يا الغادي للصحرا | ملابسات تاريخ صناعة الموسيقى في بلاد المغرب

مقالات - كتابة: أحمد نظيف - ٢٠٢٦/٠٤/١١
يا الغادي للصحرا | ملابسات تاريخ صناعة الموسيقى في بلاد المغرب
تحميل...

ظل تاريخ المغرب العربي الحديث أسير تاريخه السياسي، والذي غالبًا ما يروى إما من منظور الاستعمار أو من منظور الحركات الاستقلالية، التي تحولت لاحقًا إلى أنظمة حاكمة. أما تاريخه الثقافي والفني فقد ظل دائمًا يُقارَب كتابعٍ للتاريخ السياسي الكبير، رغم أن الثقافة والفنون كانا في أحيانٍ كثيرةٍ هما المحركان للسياسة.

من ضمن التاريخ الصغير الذي ظل مغمورًا، تاريخ صناعة الموسيقى، رغم ما يمثله من أرشيف ثري للتفاعلات الاجتماعية والسياسية بين سكان البلاد، أو بينهم وبين المستعمر الفرنسي. إذ تزامن وصول صناعة الموسيقى إلى المنطقة مع ترسيخ النفوذ الإمبراطوري الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب. نتيجةً لذلك، لم يكن إنتاج الموسيقى واستهلاكها محايدين قط، بل متداخلين مع “المهمة الحضارية الاستعمارية” وما رافقها من سياسات استيعاب ودمج ومحو. مع ذلك لم يكن قبول التقنيات الغربية لدى الفنانين وصناع الموسيقى المغاربة قبولًا سلبيًا للهيمنة الغربية، بقدر ما شكل استيعابًا فاعلًا مكّن موسيقيي البلاد من تجاوز التصنيفات الاستعمارية للفن “الرفيع” و”الشعبي”، وفي الوقت نفسه صياغة هوية مغاربية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الوطني ودعم حركات الاستقلال.

بين ظهور الصناعة وتطورها ووصول المنطقة إلى الاستقلال عن المستعمر، قطعت الصناعة خلال النصف الأول من القرن الفائت مرحلة الجذور التأسيسية، التي تشكلت فيها خصائصها وتحولاتها السياسية والتقنية، وعملت كمساحة تواصل، أو كفضاء اجتماعي تلتقي فيه الثقافات وتتصادم وتتفاعل مع بعضها البعض ضمن علاقات قوة غير متكافئة جذريًا.

تسليع التراث

في البداية كان التراث. دخلت صناعة الموسيقى بلاد المغرب من باب الخوف من أن تمحو الحداثة الزاحفة التراث الموسيقي الأندلسي في الجزائر. حتى مطلع القرن العشرين، ظلت النوبة الأندلسية الكلاسيكية تُحفظ من خلال التقاليد الشفوية والمخطوطات التي تحتفظ بها عائلات من الموسيقيين المسلمين واليهود.

لعب اليهودي الجزائري إدموند ناثان يافيل دورًا محوريًا في هذه الحقبة، بوصفه أحد الوسطاء الثقافيين اليهود الذين برزوا خلال تلك الفترة، والذين عملوا على توثيق التراث الأندلسي بشكل تقني. في كتابه تاريخ التسجيل: اليهود والمسلمون والموسيقى عبر شمال أفريقيا في القرن العشرين (٢٠٢٢)، يهتم الأستاذ المشارك في جامعة ماكجيل في مونتريال، كريستوفر سيلفر، بهذا الرجل، الذي ولد عام ١٨٧٤ في حي القصبة السفلى بالجزائر العاصمة، ونشأ في بيئة شعبية حيث كانت الموسيقى الأندلسية تصدح في المقاهي. 

يكشف سيلفر أن طموح يافيل تجاوز العزف على المندولين، فقد كان يسعى إلى إنقاذ تراث الأندلس من الضياع، وفي عام ١٩٠٤ نشر عمله الضخم مجموع الأغاني والألحان من كلام الأندلس؛ وهو كتاب جمع فيه نصوص الأغاني التي كانت مبعثرة في المخطوطات وصدور الشيوخ. المثير للدهشة هو إصدار يافيل لهذا المجموع بنسختين متوازيتين، واحدة بالعربية وأخرى بالعبرية، ما يعكس حقيقة أن الموسيقيين اليهود في ذلك الوقت، رغم حصولهم على الجنسية الفرنسية بموجب مرسوم كريميو، ظلوا متمسكين بلغتهم وثقافتهم العربية.

يربط سيلفر بين خلفية يافيل الطبقية وقدرته على الجمع بين الفن والصناعة. إذ قبل وصول الشركات الكبرى إلى السوق الجزائرية، كان يافيل يسجل الموسيقى على أسطوانات الشمع منذ عام ١٩٠٥؛ وعندما وصلت شركة جراموفون البريطانية إلى المنطقة، أدرك مديرها ألفرد كلارك أن النجاح في شمال أفريقيا يتطلب شخصًا يمتلك حسًا تجاريًا يفهم الثقافة المحلية، وكان هذا الشخص هو يافيل. أصبح يافيل لاحقًا المدير الفني لعدة شركات مثل باتيه وأوديون، وامتلك عقودًا حصرية مع أفضل الفنانين، بمن فيهم النساء مثل الشيخة يامينة. على يده تحولت المقطوعات الأندلسية الطويلة، التي كانت تُعزف طوال الليل، إلى تسجيلات قصيرة مدتها بضع دقائق تتناسب مع وجهي الأسطوانة .

لم تكن تسجيلات يافيل المبكرة منتجات تجارية بالمعنى الحديث، بل كانت بمثابة إنقاذ إثنوجرافي. إذ أدرك أن الأسطوانة الشمعية، ولاحقًا قرص الشيلاك، تُتيح وسيلة لتثبيت تراث موسيقي شفهي وارتجالي. كانت عملية “تثبيت” الموسيقى هذه ذات طابع سياسي في جوهرها؛ فمن خلال تسجيل موسيقى الغرناطي في تلمسان والمالوف في تونس، انخرط يافيل ومعاصروه فيما تُسميه عالمة الموسيقى فيرجينيا دانييلسون بـ التدوين النصي، أي تحويل الأداء إلى شيء يُمكن امتلاكه وبيعه ودراسته .

لم تقتصر صناعة التسجيل على الجزائر، فقد برزت عائلات يهودية أخرى في تونس والمغرب. في تونس، أسس الأخوان جوزيف وأوريليو بمبارون شركة تجارية للأدوات الموسيقية والأسطوانات، وأصبحا الموزعين الحصريين لشركة جراموفون. ثم امتدت هذه الشبكة إلى المغرب عبر صهرهم راؤول هازان، الذي رغم أنه أصمّ، فقد نجح في تأسيس فروع لشركة بمبارون وهازان في الدار البيضاء ومراكش وفاس، ليصبح أكبر موزع للأسطوانات العربية في المغرب الأقصى.

كما تشير إميلي بينيشو جوتريش في دراستها عن المجتمعات اليهودية في المغرب، فقد شغل اليهود في شمال إفريقيا تاريخيًا موقعًا “هامشيًا” فيما يتعلق باللغة والثقافة، لكن بفضل إتقانهم للغة العربية العامية، وتلقيهم تعليمهم في كثير من الأحيان في مدارس فرنسية، فقد كانوا في وضع فريد يسمح لهم بلعب دور الوسيط الثقافي من خلال ترجمة الثقافة المحلية للجمهور الأوروبي .

خلال هذه المرحلة، أدى دخول شركات الإنتاج الأوروبية الكبرى إلى احتكار هؤلاء الوسطاء لتمثيل الموسيقى العربية؛ وكما لاحظ المؤرخ الموسيقى الجزائري، الحاج ميلياني، في دراساته عن الثقافة الجزائرية، فإن ذلك يعني أن أولى التسجيلات الصوتية المغاربية قد خضعت لتأثير حساسية الوسطاء. إذ كانت التسجيلات التي أُنتجت قبل عام ١٩٢٥ محدودة تقنيًا، حيث كان على المغنين الصراخ في بوق كبير، وغالبًا ما كانت تُفقد الفروق الدقيقة للعود أو الكمان. مع ذلك، رسّخت هذه التسجيلات الجدوى التجارية لهذا النوع الموسيقي؛ فقد سُوِّقت في أوروبا تحت مسمى “الموسيقى العربية” الذي أضفى طابعًا غريبًا، مُلبّيةً الانبهار بالشرق، بينما مثّلت محليًا حلقة وصل حيوية لمجتمعات الشتات وأداةً للحفاظ على تراث نخبةٍ آخذة في التلاشي.

عقب الحرب العالمية الأولى شهدت بلاد المغرب تكثيفًا للتغلغل الاقتصادي الاستعماري، بما في ذلك قطاع صناعة التسجيلات الموسيقية. رسّخت هذه الفترة بنية الوسيط اليهودي، وأصبحت متاجر التسجيلات وشبكات التوزيع المملوكة لليهود العمود الفقري لهذه الصناعة في مدن مثل الدار البيضاء والجزائر وتونس. جرى ذلك في سائر المستعمرات الفرنسية، حيث نقلت عملية التوسع في صناعة الموسيقى الوضع الاجتماعي للموسيقيين إلى مستوى أكثر استقلاليةً؛ ففي السابق، كان الموسيقيون وأهل الطرب يعتمدون في الغالب على رعاية البلاط أو على المجالس الخاصة للطبقة الأرستقراطية للكسب. لكن انتشار الصناعة وأجهزة الفونوجراف الموسيقي جعلهم أكثر اعتمادًا على شركات التسجيلات، ما أتاح تراكم رأس المال من خلال مبيعات الأسطوانات .

في بلاد المغرب، استفاد الموسيقيون اليهود من هذا التحول الاقتصادي؛ فبينما كان لدى الموسيقيين المسلمين في كثير من الأحيان تحفظات دينية بشأن “ثبات” الموسيقى المسجلة – وهو نقاش تردد صداه في الفقه الإسلامي حينذاك بشأن شرعية الصوت المسجل ولاسيما الجدل حول الراديو – أو كانوا مقيدين بأفكار تقاوم التحديث، لم يواجه الموسيقيون اليهود مثل هذه العقبات الدينية وكانوا أكثر اندماجًا في الاقتصاد الاستعماري. مع ذلك، اتسمت هذه المرحلة في المقابل بتصلب التصنيفات الموسيقية؛ وكما يشير فيليب شويلر في دراسته عن الموسيقى المغربية، استلزمت عملية التسجيل تقصير العروض لتناسب مدة القرص التي تتراوح بين ثلاث وأربع دقائق بسرعة ٧٨ دورة في الدقيقة .

أجبر هذا العائق التقني الموسيقيين على اختصار النوبة المعقدة، ما قد يُغير من بنيتها الأساسية. علاوة على ذلك، ولتحقيق أقصى قدر من المبيعات، شجعت شركات الإنتاج الفنانين على تسجيل أغاني أكثر خفةً تمزج بين الألحان التقليدية والإيقاعات الأوروبية الشائعة.

ثورة بين حربين

دفعت التطورات التقنية في منتصف العشرينات ودخول التسجيل الكهربائي عبر الميكروفون صناعة الموسيقى في بلاد المغرب إلى توسيع سوقها، فقد سمح الميكروفون بالتقاط أدقّ نبرات الصوت وأخفّ الآلات الموسيقية، ممهدًا الطريق لدخول المغنيات اللواتي لم يكنّ قادرات على منافسة قوة الصوت المطلوبة للآلات النفخية الصوتية. شهدت هذه المرحلة العصر الذهبي للفنانات اليهوديات، وأشهرهن التونسية حبيبة مسيكة، اللواتي عرفن أولًا في المسارح والملاهي الليلية، وكانت صورهن على غلاف الأسطوانة غالبًا ما تثير الهلع الأخلاقي لدى كل من النخب المسلمة المحافظة والإدارة الاستعمارية الفرنسية، الذين اعتبروا اختلاط الجنسين في الأماكن العامة تهديدًا للنظام الاجتماعي.

كما شهدت هذه الحقبة ازدهارًا للموسيقى الهجينة. إذ دمج موسيقيون مثل ليلي العباسي موسيقى الجاز والتانغو والأغنية الفرنسية في أعمالهم. خلق هذا المزج الموسيقي الغريب حينذاك شعورًا بالسحر يتجاوز حدود اللغة، وبيعت تسجيلاتها بالآلاف، ما خلق مشهدًا صوتيًا مختلفًا في جميع أنحاء المغرب، تميز عن ثقافة النخبة الفرنسية المستعمرة، وعن التقاليد النصية المحافظة للتراث .

رغم التطورات ظلت هيمنة اليهود على الصناعة مصدر توترٍ محلي خلال تلك الفترة لدرجة أن الصحافة، كما يشير كريستوفر سيلفر في كتابه، انتقدت فكرة أن “معظم المهنيين المحليين في الجزائر هم من اليهود”؛ فقد زرعت هذه الهيمنة بذور صراعات مستقبلية.

مع ازدياد زخم الحركات الوطنية في ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح تعريف الثقافة الوطنية أكثر ضيقًا، مركزًا على العروبة والإسلام. بدأ بعض الوطنيين ينظرون إلى المساهمة اليهودية في هذه الثقافة على أنها دخيلة خارجية . مع ذلك تقف المصادفات أحيانًا شاهدًا على تاريخ متناقض ومعقدٍ، كما جرى في قصة الفنان اليهودي الجزائري ليلي العباسي وأسطوانته لله يا الغادي للصحراء، التي سجلها عام ١٩٣٧، وهي في الأصل قصيدة من الشعر الشعبي تعبر عن الشوق للحبيب. لكن، وبمحض الصدفة، تزامن صدور الأسطوانة مع نفي الزعيم الوطني المغربي علال الفاسي إلى الغابون عبر الصحراء. تلقفت الجماهير المغربية الأغنية بصفتها تحية وطنية للفاسي، وانتشرت في المدن والبوادي. 

أما حالة سليم الهلالي فلم تكن مجرد مصادفة. كان الهلالي شابًا جزائريًا يهوديًا يحترف الغناء في باريس، ويتعاون مع ملحنين وشعراء مسلمين مثل محمد الكمال ومحمد إيغربوشين لصياغة موسيقى تمزج بين الحداثة والهوية الجزائرية، التي ظل متعلقًا بها حتى رحيله. سجل الهلالي في عام ١٩٣٩ أغنية ارجع لبلادك الموجهة للعمال الجزائريين في فرنسا، تحثهم على العودة والاعتزاز بهويتهم، وتضمنت عبارة قوية: “قل أنا عربي مسلم”؛ والتي اعتبرتها السلطات الفرنسية “دعاية وطنية إسلامية” وشرعت في مصادرتها من الأسواق والمقاهي. 

دفعت هذه التجارب السلطات الاستعمارية إلى تأسيس لجان لمراقبة التسجيلات الصوتية، وصدرت أوامر تمنع استيراد الأسطوانات التي تحمل طابعًا وطنيًا أو حتى يوحي بذلك، كما فُرضت قوانين تلزم الموزعين بتقديم ترجمة فرنسية كاملة لكل أسطوانة باللغة العربية قبل السماح ببيعها. المفارقة التي يوثقها كريستوفر سيلفر، هي أن ألمانيا النازية استغلت هذه الأسطوانات في حرب الدعاية بالراديو، حيث كانت إذاعة برلين العربية بقيادة الرحالة العراقي يونس بحري تبث أسطوانات حبيبة مسيكة الوطنية لاستمالة العرب وإضعاف السيطرة الفرنسية، متجاهلة هويتها اليهودية في سبيل الدعاية السياسية.

تميزت هذه المرحلة من صناعة الموسيقى المغاربية بتفاعل معقد للهوية، فالموسيقى كانت عربية، والصناعة كانت يهودية، أما الرسالة السياسية فكانت تتعارض بشكل متزايد مع الدولة الاستعمارية التي منحت اليهود وضعهم القانوني الخاص. لكن الحرب العالمية الثانية أوقفت كل هذا الزخم في صناعة الموسيقى ببلاد المغرب؛ فقد فرضت حكومة فيشي الفرنسية، بالتعاون مع ألمانيا النازية، نظامًا قاسيًا عُرف باسم “قانون اليهود”، والذي جرّد اليهود من جنسيتهم وحقوقهم. كان لهذا التشريع آثار فورية على صناعة الموسيقى؛ فقد مُنع صناع الموسيقى اليهود من العمل ومن الظهور على الإذاعة، ومُنعوا من العزف في المسارح العامة، واستُبعدوا من استوديوهات التسجيل.

الطفرة السياسية

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد صناع الموسيقى اليهود من المنفى والاختباء ليستعيدوا موقعهم في الصناعة. لكن الحرب غيّرت على نحو جذري الوعي الاجتماعي والسياسي في بلاد المغرب في اتجاه تصاعد الحركات الوطنية وخطابها الاستقلالي، والتي حوّلت كل المكونات الثقافية والاجتماعية إلى أسلحة في مواجهة الاستعمار، بما في ذلك الموسيقى. اتسمت الصناعة خلال تلك الفترة بطفرة في الموسيقى ذات الطابع السياسي.

أصدرت شركات تسجيل مثل سامي فون، التي أسسها المغربي اليهودي سامي المغربي، أناشيد تدعم حزب الاستقلال والسلطان محمد بن يوسف؛ وشكّلت موسيقى المغربي، التي مزجت بين السوينج الأمريكي والألحان العربية، الموسيقى الراعية لحركة الاستقلال المغربية. فضلًا عن الطفرة السياسية شهدت هذه المرحلة طفرةً تكنولوجية، فقد حلت أسطوانات الفاينيل ذات الأخاديد الدقيقة، التي تعمل بسرعة ٣٣ و٤٥ دورة في الدقيقة، محل أسطوانات الشيلاك التي هيمنت على السوق لنصف قرن. كان الفاينيل أكثر متانة، ويستوعب كمية أكبر من الموسيقى، ويقدم جودة صوت أعلى. مع تحول صناعة الموسيقى إلى الفاينيل، اعتُبرت كتالوجات ضخمة من أسطوانات الشيلاك قديمة الطراز؛ وتم التخلص من آلاف النسخ الأصلية، وكثيرًا ما نُظر إلى الأسطوانات المتبقية على أنها خردة.

تزامن هذا التحول التكنولوجي مع تحولات الاقتصادي السياسي للموسيقى التي رافقت إنهاء الاستعمار؛ فمع استقلال تونس والمغرب عام ١٩٥٦ والجزائر عام ١٩٦٢ هاجرت الغالبية العظمى من السكان اليهود، الذين كانوا يمثلون البنية التحتية لصناعة الموسيقى. أُغلقت متاجر بيع الأسطوانات المملوكة للعائلات اليهودية، وغادر الموسيقيون إلى باريس ومونتريال وتل أبيب. في المقابل قامت الحكومات الوطنية الجديدة بتأميم القطاع الثقافي، وتحولت محطات الإذاعة، التي كانت في السابق مشاريع تجارية أو استعمارية، إلى هيئات بث حكومية.

أصبحت الموسيقى جزءًا أساسيًا من بناء السرد الوطني الاستقلالي، ولا سيما التراث، الذي تحول إلى أداةٍ لتشكيل الهوية الوطنية ما بعد الاستعمارية.

لم تكن الصناعة الموسيقية منذ ظهورها بداية القرن الماضي في بلاد المغرب محايدةً؛ فهي نتاج عصرها، وحاملةً لبصمات التقنيات والاقتصادات والسياسات التي شكّلتها. من خلال الاستماع إلى أنغام الماضي، لا يسمع المرء موسيقى حقبة ولّت فحسب، بل يفهم أيضًا التشابكات المعقدة التي شكّلت بلاد المغرب الحديثة والمعاصرة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف