قالوا الحديد للرجالة | السجون التي لم يعرفها الشيخ إمام وأغانيها

مقالات - كتابة: مهاب محمد - ٢٠٢٦/٠٤/٢٤
قالوا الحديد للرجالة | السجون التي لم يعرفها الشيخ إمام وأغانيها
تحميل...

لا ينكر أحد وحشة السجن، غربته، حنين الأحبة، وقوانينه الجائرة، إلا أنه يبقى الفاصل الحقيقي في تجربته هي التحديات وزاوية رؤيتها. عند السور الخلفي من سجن الاستئناف الاحتياطي بمقره القديم عند مديرية أمن القاهرة، أُرفع على كتف جدتي لأناول عبد الله بعض الخبز وألقي عليه السلام، بين القضبان الحديدية، سعيدًا برؤيته رغم نفور العائلة منه. تجربة غريبة لطفل في العاشرة.

للسجن تجربته المريرة، لكنه يعالج في خيال أبناء حارتي بشكل أسطوري، بأنه للجدعان و”الداخل مفقود والخارج مولود.” يدخل المفرج عنه من باب الحارة مستقبلًا بالزغاريد والاحتفاء، والوعظ بأن يكون على خط مستقيم، وابتسامة راضية على وجهه، والسؤال ضمني عن توفر بعض الحشيش.

في تلك الحالة وفي أي لحظة منها لا أجرؤ على ترديد أغاني الشيخ إمام مثلًا، أو تذكر معاناة جرامشي؛ فالحالة الآنية تبقى ذات أثر أعظم وأكثر طغيانًا على عقلي. قد عاد المفرج عنه في قضية المخدرات، لذا لا يبقى مساحة لتلك الحالة الرومانسية لأغاني السجن الثورية التي يرددها أقربائي الأخرين من ذوي الخلفية السياسية النشطة، ونظرتها المثالية.

هنا السجن جزء من المعادلة، جزء من الإصلاح، وطبيعة الحياة، بل جزء من منظومة الأخلاق، أي الذنب والمسؤولية، والتفاوض مع أمناء الشرطة لترك المتهم يرحل بعد قطع وعود بالتوبة عن الحشيش، والتفاوض بين الإنسان ونفسه، عن السجن كعقاب إلهي على سوء أفعاله، وعدم رضاء أمه التي حثته على عدم الإكثار في شرب الحشيش.

الصراع بين الحارة والشرطة بنيوي، فالحارة فضاء هش، قائم على اقتصاد غير رسمي، وعلاقات قوة شفوية وضمنية، بينما تدخل الشرطة باعتبارها ممثلًا لعنف الدولة المشروع أو السلطة الأكبر التي يستحيل التفاوض معها، وإنما المناورة والاتقاء.

تعمل الشرطة في هذا السياق دون أن تقدم في المقابل حماية متكافئة، لذا بدل أن ينظر إلى القانون كمرجعية عدالة، يعتبر أداة تدخل مفاجئ، ما يحول كل احتكاك إلى تهديد محتمل، وكل سجن إلى نتيجة متوقعة.

لذا نبتعد في هذا المقال عن السجن بوصفه مؤسسة قانونية، وعن الأغنية بوصفها موقفًا سياسيًا، لنقرأ السجن كما يظهر في خيال شريحة كبيرة من الشارع المصري، حيث يصبح حدثًا متوقعًا في دورة الحياة، وتتحول الأغنية إلى وسيلة تفاوض نفسي مع الخوف والذنب والهيبة.

الأغنية السياسية

نادرًا ما نجحت أغاني السجن ذات الطابع السياسي في استقطاب عوام الشعب ممن ذاقوا تجربة السجن في القضايا الجنائية والجنح؛ فتبقى تلك الأخيرة ذات طابع درامي في معركة يلعب فيها الشيطان الدور الأكبر حسبما تربى أبناؤها. ربما إن تعمق قليلًا في فعله ودوافعه يمكن للمسجون إلقاء اللوم على غياب الوعي، وما يمكن أن يسميه علم النفس الحديث فقدان الضبط الانفعالي وما إلى ذلك من اختلال وظائف الأنا، لكن يسمى هنا في المقام الأول حظًا عاثرًا، لأن “أخذ الحق شطارة”.

