طرائق الشيخ | كيف امتلك الشعشاعي مقاليد النفس القصير

الفنانون - كتابة: عبد الرحمن الطويل - ٢٠٢٦/٠٢/١٩
طرائق الشيخ | كيف امتلك الشعشاعي مقاليد النفس القصير
تحميل...

“أطول نفَس في قراءة القرآن”، “أطول نفَس في العالم”، “أطول نفَس للشيخ فلان”، “سورة الفاتحة في نفَس واحد” أمثلة لعناوين فيديوهات وريلز تقابلنا مئاتٌ منها على يوتيوب وفيسبوك من غير أن نقصد. تهدف هذه المقاطع إلى الإدهاش بقُدرة بعض قراء القرآن على تلاوة بعض الآيات في نفَس واحد يقارب الدقيقة أحيانًا، ويجاوزها أحيانًا أخرى، دون أن يتسلل إليه الإرهاق وضيق النفَس عند القفلة، ودون أي ملمح عن حيلة خفيّة لاستراق النفَس.

تقدم هذه المقاطع طولَ النفَس الخارقَ للعادة كمزيّة فائقة في القارئ تُثْبتُ له التفوق والتقدم على أقرانه، وتستحق من السامعين مزيد إعجاب وطرب وانبهار به؛ والحقّ أنها باتت تبلغ منهم ما تريد. إذ بات كثير مِن مُحبي استماع التلاوات القرآنية ينبهر بمقاطع النفَس الطويل ويتداولها بوصفها إعجازًا من القارئ، وقيمة فنية مخصوصة يُذْكَرُ بها ويُمدحُ مِن أجلها. لا نبالغ إن قلنا إنّ هذه الميزة في العقود الأخيرة باتت صاحبةَ فضل في ترجيح بعض القراء ورفع أسهمهم على غيرهم، وترويج أشرطتهم في سوق الكاسيت ثم مرئياتهم في الفضاء المفتوح بعد ذلك.

لكن بالعودة إلى مدارس الرعيل الأول من القراء وإمعان السمع في طرائقها نجد أنّ النفَس الطويلَ لم يكن قيمةً مُعتبرةً في ذاته، بل إنه لم يكن تقنيةً لافتةً للمستمعين قبل ظهور الشيخ عبد الباسط عبد الصمد مطلعَ الخمسينات. إذ أتى الشيخ بنفَسٍ طويل يفوق ما كان شائعًا عند قراء جيله والسابقين عليه، وأدّى بنفَسِه الطويل مقاطع شهيرة باتت علامات عند المستمعين كأول سورة التكوير وأول سورة الشمس. لقرابة ثلاثة عقود عاصر الشيخُ عبد الباسط عددًا من قراء القمة السابقين عليه والمجايلين له الذين لم يتمتعوا بطول نفَسه، ولم يكن غياب هذه التقنية مؤثرًا في حضورهم ووجودهم في الصدارة. 

إضافةً إلى ذلك، لم يكن طول النفَس التقنية الأساسية التي اتكأ عليها الشيخ عبد الباسط كما فعل قراء لاحقون بعد ذلك حتى باتت قدرةً ضرورية يتنافس القراء عليها ويلتمسون التمارين والتدريبات التي توصلهم إليها، بل ويتفاضلون عند المستمعين بها.

أما عند أجيال الرعيل الأول فقد كان التفاضل بثراء الجُملة النغمية، وجودة انتقالاتها، وإحكام قفلاتها، ومتانة بناء التلاوة مُجمَلة؛ سواء ظل هذا البناء نَسَقًا نغميًّا مجردًا، أم أمكنَ اعتبارُهُ بِنيةً تعبيريةً أو درامية تصور المعنى أو القصة. يسبق هذا كله تحقُّق قدرٍ كافٍ من الخشوع والسكينة لا تتنافى معه غاية الإطراب.

لذا لم يكن طول النفَس عنصرًا فارقًا في إبداع قدامى القراء وتميُّز مواهبهم. بل إنّ التسجيلات تضعنا أمام حقائق صارمة، حين تكشف لنا أنّ واحدًا من الآباء المؤسسين لفن التلاوة المصرية المسجلة، ومِن أهم المؤثّرين في تطوّرها وتشكُّل مدارسها اللاحقة كان قصيرَ النفَس، ألا وهو الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي.

يُعدُّ الشعشاعي الذي ولد عام ١٨٩٠ خاتمةَ الجيل الأول مِن القراء المسجلين، ذلك الجيل المؤسس الذي سبق الإذاعة، وأدركَتْه الإذاعة كبيرًا مشهورًا. أيضًا، وبالرغم مِن وجود قراء أسنّ منه ضِمنَ هذا الجيل وقت نشأة الإذاعة، فقد كان الشعشاعي ثانيَ اثنين قرآ بها فور افتتاحها عام ١٩٣٤، ليُصبح مع الشيخ محمد رفعت المؤسسَ الفعلي لفن التلاوة المصرية المسجلة، وتتأثر بالرجلين مدارس كبرى لاحقة.

وإذ نعرف أسماء مهمة سبقت هذا الجيل ورحلت قبل إنشاء الإذاعة مثل حنفي برعي وأحمد ندا، فإن أصواتهم لم تصل إلينا قط عبر التسجيلات، ما يجعل التنبؤ بالروافد الفنية لجيل رفعت والشعشاعي رجمًا بالغيب. صحيحٌ أنه من المؤكد أنّ رفعت والشعشاعي وعلي محمود ومحمد الصيفي ومحمد عكاشة قد تأثروا بقُراء سابقين عليهم، لكننا لا نملك اليوم أي مستندٍ صوتي ولا وصفي يُتكأ عليه في تتبُّع المنابع الفنية للجيل الأول مِن القراء المسجَّلين، ما يُجبرنا على التعامل معهم بوصفهم مدارس مؤسِّسةً لا متأثرة.

مِن بين هذه الأسماء اكتسب الشعشاعي خصيصةً إضافيةً عقّدَت تكوينَهُ الفني وجعلَت محاولة التنبؤ به أصعب، فقد احترف الرجل الإنشاد في صدر حياته، واشتهر بين الناس منشدًا لا قارئًا. لعلّ أقدم توثيق لحقبة الإنشاد في حياة الشيخ الشعشاعي هو ما قدمه لنا الموسيقار المصنِّف الشهير كامل الخُلعي في كتابه الأغاني العصرية الصادر عام ١٩٢١ – أي حين كان الشعشاعي في الحادية والثلاثين من عمره – إذ ذكره الخُلعي ضمن مشاهير المنشدين في حلقة الذكر في قائمة ضمّت أسماء منها الشيخ علي القصبجي والد الموسيقار محمد القصبجي، والشيخ أحمد إدريس .

بينما حملت إلينا الأسطوانات إنشاد الشيخين القصبجي وإدريس، فإنه لم يصلنا أي تسجيل إنشادي للشيخ الشعشاعي، ما يجعل التنبؤ بتأثير مرحلة الإنشاد في طريقة تلاوته اللاحقة ضربًا من الكهانة؛ خاصةً أنّه من الواضح أنّ الشيخ خلال العقد اللاحق على صدور كتاب الخُلعي كان قد اعتزل الإنشاد نهائيًّا وخلص للتلاوة، فانتخبته الإذاعة قارئًا ثانيًا لها بعد الشيخ رفعت. عدا عن ذلك، يبدو أثر الإنشاد معدومًا في تلاوات الشعشاعي المسجلة حين نقارن أسلوبه بأساليب القراء المنشدين مثل علي محمود وطه الفشني.

أيضًا، وبرغم أنّ حقبة ما قبل الإذاعة لم تعرف فصلًا تخصصيًّا صارمًا بين التلاوة والإنشاد، بل وحتى الغناء، فإن هذه الشهرة المبكرة في عالم الإنشاد قد تفتح بابًا للتخمين حول قِصَر نفَسِهِ اللاحق: أكان انشغاله بالإنشاد في شبابه سببًا في عدم اكتسابه لياقة النفَس الطويل؟ إذ لا يحتاج المنشد إلى النفَس الطويل حاجة القارئ، لكونِهِ في سَعة من أمر السكت والوقف والابتداء والتنفس أثناءَ الجُمَل، بخلاف القارئ الذي لا يستطيع التنفُّس إلا بعد الوقف. بالإضافة إلى ذلك، حين تَحوَّلَ الشيخ إلى التلاوة كان قد جاوز صدر شبابه الذي يستطيع معه اكتساب هذه اللياقة الصحية.

تبقى هذه الفرضية محض تخمينات، فقد ذهب الشعشاعي المنشد في ذمة التاريخ، ولم يصلنا أي تسجيل له، وبقي لنا الشعشاعي القارئ جبلًا شامخًا تتكئ عليه الجبال وتَنبتُ مِن تحته المدارس.

إذا كان رحيل الشيخ علي محمود واعتزال الشيخ رفعت بسبب المرض – حدث كلاهما عام ١٩٤٣ – قد أخرج لنا من خزائن أثرياء القوم تسجيلات خاصة سجلوها للشيخين خلال الثلاثينات ومطلع الأربعينات، فإنّ تأخُّرَ رحيل الشعشاعي إلى عام ١٩٦٢ ذهب بما يمكن أن يكون قد سُجل للشيخ في هذه الحقبة المبكرة. لا يتجاوز أقدم تسجيلات الشعشاعي التي وصلتنا عام ١٩٥٠، أي حين كان في الستين من عمره، ما يفتح بابًا آخر للتخمين: أكان قِصَر النفَس عارضًا عرض له مع الشيخوخة أم صفةً أصيلة صاحبته منذ البداية؟ لا نملك تسجيلًا نستدل به، لكننا نميل إلى الاحتمال الثاني، لأنّ الشيخوخة لم تؤثر على أداء الشيخ في ستينياته وسبعينياته، فقد احتفظ صوتُهُ بقوّته ومساحته حتى النهاية.

هنا ننصرف عن هذه التخمينات التاريخية إلى تسجيلات الشيخ التي وصلتنا بين سن الستين ووفاته في الثانية والسبعين، لتحليل أدائه من زاوية النفَس القصير، ورصد تقنياته الإبداعية التي جعلَت النفَسَ عاملًا غير مؤثر، وجعلته مدرسةً أمًّا تفرعَت منها المدارس.

في ضوء ما وصلنا من تسجيلات لا يتجاوز أطول مقاطع الشيخ الشعشاعي العشرين ثانية إلا بقليل، على حين كان المعتاد في جيله والجيلين اللاحقين أن يبلغ القارئ صاحب النفَس العادي نصف الدقيقة ويتجاوزه، ويصل القارئ طويل النفَس بمقطعه إلى خمسين ثانية. بهذا قد كان الشعشاعي أقصر القراء الكبار نفَسًا، والمقارنة هنا في حدود قراء الصف الأول من الأجيال الثلاثة الأولى للإذاعة المصرية، التي قرأت عبر الأثير قبل عام ١٩٥٤.

تدفعُنا هذه الخصيصة إلى التساؤل: كيف استطاع الشعشاعي بهذا النفَس القصير تأسيس مدرسة مِن أعقد مدارس التلاوة وأنضجها مِن الوجهة الفنّية، والتأثير بها في مدارس كبرى لاحقة؟ فالراصد لأسلوبيات الأداء عند قراء الأربعينات والخمسينات لا يخطئ أثر الشعشاعي الواضح في بعضهم، وتأثير رفعت في البعض الآخر، والمتأثرون بالشعشاعي أكثر. إذ يمكننا رصد قفلات ونقلات وأفكار نغمية امتدّت من الشعشاعي إلى أساليب طه الفشني ومصطفى إسماعيل ومحمود علي البنا وعبد الباسط عبد الصمد، وإلى المنشاوي في بعض المقامات، في حين امتدّ تأثير رفعت إلى عبد العظيم زاهر وأبو العينين شعيشع وكامل يوسف البهتيمي. لا نُغفل هنا أنّ هذه الأجيال من القراء تأثرت أيضًا بقراء سابقين لم تصلنا تسجيلاتهم.

يحيلنا تأمل تلاوات الشيخ إلى تقنيات صوتية وأسلوبية أثرى بها أداءَهُ إثراءً يتجاوز “تعويض النفَسِ القصير” حتى باتت مدرسته من أكثر مدارس التلاوة إبداعًا، وحتى باتت المساحات النغمية القصيرة التي يتحرك فيها أثرى من المساحات الطويلة التي تحرك فيها كثير من أصحاب الأنفاس الطِّوال. 

صوتيًّا، وُهِب الشيخُ مزيّتين فاقَ بهما أقرانه، الأولى قوة الجهر، فقد امتلك واحدًا من أقوى الأصوات الرجالية المسجلة، بلغ الغاية في قوة الجَهر والدفق الصوتي، وامتلك قُدرة هائلة على الانطلاق من الحجاب الحاجز والأداء من الرأس بشكل يزيد صوتَهُ مع الجهر عرضًا ورنينًا؛ ومع انتماء صوته إلى طبقة الجهير الثاني (الباص) صار بمجموع هذه المزايا عنوان الفخامة والقوة في أصوات القراء. على أنّ هذه الفخامة والقوة لم تنزعْ منهُ القدرة على الرقة والحنان حين يريدهما، لا بالتعبير النغمي فحسب، بل بعُرَب وأنّات بالغة العذوبة يندر أن تصدر عن مثله من الأصوات الغليظة.

أما المزية الثانية فهي سَعة المساحة، ولئن كان عدد غير قليل من القراء قد وصلوا إلى جواب الجواب وأدّوا عليه، فقد امتاز الشعشاعي بالحفاظ على قوة جَهره وتدفُّق صوتِه في جواب الجواب. لا يضارعه في هذه الميزة إلا الشيخ مصطفى إسماعيل، في حين كان معظم القراء يخفضون قليلًا من قوة الجهر الصوتي تعويضًا للجهد المبذول في الارتقاء إلى الطبقة العالية.

حاز جواب الجواب مساحة لافتةً في أداء الشيخ، وامتاز بجرأة كبيرة في الصعود إليه بلا مشقة ولا تمهيد وكأنه يتحرك في طبقة واحدة، حتى بات علامةً مِن علاماته فلم تَخْلُ مِنه تلاوة له تقريبًا. يمكننا القول إنّ الشيخ قد نجح في تعويض المُدة بالمساحة، فأنتج جُمَلًا نغميةً تكتسبُ ثراءها وفخامتها من طبقتها العالية وقُوّة جهره بها لا مِن طول مُدّتها، وبات المستمع يجد من الطرب بقُوة صوت الشيخ وعرضه وشدة رنينه وارتفاع طبقته ما لا يلتفت معه إلى قِصَر الجُملة.

طوّر الشيخ مِن هذه القُدرة خصيصةً أسلوبيةً جعلته قادرًا على الأخذ بألباب المستمعين عبر جُمَلٍ قصيرة لا تكون مظنّة إبداع كبير عند معظم القراء، عبر القراءة صعودًا على الطبقة العالية ثم الهبوط المباشر للقَفل على الطبقة الخفيضة (صعودًا على جواب الجواب ثم هبوطًا مباشرًا وقفلًا على الجواب، أو صعودًا على الجواب وقفلًا على القرار).

على الأغلب لم يكن نفَس الشيخ يُعينه على الصعود والهبوط المتدرج بالطول الذي وصل إليه قراء آخرون في جُملة واحدة، فطوّر هذه التقنية التي جاءت أشد هيبةً وفخامةً عند المستمع لجرأة الصعود والهبوط فيها، ولسَعة المساحة التي اختزلها الانتقال المفاجئ بين الطبقات.

بهذا القالب أدّى الشيخ عددًا كبيرًا من الجُمَل القصيرة التي أسرت وجدان الجمهور وما زالت تمثل علامات في تسجيلاته إلى اليوم، كآيتَيْ “والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا * وَالْأرْضِ وَمَا طَحَاهَا” [الشمس ٦،٥] مِن محفل بغداد الشهير “الحجرات وق وقصار السور” عام ١٩٥٦؛ وكجُملة “إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” [يوسف ١٠٠] مِن تسجيل ستوديو عتيق شهير في إذاعة القاهرة.

وإذا كانت سَعة المساحة قد أكسبته القدرة على أداء التقنية المذكورة ببراعة فائقة وعنفوان مهيب، فثمّةَ تقنيات أسلوبيةً اتّبعها في إثراء المقاطع القصيرة وفي تشبيكها في ذهن المستمع بما يُشبعه طربيًّا. تكمن أهمية هذه التقنيات في إمكانية الاستهداء بها مِن قبل القراء الذين لا يملكون مساحة صوتية واسعة.

أولى هذه التقنيات قوة النهايات المفتوحة، فحتى الجُمل النغمية التي لم تكن تنتهي بقفلة بل بنهايات مفتوحة مُعلقة أو ممهدةً لما بعدها، كان الشيخ يضع في نهاياتها مِن قوة الجهر ما يجعلها مَهيبة مُطربة تَعلقُ بأذن المستمع. كثيرًا ما تجلّت هذه القوة في المقاطع التي تنتهي بهاء الضمير، حيث كان يُفخمها بـتثقيل الهاء حتى يشعر المستمع أنها خارجة مِن أعماق الأرض إلى أعماق السماء؛ ولمّا كانت هذه النهايات المفتوحة على نغمات صاعدة في الأغلب، فإن أثر الهاء الثقيلة فيها كان أقوى مِن أثره في القفلات.

البناء الدرامي للمقاطع القصيرة المتتابعة تقنية أخرى من أهم تقنيات الشعشاعي الأسلوبية للإبداع بالنفس القصير، عبر تتابع هذه المقاطع بنهايات مفتوحة مختلفة، يُسلم بعضُها إلى بعض، حتى تنتهي بمقطع أطول ذي قفلة حاسمة. قام هذا التتابع المترابط بتشبيك الجُمَل القصيرة في ذهن المستمع كجُملة واحدة طويلة تُمثل وقفاتها بين الآيات جزءًا أصيلًا مِن بِنيتها. مثلًا لو أنّ واحدًا مِن هواة تزوير المقاطع حذفَ الوقفات ووصلَ الجُمَل وقدمها على أنها مقطع طويل للشيخ لفقدَت جمالَها، لأنّ هذه الوقفات رُكنٌ أصيل في بِنيتها الزمنية والنغمية، كما أنّ السكتات في الإيقاع جزء أصيل مِن تكوينه الزمني؛ ولأنّ في هذه الوقفات من القوة والجهارة ما يَحسُنُ به الوقف ولا يصلح معه الوصل. يمكن التمثيل لهذه التقنية بكثير من تلاوات الشيخ، أقواها حضورًا في هذا الباب أداؤه للآيات التسع الأولى من سورة التكوير، مِن محفل شهير لسور الإنسان والتكوير والانفطار، حيثُ أدى كل آية من الآيات الست الأولى مفردة منفصلة، وبنهايات مختلفة ومتدرجة هبوطًا وصعودًا على مقام العجم، ثم وصَلَ الآيات السابعة والثامنة والتاسعة التي ختمها بقفلة حاسمة على مقام الصبا جاء وقعُها على المستمعين يسحب الأنفاس من الصدور.

ثم تأتي الإعادات المتصاعدة لجُملة واحدة تقنيةً أخرى لتشبيك المقاطع القصيرة في ذهن المستمع، إذْ كان الشيخ يُعيد جُملة واحدة عدة مرات بنهايات مفتوحة متصاعدة نغميًّا، ثُم يُتبعها بجُملة القفلة، فتأتي هذه القفلة واضحة الترابط بكل الجُمل السابقة لا بجُملتها فحسب؛ لأنّ هذه الجُمَل أحدثَت قوة الدفع التي انتهت إليها، أما جُملة القفلة نفسها فلم تكن إلا الخطوة الأخيرة في الشوط. يمكن التمثيل لهذه التقنية بإعادات الشيخ المتصاعدة لجُملة “مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ” مِن سورة الإنسان في نفس التلاوة السابقة، ثم إتباعها بالقفلة في الجملة التالية “لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا” [الإنسان ١٣].

القفل بعد مدٍّ مستقِر واحدة مِن أسلوبيات الشيخ التي امتزجت مع غيرها لإثراء المقاطع القصيرة، إذ كثيرًا ما كان يؤدي المدود بنغمة واحدة مستقرّة، وهو اختيار يُسبغ مع صوته الضخم شعورًا بالرزانة والركانة، فإذا اختتم هذا المد بقفلة اكتسبَت متانتها مِن طول المَدّ وعمقه. يحضر في هذا الباب أداؤه مرتين لآية “أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَآوَىٰ” [الضحى ٦] برواية ورش، حيث أداها في المرتين بمد البدل في الكلمة الأخيرة، بنهاية مفتوحة في المرة الأولى، وبالقفلة في الثانية، فاكتسبت القفلة متانتها مِن طول المد وعمقه في المرتين.

فضلًا عن ذلك، اعتنى الشيخ بمواضع من التلاوة لا عمل فيها للنفَس الطويل، وعلى رأسها ختام التلاوة، حيث اعتنى بتحسينه والتمهيد له نزولًا إلى مقام البياتي واسترواحًا فيه وصولًا إلى قفلة خاشعة محكمة لنهاية آية الختام، تمثل نهاية منطقية للتلاوة من الوجهة النغمية، ثم يُتبعها بالتصديقة (صدق الله العظيم) بصيغته الشهيرة. كان للشيخ عدة صيغ نغمية للتصديقة كلها دالٌّ على العناية بها، لكنّ أشهرهنّ تلك التي يتوسطها صعود نغمي متدرج في لفظ الجلالة، يليه نزول إلى درجة الاستقرار مع صفة العظيم.

رأى الشيخ أن التصديقة آخر ما يبقى في أذن المستمع ووجدانه من التلاوة، فاعتنى بتجويدها ونحتها حتى باتت من علاماته. كان الشيخ واحدًا مِن قلة قليلة من القراء اعتنت بختام التلاوة والتمهيد له ومَنطَقته، فلم يكن ختام التلاوة عنده إغلاقًا اضطراريًّا لانتهاء الوقت، بل وحدة فنية قائمة بذاتها، ومرحلة مِن مراحل الإبداع يترقب المستمع ثمرتها. في حدود التسجيلات المتاحة، إن الشيخ الشعشاعي أقدم من اعتنى بختام التلاوة وأبلغه هذه الدرجة من النضج، فكأنه مؤسس هذا الفن. 

بهذه الميزات وبغيرها استطاع الشعشاعي تخليق جُمَل نغمية ثرية بمضامينها وعلاقات بعضها ببعض، بتعبيرها وحكايتها، وبتطريبها ورزانتها، وباستغلاله لما وُهب من إمكانات صوتية في تعويض ما حُرم منه. جُمَل لا تحتاج إلى طول حتى تكتسب الهيبة والفخامة في أذن المستمع وقلبه، ولا يحتاج قارئها إلى أن يتدرب على إطالة نفَسه أو التماس حيلة له، حتى يكون واحدًا مِن كبار القراء في كل زمان ومِن مؤسسي هذا الفن والمؤثرين في أعلامه.

يمكننا النظر إلى كل هذا العمل بوصفه صورة مثلى مِن صور الدراية بالإمكانات والتحكم فيها وحسن إدارتها، فلم يؤْثَر عن الشعشاعي في تسجيلاته قط أنْ خانَهُ نفَسُهُ، بينما خانت الأنفاسُ الطوالُ كثيرًا من أصحابها. لعلّ قيمة الدرس تتبدى عند النظر إلى عدد من قراء الستينات والسبعينات الذين اشتهروا بالأنفاس الطويلة، واعتمدوا عليها في إظهار عنفوان الأداء وجذب المستمعين به، وأحسن بعضُهم عليها فلم يكن النفَس الطويل كل بضاعته، بل صاغ مِن خلاله جُمَلًا نغمية جميلة ومُطربة؛ حتى إذا أسنُّوا أو أصابهم المرض خانتهم أنفاسُهُم الطويلة بعد أن استقرّت عليها طرائقهم وأساليبهم، ولم يعُد بإمكانهم أن يأتوا بالمقاطع الطويلة ولا بالعنفوان القديم، ولم يقدروا على الإبداع بأنفاسهم القصيرة لأنهم لم يكتسبوا دُربة الإبداع بها، فذهبَت تلاوتهم في طرق مسدودة بين أداء بيّن الإجهاد عند القفلة، وبين عُرضة لانقطاع النفَس، وبين استراق مكشوف له.

يُعلّمُنا الشعشاعي أنّ القراءة عمل العقل قبل أن تكون عمل الحنجرة، وأنّ الإبداع بطول الرويّة لا بطول النفَس، وبسعة الخيال لا بسعة الرئة. ربما لهذا كان الشيخ الشعشاعي القارئ الأثير لعميد الأدب العربي طه حسين بحسب ما رواه عنه الإذاعي الرائد محمد فتحي ، لأنّ في تلاوته إبداعًا مقترنًا بفِكر وفلسفة، وهو اقتران بلا شك يجذب طه حسين وينتزع إعجابه، إذ يخاطب العقل كما يخاطب الوجدان، فيبقى أثره في النفس طويلًا.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف