاولات.
ارتبطت أغاني المهرجانات بتحوّلات القاهرة الاجتماعية، حيث صنعت من العشوائيات فضاءات جديدة وموازية للموسيقى باعتناقها للثقافة اليومية لطبقتها لتظهر جليّة في الأغاني، فنجد “فتشني يا باشا فتشني / اتفضل إيدي كلبشني” بتحد ناتج عن التعرض المستمر للشرطة، والذي غالبًا ما يكون بسبب المخدرات. تظهر المخدرات كثيرًا في أغاني المهرجانات، مثل جملة “هشرب خمور وحشيش” من أغنية بنت الجيران، والتي سببت لحسن شاكوش وعمر كمال مشاكل جادة مع الرقابة اضطرتهم إلى تغييرها لجملة “من غيرك مش هعيش”.
جاء استخدام الأورج في المهرجانات كتمثيل للتجديد التقني في القاهرة، من تطويعه في البدايات كنسخة مُقرّبة للبيانو لتندمج في الحفلات الطويلة لعبد الحليم وغيره، ثم تطور في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات مع انتشار الكاسيت، حيث اندمج في أغانى الفرق الشبابية والإنتاجات الشعبية بصورة أكثر سلاسة، خصوصًا مع إسهام عمار الشريعي بالتعاون مع ياماها اليابانية وإدخال الربع تون إليه، ثم استخدامه في المهرجانات والأفراح الشعبية تحت سيطرة كاملة على الإيقاع من قبل العازف، والاستخدام لموسيقى محلية وعالمية في سياقات مختلفة كليًا. يحضر بالطبع الاستخدام الأشهر لتتر مسلسل سوق العصر باللحن الدرامي لياسر عبد الرحمن، الذي يستعاد في معزوفة “أورجية” بتوقيع عبسلام تصلح حتى الآن كمادة ميمز لأي موضوع يتناول تعقيدات أو تصعيدات فجائية.
بموسيقاها التي لا تخضع للمنطق الأكاديمي وبمواضيعها التي تمتلئ بالغزل الفج والشتائم والمخدرات وتتراوح ما بين الرثاء على النفس وما بين تفخيم الذات والتحقير المقابل للأخصام بتشبيهات مثل “الشبشب” و”طفية السيجارة”. جاءت المهرجانات صادقة لأنها تجسيد واضح لكل ما يشمل مظاهر الطبقة التي جاءت منها، وربما لذلك هي مكروهة أيضًا، باحتفاظها – رغم التقييد – بجرأتها التي تفتقر إليها الفضاءات الحالية، فهي في الأساس قادمة من الطبقات المهمشة حتى لو نجح مطربوها بالترقي في المستوى المادي، فسيظلون بمعظمهم – مثلما رأينا في صراعاتهم مع النقابة – موصومين أبدًا بسماتهم التي تشي بانتماءاتهم للمناطق العشوائية، فلا يبالي معظم مغني المهرجانات بأي أطر ما داموا قد سقطوا أصلًا من التصنيف الاجتماعي، فأصبحت المهرجانات تمثّل للآخرين بلهجتها الشعبية المرتبطة بالفقر تجسيدًا لكل شيء يستمدون استعلائهم الأخلاقي ومكانتهم الاجتماعية بتفوقهم عليه.
المدن كائن حي يتنفس بمجتمعاته ويغني، فكما تخرج الدلالات من بين صيحات الثوار في الميدان على خلفية الأغاني الوطنية، تخرج أيضًا من حفلة ألف ليلة وليلة ١٩٦٩ المزامنة لحرب الاستنزاف، وصيحات الجمهور “يا رب” المؤمّنة على نداء أم كلثوم، قبل أن تكمل وتقول “يا رب / تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا.”