عندما يصدح فؤاد نجم في قصيدته العنبر بأن “السجن للحر وان كان مر فكرني بالتوبة من دي النوبة ولا مرة” يبتعد عن المكون الأخلاقي لمعاناة القاطنين في حواري القاهرة وغيرها؛ حيث ليس هنالك “حر” بالمعنى الفلسفي الشائع في قضايا الفكر والسياسة. الحرية هنا تنال الحرية فقط بعد توبة المتهم وضمان نظافة سجله وسقوط الأحكام، ليحصل على تلك الجرأة التي تتعامل بها الأغاني الثورية والاستحقاقية في نيل الحرية.

الأهم الجرأة التي تؤهل المسجون للتعامل بها مع القاضي أو المسؤول عن القضية، ففي حالة فؤاد نجم وخلفيته الحقوقية بشقيها الفلسفي والإجرائي، يتساءل عن حق المعرفة بلهجة استنكارية حول ما يتحدث عنه قاضي أمن الدولة: “مصر العشة ولا القصر؟” ما يتناقض مع ما سرده أبو أصالة “أنا جاي اتكلم واقول واستأذن من البيه المأمور / كلمتين ونازل على طول” ليبدأ مواله حول السجن.

تنتهي حالة السجن في إطار شعر نجم بأن تغدوا وسامًا غير معلن، حيث يتغنى الأبناء بأغاني الشيخ إمام والأبنودي وأمثالهم غارقين في خيال من الحرية والمثالية السياسية. الأمر ذاته في حالة التجديد، وذلك ما حدث في حال أغنية إحنا الشعب لكايروكي، فلم تتجاوز بحال الأوضاع السياسية حينها، ولم تتجاوز أي من أغانيهم حول المخدرات وغيرها ذاك النطاق الوصفي للسجن.

تبقى تلك الحالة حقًا لكل فرد، إلا أنها كما ذكرنا يبقى تقديرها محصورًا في قضايا معينة، ومن غير المنطقي أن تصبح أغاني الشعب، لأنها تعبر فقط عن تجربة موازية، في عنبر جانبي يسمى عنبر القضايا السياسية؛ وكما هو معروف أحيانًا، يأبى المسجون السياسي أن يبقى مع جنائي في عنبر واحد، وهذا حق طبيعي، لكن نتج عن ذلك أن “عنبر” فؤاد نجم لا يحمل ما يكفي من التجربة ليعرف ويكون عنبر سجن.

البطولة والتفاخر

يبدأ فهم السجن في الغناء المصري من فهم الحياة النفسية داخل الحارة، حيث تعيش في احتكاك دائم مع الشرطة، كقوة حاضرة في اليومي كمينًا، تفتيشًا، وملفًا مفتوحًا. يخلق هذا الحضور المستمر حالة دائمة من الحذر والترقّب.

في هذا السياق، يظهر التفاخر قبل أي مواجهة فعلية مع الشرطة، لكنه رد فعل على غياب الأمان أكثر منه قوة حقيقية أو اتزانًا نفسيًا، حين يشعر الفرد بأن قدرته على التحكم في مصيره محدودة، تتحول المبالغة في إظهار القوة إلى آلية وقاية رمزية بدل أن تكون استعراضًا فعليًا، لتعلن أحيانًا: “مش محتاجكو بقى ف ضهري / ع المولى انا ماشية حكايتي.”

كما يهدف التفاخر هنا لتعطيل الخطر في المقام الأول، في ظل غياب الخلفية الحقوقية التي يستند إليها المثقفون في بناء سرديات البطولة. عند هذه النقطة، تتحول القوة الجسدية والسمعة العنيفة إلى شرط للبقاء، بعيدًا عن الاختيارات الأخلاقية، لتختزل تلك الحالة في كلمات عصام صاصا: “محطوط في شر وخير والحب بقى سلعة.”

في هذا الواقع، يصبح إما أن تكون مرئيًا أو أن تتحول إلى ضحية سهلة، من هنا يتحول الحديث عن الضرب والسوابق والدخول والخروج من السجن إلى لغة إثبات وجود أساسها اعتبار الضعف جريمة لا تُغتفر، لا تمجيد السجن.

هنا بدل أن يصنع السجن بطلًا، يصبح جزءًا من حياة بطل موجود أصلًا لذلك يُغنّى عنه كما يُغنّى عن الفراق أو الغدر أو الموت؛ بوصفه متوقعًا لا طارئًا، فبدل أن يكون السؤال لماذا دخلت السجن؟ يصبح كيف خرجت؟ وبأي خسائر؟ ومن خانك؟ ومن صمد معك؟ التركيز على التجربة الإنسانية داخل العزل، الوحدة، الإهانة، كسر الزمن، وتحول الجسد إلى رقم.

في الأغاني الأقل شهرة، مثل قفص حديد (عنبر مليان مظاليم) لسيف سكر ومعتز الزهار، يظهر المكوّن الأخلاقي بوضوح أكبر، من خلال عبارات تتأرجح بين الرجاء والدعاء والاعتراف بالذنب: “يارب أدبنا بس وحياة حبيبك النبي ما تحوجنا.”

قد يقتصر التداخل بين اتهام السلطة والتوسل للقاضي على سطرين أحيانًا، لكنه ينسجم مع وعي المستمع قبل وعي القائل، ويكشف فهم الحارة للسلطة بوصفها قوة قاهرة؛ ليكمل ما بين قول إن “المرشدين نصبوا الكمين من الدرجة الأولى” و”مصيره يرجع ليكو ويعلمكو الرجولة”، وبين رجاء القاضي بأن يخفف الحكم على أخيه.

الذنب

قد لا تبرّئ الأغنية الشعبية عن السجن بطلها بالكامل، لكنها ترفض سردية “الجريمة الفردية المعزولة”، وتضع السجن داخل سياق أوسع من الظلم البنيوي. لذلك، وعلى عكس الصورة السطحية، لا تخلو هذه الأغاني من شعور بالذنب، لكنه ذنب غير مباشر، غير واعظ، وغير مصاغ بلغة أخلاقية تقليدية. الذنب هنا تجاه الأم، أو الابن، أو العمر المهدور؛ لا تجاه القانون.

نلاحظ هذا الالتفاف على الذنب في كل العينات المطروحة عن السجن بدءًا من الموروث الشعبي وظهوره في مهرجان أبو أصالة بـ “الحديد يا واد راح يسمع” مؤكدًا مأساته، مرورًا بإنتاج مجدي شطة والذي يعتبر امتدادًا لتركيبة الأغنية الشعبية القديمة: “صحبه واللمة يوماتي (قعدة مخدرات يوميًا) / يحرق في سانتي (حشيش) وكيف بشوات” ساردًا طريق المخدرات في نبرة مأساوية واعظة عن أصدقاء السوء، وصولًا إلى الإنتاج الحديث الذي توارث هذه النظرة وأكدها واقعه.

هذا اعتراف متأخر بثمن السجن؛ غير أن هذا الاعتراف بعيد عن أن يكون خطاب توبة علني، لأن البيئة نفسها لا تسمح بذلك؛ فالاعتراف بالخطأ في الشارع قد يعني فقدان الهيبة، والهيبة شرط البقاء.

هنا تتشكّل المفارقة: يولّد السجن الجنائي شعورًا داخليًا بالذنب، لكنه يدفع خارجيًا إلى التفاخر؛ وتصبح الأغنية المساحة الوحيدة التي يتجاور فيها النقيضان: القسوة في النبرة، والكسرة في المعنى.

يبقى فهم العلاقة الدرامية مع السجن أحد أهم مفاتيح قراءة هذا اللون الغنائي. السجن في الأغنية الشعبية لا هو قيمة إيجابية ولا هدف ولا شرف، وإنما عنصر درامي ثابت، تُختبر فيه الرجولة، وتنكشف الخيانات، وتُعاد صياغة الذات.

هو مساحة الألم القصوى التي تمنح السرد كثافته، ولهذا يعود حضوره مرارًا بوصفه الذروة التي تُختبر عندها المعاني كلها الصداقة، الخذلان، الزمن، والندم.

خاتمة

أغاني السجون المصرية بعيدة عن الدعوة للإجرام، وعن أن تكون بيانًا سياسيًا أو احتفالًا بالعنف. هي شهادة صوتية على واقع اجتماعي تشكّل تحت الضغط، ووجد في الغناء متنفسًا وحيدًا، هي لغة المهمشين حين لا يجدون لغة أخرى، واعتراف غير مكتمل بالذنب، وتوثيق لعلاقة درامية مع السجن بوصفه جزءًا من طبيعة الحياة، لا وسام فخر ولا وصمة مطلقة. من يطالب هذه الأغاني بأن تكون أخلاقية، يتجاهل أن الأخلاق نفسها رفاهية لا تُمنح للجميع بالتساوي. تعكس الأغنية الشعبية الواقع؛ والسجن، في هذا الانعكاس، لا هو بطولة، ولا هو كذبة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف