في بداية فيلم الهروب بطولة أحمد زكي، يظهر صوت بدوي يؤدي:
يا بكرتي يا ام الجرس رنانة في خوض البحور ولا حيرانة خشيت البلد نقرزت طيرانا فرحت انا لما رأيت الأهل ورانا
أوحى لنا سياق الفيلم أن هذا الصوت تنويحة حرة موجهة للصقور؛ غير أن العودة إلى الميدان والوثائق تكشف التباسًا طويلًا، فقد كان في الواقع حداءً للناقة، والبكرة التي يرد ذكرها في المطلع هي الأنثى الفتية من الإبل. سُجل هذا الصوت في صعيد مصر على يد باحث روماني خلال الستينات، قبل أن يستخدمه المخرج عاطف الطيب في الفيلم.
يختصر هذا الالتباس المسافة بين الصوت في سياقه الأصلي، والصوت بعد تحوله إلى أثر سمعي معزول. كما يفتح الالتباس مجموعة من الأسئلة: كيف كان الحداء يُؤدى في بيئته الأولى؟ وما الذي ميّز أداء الحادي عن غيره من المؤدين الشعبيين؟ وما الذي بقي من هذا الفن بعد تراجع أنماط السفر والعمل التي ارتبط بها لقرون؟
نتتبع هنا الحداء من بيئته الأولى إلى حضوره المعاصر، من خلال النظر إلى أدائه الصوتي ووظيفته الاجتماعية وعلاقته بالموسيقى، والعودة إلى شهادات الحداة والباحثين الذين انشغلوا بتوثيق هذا الفن الشفاهي ودراسة تحولاته.
صوت الطريق
الحداء، بكسر الحاء أو ضمها أو فتحها، فن شفاهي ارتبط بالإبل ورحلات القوافل العربية، حتى غدت الكلمة مرادفة لسَوق الإبل بالصوت. تُجمع المعاجم العربية على تعريفه بوصفه غناء المسافر للإبل ليساعدها على السير، ونشأ من ملاحظة العرب لحركة الإبل وإيقاع خطواتها في الصحراء.
يقوم الحداء على الصوت قبل أي شيء آخر. يتناقل الرعاة والجمّالة نصوصه شفاهة، ويعيد كل حادٍ تشكيل أبياته وفق خبرته وصوته وظروف رحلته. كما تتكون الأحدية من أبيات قصيرة موزونة تعتمد على المد والقصر وتغيير النبرات بما ينسجم مع حركة القافلة وسرعة السير.
تربط المصادر العربية بدايات الحداء بمضر بن نزار بن معد، الذي يُروى أنه سقط عن بعيره فصاح متألمًا: “وايداه.. وايداه”، فاستجابت الإبل لصوته، ومن هذه الصيحة تفرّعت سلسلة من النداءات التي تداولها العرب في أسفارهم. يرى الباحث إبراهيم حامد الخالدي في كتابه ديوان الرجز والحداء أن الرواية تنتمي إلى أخبار البدايات التي تعكس وعي العرب بعلاقة الصوت بالإبل أكثر مما تقدم معلومة تاريخية يمكن التحقق من تفاصيلها.
يذكر المسعودي في مروج الذهب أن العرب رددوا صيغًا صوتية من قبيل “يا هاديا .. يا يداه” إلى جانب ألفاظ مثل “هيد – دوه – هي دو” أثناء سَوق الإبل؛ ومنه ما قاله ذو الرمة:
إِذا غَرِقَ الرَواتِكُ في الهَوافي أُرنُّ عَلى جَوانِبِها بِهيدِ
ثم تطورت هذه النداءات مع الزمن إلى ممارسة أدائية مستقرة عرفت باسم الحداء.
عرف العرب رهافة حس الإبل واستجابتها العالية للأصوات واهتزازها مع النغمات، يقول القطامي:
جَعَلَت تَميلُ خُدودُها آذانَها / طَرَبًا بِهِنَّ إِلى حُداءِ السَوقِ كالمنصتات إلى الغناء سَمعْنه / من رائع لقلوبهن مشوق
أورد النويري في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب، نقلًا عن الدينوري المعروف بالرقي، حكاية عبدٍ عذب الصوت قطع بجمال سيده مسيرة ثلاث ليال في ليلة واحدة تحت وقع حدائه حتى هلكت إلا واحدة؛ وحين طلب الدينوري سماع صوته، هام الجمل الأخير وقطع قيده. يذكر ابن حمدون في كتابه التذكرة أن سلّام الحادي أنشد بين يدي أبي جعفر المنصور، فأطربه صوته وأجزل له العطاء.
تستمر هذه الفكرة في العصر الحديث. إذ يروي المهتم بالتراث الشعبي السعود عواد الرويلي قصة راعٍ عاد إلى إبله بعد سنوات من الغياب، فعرفته من نبرة صوته قبل أن تراه. كما تتداول البادية السعودية حكايات عن نوق عادت إلى أصحابها استجابة لندائهم. من هذا الإدراك خصص الرعاة أسماءمحددة لجمالهم، واستخدموا همسات وإشارات صوتية خاصة للتواصل معها، بالإضافة إلى تخصيصتسمياتمتعددة لأصوات الإبل وأحوالها المختلفة.
يجد هذا المعنى صداه في تراث الأدب العربي؛ فعند حديثه عن أثر الألحان، استشهد أبو حيان التوحيدي باستجابة الإبل لأصوات الحداة:
إن كنتَ تنكرُ أن في الألحانِ فائدةً ونفعا فانظرْ إلى الإبلِ التي هي، ويكَ، أغلظُ منك طبعًا تُصغي لأصواتِ الحُداةِ فتقطعُ الفلواتِ قطعًا
يذهب المسعودي إلى أن الحداء سبق الغناء في الظهور، ثم اشتُق الغناء منه في مراحل لاحقة. أما ابن رشيق في كتابه العمدة فيجعل غناء “النصب” وهو الغناء البسيط الذي شاع بين الركبان والفتيان، الأصل الذي تفرعت عنه أشكال أخرى من الغناء، ومنها الحداء.
يكشف هذا الاختلاف عن التقاطع المبكر بين الحداء والغناء داخل الثقافة العربية، حيث تشكّل كلاهما في فضاء واحد اعتمد على الإنشاد والإيقاع ومرافقة السفر؛ وإذا كان الحِداء قد بدأ وسيلة لمرافقة الرحلة، فإن الإيقاع كان الأداة التي منحت هذه الوسيلة فعاليتها. يرى الباحث رمضان سليمان أن بساطة هذا الإيقاع وتكراره البنيوي منحتا الحادي مساحة واسعة للإنشاد في كل الحالات.
استمد الحداء إيقاعه من تواتر خطو الناقة في حالات السير المتفاوتة؛ بدءًا من الخطو الوئيد في درجات الحرارة المرتفعة والطرق الوعرة، وصولًا إلى التدفق السريع الذي يرافق الانطلاق واقتراب الوصول. من هذا التفاعل بين الحركة والصوت والطريق تشكل الإيقاع دون الحاجة لآلة موسيقية أو تصفيق جماعي.
ارتبط الحداء تاريخيًا ببحر الرجز القائم على تكرار تفعيلة مستفعلن، واحتل هذا البحر مكانة خاصة في البيئات الشفاهية بسبب مرونته وسهولة الارتجال عليه، حتى اشتهر بلقب حمار الشعراء. يذكر شفيق الكمالي في كتاب الشعر عند البدو أن كلمتي الرجز والحداء كانتا مترادفتين في أذهان العرب إلى حد استخدام إحداهما للدلالة على الأخرى.
بحسب ما يراه الباحث إبراهيم الخالدي، ميز العرب بين القريض، وهو الشعر الطويل الذي ارتبط بالشعراء، والرجز الذي شاع بين عامة الناس والفرسان والركبان. مع ذلك حظي عدد من الرجاز بمكانة أدبية رفيعة لحلاوة أقوالهم وعذوبة التغني بها.
من مرونة الرجز ولدت خاصية الارتجال، فيعاد تشكيل النص لحظة بلحظة، استجابة لحركة القطيع، وحالة الطريق، ومزاج الحادي؛ وفي فن يقوم على التفاعل بين الحركة والصوت، تتعدى مهمة الحادي حفظ الأبيات وامتلاك صوت حسن إلى قدرة صاحبها على قراءة القافلة وما يدور فيها من تعب وملل وشوق وترقب. يقول الباحث رمضان سليمان: “كل قافلة قديمة بيبقى في حادي واتنين وتلاتة، على حسب المسافة، الحادي لازم يكون مستّشف المجموعة اللي معاه بتحب إيه. هو مُلهَم ومُلهِم للقافلة.”
تصف العرب الحادي بـ حداء قراقري، أي جهوري الصوت قوي النبرات قادر على إيصال صوته إلى قافلة ممتدة على مسافات طويلة. فالممارسة تتطلب قدرة على التحكم في النبرة والامتداد الصوتي.
موضوعات الحداء
سمح الطابع الارتجالي للحِداء بتجدد موضوعاته عبر الزمن، فانتقلت كلماته مع القوافل والهجرات وتكيّفت مع البيئات التي حلّ بها. يمكن قراءة هذه الموضوعات عبر ثلاثة مستويات متداخلة: موضوعات الطريق والرحلة المرتبطة بنشأته الأولى، وموضوعات البادية في شبه الجزيرة العربية حتى الآن، ثم موضوعات الأمصار العربية التي استقبلت الحداء وأعادت إنتاجه داخل سياقاتها المحليّة. من المسار الأخير يمكن تتبع حضور الحداء في وادي النيل في مصر.
دارت موضوعات الحداء الأولى حول ما يشغل القافلة منذ لحظة الانطلاق وحتى الوصول. يخاطب الحادي ناقته مباشرة، يناديها باسمها، يحثها على السير، ويواكب تغيّر سرعتها وأحوال الطريق. لذلك يعرّف خالد العجيري الحداء بأنه غناء لمقاومة الموت، يساعد القوافل على اجتياز المسافات الطويلة وتأمين المؤن والعودة بها.
أشار جرجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية إلى أن الحداة استخدموا نمطين رئيسيين من الرجز، المشطور الذي يلائم السير الهادئ، والمنهوك الذي يرفع وتيرة الحركة عند الحاجة إلى الإسراع، ومنه قول ابن عبد ربه الذي اشتهر بصوت لينا شماميان في مسلسل ربيع قرطبة:
أَعطيتُهُ ما سأَلا / حَكَّمْتُهُ لوْ عَدَلا
امتدت هذه الأراجيز إلى ميادين القتال، حيث حملت معاني الحماسة واستحضار الشجاعة والهويّة القبلية. ارتجل الفرسان أبياتهم أثناء المواجهة، ورددتها النساء خلف الصفوف لتحفيز المقاتلين، ومن أشهر تلك النماذج أهزوجة بنات طارق التي أعادت إنشادها هند بنت عتبة يوم أحد وتقول:
نحن بنات طارق / نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق / ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق / فراق غير وامق
عرف بالحداء عدد من صحابة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – منهم أنجشة، والذي يروى أنه أسرع في الحداء فأسرعت الإبل التي تحمل النساء، فخاطبه النبي “رويدك يا أنجشة، رفقًا بالقوارير” وعامر بن الأكوع الذي دعا له النبي بعدما سمع حداءه في طريق خيبر.
حملت الرحلات الطويلة أشواق المسافرين إلى أوطانهم، كما وثقت أخبار المدن والفتوحات. يوضح رمضان سليمان أن أنين المسافر يشتد ويظهر بنبرة حادة عند مفارقة الأوطان والبيوت، بينما تصبح تلك النبرة مليئة بالارتياح والبهجة عند قرب الوصول.
كما بقي الرجز حاضرًا في ساحات القتال، فارتجل الحداء، خالد العجيري، ص ٦١. علي الأكبر بن الحسين في معركة كربلاء سنة ٦١ هـ:
أنا علي بن الحسين بن علي / أنا ورب البيت أولى بالنبي من شمر، وشيت، وابن الدعي / ألا تروني كيف أحمي عن أبي؟
خلال العصرين الأموي والعباسي تجاوز الحِداء حدود الطريق، وصار يؤدى في رحلات الحج، ومجالس الخلفاء، وأخبار المغنين. في الوقت نفسه اكتشف العلماء مرونة بحر الرجز فاتخذوه قالبًا لصياغة العلوم في منظومات عرفت باسم الأراجيز التعليمية يسهل تداولها وحفظها، ومنها ألفية ابن مالك في النحو والصرف.
مع تنوع الأعمال اليومية لدى بدو الجزيرة، تعددت موضوعات الحداء، وتكيفت نصوصه مع البيئات المختلفة من الصحاري الداخلية إلى السواحل البحرية. طوّر الرعاة منظومة كاملة من النداءات المرتبطة بحالات الإبل المختلفة، نداء للمسير وآخر للمرعى وثالث للسقيا، وفق ما يقول محمد عبد الله الحربي المتحدث باسم مهرجان الملك عبد العزيز للإبل.
من هذا التنوع برز الهوبال، وهو الغناء الذي يرافقحركةالإبل في الصحراء، ويعين الراعي على جمعها وتوجيهها، واقترب وزنه مع مرور الوقت من بحر المتدارك المصدر السابق، ص ٢٧٥. عند الوصول إلى موارد المياه، انتقل الغناء إلى العوبال.
أورد أحمد محارب الظفيري نماذج من الهوبال منها ما قاله أحد الحداة متغزلًا:
حبيني والجمل يرعى / يا يقك يا لبن درعا
مثّلت الآبار محطات مركزيّة في حياة القوافل، عندها يتوقف المسير، وتتجمع الإبل حول مورد الماء، وتبدأ سلسلة من الأعمال المرتبطة بالسّقي واستخراج الدلاء وتنظيم ورود القطعان. نشأ في هذا السياق العوبال، وهو الغناء الذي يرافق ورود الإبل إلى الماء ويشجعها على الشرب، بينما يتبادل راعيان أو أكثر المقاطع الغنائية في أداء يقوم على النداء والجواب، فيوزّع الجهد بين العاملين ويحافظ على انتظام الحركة.
مع بدء استخراج الماء، تتغير بنية الغناء تبعًا لمراحل العمل؛ ففي انتظار صعود الدلو من قاع البئر تتردد مقاطع هادئه أقرب إلى التمهيد، منها:
أم السنام الشايح / توايقت للمايح / تحسب ولدها طايح
ثم يرتفع الإيقاع مع حمل الدلو الممتلئ و إفراغه في حوض السقيا، ومنها:
اشربي لا تافرينه / من قليب حافرينه
يعتمد حادي الآبار تضمين نصوصه جرعات من الفكاهة، والطرفة، بهدف الترفيه عن المعاونين وتجديد طاقتهم البدنية، بالإضافة إلى استخدام نداءات الاستعانة الجماعية:
عاون الله من يعين / وتنقطع كف اللعين
أيضًا، عند موارد الماء التقت طرق القوافل بأحاديث العابرين ونظرات العاشقين، فخرجت نصوص حدائية حملت مشاعر الإعجاب والشوق والغزل والمداعبة، في صياغات مواربة، تناسب المجتمع البدوي المحافظ:
الزين توه جانا / وقف على مسنانا
صوت الفخر والبطولة | حداء الخيل
مع حضور الخيل في الغزو والترحال، اتسعت وظيفة الحداء لتشمل مواكب الفرسان والمسيرات العسكرية. كان الحادي يتوسط صفوف المقاتلين، يرتجل أبياتًا قصيرة تتلقفها الجماعة بالترديد، فتنتظم بها حركة المسير وترتفع بها عزيمة المقاتلين. يرى إبراهيم الخالدي أن هذا اللون استقر في البادية باسم الحداوي، وشغل مساحة واسعة من تراث الحداء.
اختلف الأداء تبعًا للحظة التي يمرّ بها الفرسان؛ ففي طريقهم إلى المعركة، جاء اللحن هادئًا متزنًا، وعرف باسم الركبانية، ومع بدء الاشتباك، تتسارع النغمات وتتداخل الكلمات، ويعرف باسم الحَوارب أو الحربي، وعند العودة بالنصر امتدت الجمل اللحنيّة، ومال الأداء إلى المدّ الصوتيّ المتوافق مع حركة التمايل فوق ظهور الخيل، فسميّ التطويح أو الطواح.
توسعتموضوعاتحداءالخيل مع تغيّر وظيفته. حضرت الحماسة والفخربالقبيلة، وبرزت أوصاف الفرسان، وترددت أسماء المعارك والخصوم، إلى جانب المدح والدعاء والحكمة، وحضرت النقائض التي تدور في فلك التحدّي والخصومة وإثبات الغلبة، والمساجلات الوديّة التي يغلب عليها التقدير المتبادل، كما ظلّت الخيل والإبل تحتلان مكانة خاصة داخل النصوص.
شاع هذا الفن لدى الحاضرة والبادية على حدّ سواء منذ العصر الجاهلي، وشهد تراجعًا في العصر الحديث نتيجة الاستقرار السياسي وغياب النزاعات الداخلية في جزيرة العرب، ما دفع مؤرخين مثل ابن عقيل الظاهري إلى تدوين هذه الأحديات لإنقاذ جمرتها من الضياع، مستندًا إلى مخطوطات الأمير محمد الأحمد السديري والرحالة موزيل؛ والتي يمكن الاطلاع على كثير منها في كتب لأحمد فهد العلي العريفي وسعد عبد الله الصويان.
من النصوص التي تحتفي بأدوات الفروسية قصيدة يا معضدي التي تحتفي بالمعضد، وهو السوار المعدني الذي يرتديه الفارس بين المرفق والكف:
عاشت يمين الصانع البيطار / يصنع شناشل معضدي يا معضدي تستاهلك يمناي / تجسر إذا هاب الردي
ارتبط هذا اللون بعدد من الوقائع التاريخيّة، كتلك الأحدية المنسوبة إلى الملك عبد العزيز آل سعود عقب استعادته الرياض:
مهبول يا قايل قضت / توّه عمر دخانها يلحق بها ورع صغير / خيلٍ بقطي حصانها
كما وجدت مشاعر الغزل طريقها إلى تلك الأحديات، سواء في طريق الغزو أو في أوقات السلم، كما يظهر في شكوى أحد الحداة من فراق محبوبته، فيقول:
زل الربيع وحودروا للقيظ / والغرو ما وقنا عليه یا بو نهود كنّهن البيض / والقلب وجلان عليه
شاركت النساء في هذا اللون، فاتخذن الحداء وسيلة لتحفيز المقاتلين، والإشادة بفرسان القبيلة، واستنهاض الهمم في أوقات الحرب. من ذلك ما قالته الشريفة عمشا بنت ناصر آل غالب، وهي تحث فرسان قومها في قتالهم مع البقوم، وتعد أشجعهم بالزواج منها:
من يقطع الفرجة على البعاج / يصير للشيخة حليل ماريته رمحه يجي منعاج / يقلط إلى هاب الذليل
الهجيني وأنواع الحداء
تطورت أشكال الحداء في بادية العرب تبعًا لتغير أنماط التنقل واحتياجات الحياة. يشير إبراهيم الخالدي إلى أن الحداء الركباني الذي ارتبط طويلًا ببحر الرجز، اقترب في مراحل لاحقة من بحر البسيط، فظهر لون غنائي جديد عرف باسم الهجيني، اقترب من الأغنية الشعبية، وأصبح الأكثر تداولًا بين ركبان الهجن.
استقر الهجيني على نمطين رئيسيين؛ الطويل المنتشر في جنوب الجزيرة، ويأتي على وزن البسيط التام، ومنه:
عديت لي مرقب والليل ممسيني / بديار غربة يعل السيل ما جاها اضحك مع اللي ضحك والهم طاويني / طوية شنون العرب لي قطروا ماها
والقصير الذي شاع في شمالها على صيغة أقصر وأكثر سرعة، كما ظهرت نماذج أخرى اقتربت من بحر المتدارك.
مع هذا التطور، اتسعت عائلة الحداء لتضم ألوانًا بدويّة أخرى، ارتبط كل منها بسياق اجتماعي مختلف. ظهر المسحوب غناءً ممدودًا يرافق الربابة في موضوعات الغزل والوجد، وبرز الدندان المعتمد على الهمهمة ومد الصوت في جلسات السمر، كما عرفت الحجاز فنون الحداية والزومالة التي تجمع بين الإنشاد الجماعي والحركة في المناسبات القبلية.
امتد أثر الحداء إلى أقاليم عربية أخرى، فتطور الزامل في اليمن وعمان والسعودية ليواكب الحروب والأعراس والمحاورات، واتجه الدارمي في العراق إلى العشق والشكوى، بينما اقترن الحروبي في بلاد الشام بالفروسية، ودخل الحداء هناك إلى الأعراس والرثاء.
من البر إلى البحر
مع اتساع حركة التجارة العربية بين الصحاري والسواحل، انتقلت أنماط الحداء إلى مجتمعات البحر والأنهر. كما احتاجت القافلة إلى صوت ينظّم خطو الإبل ويوحّد إيقاع الرحلة، احتاجت السفن إلى غناء يرافق حركة البحارة أثناء العمل البحري ومراحله المختلفة.
في سواحل الخليج العربي والبحر الأحمر، تولى النهام مهمة قيادة الغناء الجماعي على ظهر السفينة، يبدأ بصوت منفرد قبل أن يلتقط البحّارة عباراته في ترديد جماعي يرافق حركة المجاديف وسحب الشباك ورفع الأشرعة.
مع الزمن تشكّلت أنماط غنائية متعددة عُرفت باسم النهمة أو الطرب البحري، حسب طبيعة العمل على السفينة. فظهر اليامال وهو غناءٌ جماعي يعبر عن الشوق والتجارب الشخصية ومنه:
دمعي تحدر على وجناي واستاهَل وسراج همي أبد ما بان واستاهَل وهذا جزا من رابع الأنذال يستاهل
كما ارتبطت الخطفة برفع الأشرعة، بينما صاحبت ألوان أخرى مثل الحدادي والشبيبي واليملي والحساوي مراحل العمل المختلفة، من التجديف إلى الغوص وسحب الشباك. حملت النهمة جانبًا روحانيًا، فامتلأت مقاطعها بالأدعيةِ والتوّسلات المرتبطة بمخاطر البحر وطول الغياب.
من خطو الناقة إلى دوران السواقي | حداء الأمصار
هاجر الحداء مع الهجرات من الجزيرة العربية إلى الأمصار، فوجد بيئات تختلف جذريًا عن المجال الذي نشأ فيه. في الأمصار التقت العربية الفصحى باللهجات المحلية المتداولة، وظهرت عربية مولدة حملت أثر هذا التفاعل، فانتقل الحداء تدريجيًا من الصياغات الفصيحة إلى اللهجات الدارجة، واكتسب مفردات أقرب إلى الحياة اليومية والعمل الموسمي.
في وادي النيل في مصر والسودان، سلك الحداء مسارين متوازيين نتيجة التنوع الجغرافي. ففي مناطق الرعي والتنقل ظلّ مرتبطًا بالإبل وطرق القوافل وأغاني الرحيل، بينما شهد تحولًا في الأودية والسهول الزراعية نحو الأداء الجماعي والاحتفالي، حيث أُدخل التصفيق والترديد.
تأثّر كذلك بالأشكال الشعرية المصرية والسودانية، وخاصة الدوبيت والنميم والكف وأغاني الرحيل، واستعار منها مساحات أوسع للارتجال والمدّ الصوتيّ، وأصبح جزءًا من جلسات السمر والاحتفالات الشعبية.
دخل الحداء مصر فوجد مجتمعًا اعتاد الغناء في العمل والاحتفال والسمر؛ ومع دخول الجمل في منظومة العمل الزراعي، انتقل الحداء من القافلة إلى الحقل، وصار يُسمع إلى جوار الساقية وهي تدور، وخلف المحراث وهو يشق الأرض، وفي رحلات نقل المحاصيل بين الحقول والأجران.
أنتج هذا الانتقال تغيرًا في البناء الإيقاعي، إذ انسجم مع دوران السواقي وحركة المواشي وإيقاع الأدوات المستخدمة في الحقول. دخلت مفردات الأرض والماء والزراعة إلى نصوصه، واتسعت مساحة التعبير عن هموم العمل اليومي وشؤون القرية.
طرأت كذلك تحولات على أساليب الأداء والتنغيم؛ إذ أصبح الحادي يفصل بين الأحديات بوقفات صوتية قصيرة ونداءات ممدودة تمنح كل أحدية استقلالها داخل سياق الأداء. يشير الباحث خالد العجيري إلى أن الحادي كان يفصل بين كل أحدية بقوله “يا سلااااام” طويلة، كنوع من تشجيع النفس والحسرة على أن لا أحد يفهم ما يقول.
يعكس حديث البابا الراحل شنودة الثالث عن الحداء حضور هذا الفن داخل مصر، والتأثير في شعبها، إذ استعاد بعض أبياته:
قبل أن يختتم حديثه: “احنا عايزين حد يركّب جمل ويقول وراها ترتيلة.”
مع اتساع حركة العمل الموسمي والتنقل طلبًا للرزق، حمل الحداء أصوات العمّال والرحّالة الذين يقطعون المسافات بين القرى والحقول. حضرت الشكوى من ضيق الحال، وترددت مفردات التعب والسعي اليومي لتأمين القوت، يقول أحدهم:
يا عم يا جمال / حملي عليا مال يا عم يا جمال حود / حود وشيلني من تقيل الاحمال
مع ارتباط الفلاحين بطين الأرض؛ فإن ابتعاد الفلاح عن قريته للعمل في مزارع بعيدة ولّد لوعة حنين جارفة تثيرها مفردات البيئة النيلية في مصر، كتلك الأحدية التي ذكرها فوزي العنتيل في كتابه الفولكلور والثقافة الشعبية:
يا زارع الرمان على السواقي / رمانك مر ما ينداقي ضل النخيل فكر علي بلادي / فكر عليا أهلي وناس الوادي
ظلّ الحب حاضرًا في الحداء، لكنه استبدل خشونة الصحراء بملامح بيئية محلية، ففي مجتمع جنوب مصر الذي تعمل نساؤه تحت الشمس، أصبح البياض والشعر الأسود الطويل علامات جمالية يتغنى بها الحادي موسى عبد المولى ويشبهها بغزلان الروم:
البت بيضة شعرها محلولي / شبه غزالة من غزال الرومي
كما وجدت الرغبات الفردية والمشاعر الحميمية في الحداء وسيطًا مناسبًا للتعبير والتداول، حيث يتحدث الحادي أبو الوفا محمد على لسان محبوبته وهي تصرح برغبتها فيه وتدعوه لطلب يدها:
إن كنت عاوزني تعالالي / يبان بياضي ع السرير يلالي
في هذا السياق ظهر حداء الزفة كتاب أفراح الصعيد الشعبية لدرويش الأسيوطي من ص ٩٦. وهو لون غنائي ارتبط بمواكب الأفراح، واستفاد من تقاليد النميم والكف المنتشرة في قرى الصعيد. يقوم حداء الزفة على بنية حوارية واضحة، إذ يتولى الحادي اختيار الأحديات وترتيبها وقيادة الغناء، بينما تشارك الجماعة بالترديد أو بالرد على ما يقوله في صيغة غنائية متبادلة.
يقول الحادي: خلخال حبيبي خطر / ع البيري له رنة
فترد الجماعة: واللي سمع رنته / رضوان في الجنة
تعيد تلك الأحدية للأذهان الموال الشامي خاتم حبيبي وقع بالبير، الذي اشتهر بأداء جورج وسوف، في أثر يكشف امتداد تقاليد غنائية مشتركة عبر الدول العربية، احتفظت ببنيتها الأساسية وأعادت صياغة مفرداتها وفق خصوصية كل بيئة.
اتسعت موضوعات هذا اللون لتشمل الطرفة والحكايات اليومية والغزل الحديث عن الزواج والعلاقات الاجتماعية. جمع عدد منها درويش الأسيوطي في كتابه أفراح الصعيد الشعبية.
في نماذج أخرى اتجه حداء الزفة إلى موضوعات اجتماعية أكثر جرأة، تتناول التحولات المرتبطة بالبلوغ والزواج ونظرة المجتمع إلى الفتاة ومكانتها داخل الأسرة، كما في تلك الأحدية:
البت قالت لأبوها ولا اختشت منه توب الحيا داب يا بوي والنهد بان منه الزرع طاب واستوى اجري عليه لمه خوفي عليه من الرجال لا يخطفوا منه وإن خطفوه الرجال هيشيّلوك همه
كما حمل الحداء تصورات جديدة للعلاقة العاطفية، فبرزت فيه الإشادة بالزواج القائم على القبول المتبادل؛ وامتد هذا الحضور العاطفي إلى ما بعد الزواج، حيث تناول الحداة مشاعر الانتظار والاشتياق داخل الحياة الزوجية نفسها.
اقترب الحداء من رثاء النساء في مآتم صعيد مصر، فخرجت أحديات حملت مشاعر الفقد والحزن على الراحلين، حتى وصفها الباحث خالد العجيري بـ عدودة الراجل. يقول أحد الحداة:
يا عم يا شايب وصايتك ولديني / صغيرين ع القسا وسيل الديني
بلغ الحداء في رحلات الحج بعدًا روحانيًا خاصًا، حيث امتزجت الأحديات بالتلبية والدعاء والإنشاد، ما ساهم في تخفيف وطأة السفر الطويل، وتحويل الغناء إلى تجربة تعبدية متكاملة؛ فهيمنت مفردات الشوق والتوبة والرجاء:
يا ناقة الحاج هوني / ترى المقام عظيم هذا طريق المصطفى / وهذا السفر تسليم
كيف أعيد اكتشاف الحداء؟
سعى باحثون مصريون خلال القرن العشرين إلى جمع نصوص الحداء وتوثيقها ضمن دراسات الأدب الشعبي وأغاني العمل، فحُفظت عشرات الأحديات التي كان يمكن أن تضيع مع رحيل أصحابها. غير أن عملية انتقال الحداء من الميدان إلى المكتبة فتح بابًا لأسئلة حول طبيعة هذا الفن وطرق قراءته.
وردت الأحديات ضمن أبواب الساقية والحرث والعمل الزراعي، واختلطت بألوان غنائية أخرى تؤدى في السياق نفسه. كما جُمعت مقاطع متفرقة في نصوص متصلة، رغم أن كل أحدوة تمتلك بناءها المستقل وأسلوب أدائها الخاص.
ارتبط جزء من هذه الإشكالات بطبيعة الحداء نفسه؛ فهو فن شفاهي يقوم على الأداء والصوت والإيقاع والحركة، بينما تعاملت التدوينات المبكرة مع النصوص باعتبارها مادة مكتوبة قابلة للجمع والتصنيف. مع انتقال الأحديات إلى الورق، غابت تفاصيل الأداء، واختفت الوقفات الفاصلة بين الأحديات، وتراجعت الإشارات المرتبطة بظروف العمل والحياة اليومية التي أنتجت هذه النصوص.
في هذا السياق، جاء الباحث خالد العجيري وكتابه الحداء، ليعيد النظر في عدد من المسلمات التي استقرت في الدراسات السابقة؛ ومن خلال عمل ميداني في قرى مركز قوص بمحافظة قنا جنوبي مصر، انطلق العجيري من فكرة أن فهم الحداء يقتضي العودة إلى بيئته العملية والاجتماعية، والاستماع إلى الحداة أنفسهم، ومراقبة العلاقة بين النص والحركة والصوت.
أعاد العجيري قراءة أغاني الساقية والمحراث كامتدادٍ لتقاليد الحداء، ورأى أن انتقال الجمل إلى أعمال الزراعة حمل معه الفن إلى الحقل؛ ولفت الانتباه إلى البنية الأدائية للحداء، حيث تفصل بين الأحديات وقفات قصيرة ومدود صوتية تمنح كل مقطع استقلاله وتحدد إيقاع الانتقال إلى المقطع التالي.
تجاوزت مراجعاته الجانب الشكلي إلى محاولة فهم العالم الاجتماعي الذي خرجت منه النصوص؛ فبدل قراءة الأحديات تعبيرات عامة عن الشوق أو الحنين، ربطها بظروف العمال الزراعيين الذين قضوا مواسم طويلة بعيدًا عن قراهم وأسرهم. كما تتبع المفردات المحلية وسياقات استخدامها، مستعيدًا طبقات من المعنى غابت عن كثير من الشروح السابقة.
الحداء اليوم
انتقل الحداء من فكرة الجمال والسفر إلى الحضرات والذكر حسب ما يقول الحادي جابر الطيطمي. تختصر هذه العبارة مسارًا طويلًا انتقلت خلاله نصوص الحداء وأساليب أدائه إلى مجالات جديد داخل المجتمع. ما كان يُؤدى في الرحلات ومواسم العمل يُسمع اليوم في الجلسات الشعبية، مع استمرار عدد من خصائصه الأدائية والصوتية.
في مجالس الذكر الصعيدية، قواعد الحداء حاضرة في ترتيب الأداء. يبدأ المنشد بنبرة هادئة، ثم يتدرج فيرفع الإيقاع واستثارة تفاعل الجمهور. تنتقل تلك الخبرة شفهيًا بين الأجيال، يتعلمها “المحب أو الغاوي اللي عاوز ومستعد يتعلم” بحسب جابر الطيطمي. وجدت مفردات الحداء طريقها إلى المدائح الشعبية والإنشاد الديني.
رغم تراجع الدور التقليدي للقوافل في الحياة اليومية، ما تزال بعض البيئات تحتفظ بسياقات قريبة من المجال الأصلي للحداء. في مناطق الرعي والسفاري الجبلية في أسوان، كما أن جامعي المسك يحدون وهم على الجمال، وعلى طرق تجارة الجمال بين مصر والسودان، تستمر الحاجة إلى الغناء المصاحب للرحلة. يشير الباحث رمضان سليمان إلى كون تلك الممارسة حاضرة خاصة عبر أسواق تاريخية للجمال مثل سوق دراو في أسوان وسوق برقاش في الجيزة، حيث تتناقل الأجيال كثيرًا من نصوص الحداء وأساليب أدائه.
أيضًا، مع اتساع وسائل التسجيل والبث خلال القرن العشرين، انتقل الحداء إلى الاستوديو وشاشات السينما، ليؤدي أدوارًا جديدة مرتبطة بالذاكرة والهوية واستحضار المكان. في السينما المصرية كان المثال الأبرز هو ما ذكرناه في البداية عن توظيف عاطف الطيب تسجيلًا ميدانيًا لحداء من صعيد مصر في فيلم الهروب.
في ٢٠٢٤ حمل الفيلم السعودي هوبال اسم أحد أشهر فنون الحداء في البادية، وقدم تفاصيل الحياة البدوية بلهجتها المحلية وأمثالها وأساليب عيشها وعلاقتها بالصحراء ومواردها.
في الغناء الحديث، وجد الحداء طريقه إلى القالب الطربي، فاستلهم فنانون مثل ناظم الغزاليوصباح فخري هذا الإرث في أعمال أعادت تقديم صورة الحادي داخل الأغنية العربية الحديثة. أيضًا، في تسعينات القرن الماضي تعاونت الفنانة الراحلة ذكرى مع الفنان الليبي محمد حسن في مشاريع هدفت تسجيل بعض ألوان الغناء الصحراوي وتقديمها في صيغ قريبة للأغنية المعاصرة.
في الخليج العربي، ارتبط إحياء الحداء بمشروعات أوسع لإعادة تقديم الفنون البدوية داخل الأغنية المعاصرة. برز هذا التوجه في أوبريتات فارس التوحيد ومولد أمة، وأعمال الفنان محمد عبده التي استحضرت ألوان الغناء النجدي والحجازي والهجيني.
خلال السنوات الأخيرة، اتجه بعض الموسيقيين الشباب إلى مزج التسجيلات الميدانية للأصوات البدوية بالموسيقى الإلكترونية والراب.
بالإضافة إلى ذلك، ومع تبدل أنماط الحياة في شبه الجزيرة العربية وتراجع الاعتماد اليومي على الإبل، اتجهت دول الخليج إلى بناء مسارات مختلفة تشارك فيها المؤسسات الثقافية والمهرجانات ومنصات الأرشفة الرقمية لحفظه وتوثيقه وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.
شكل إدراج الحداء عام ٢٠٢٢ في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو، عبر ملف مشترك بين السعودية والإمارات وسلطنة عمان، محطة مفصلية في هذا المسار. جاء التسجيل تتويجًا لسنوات من جمع الروايات الشفاهية وتوثيق أنماط الأداء والمناسبات المرتبطة بالحداء، كما منح الحداء حضورًا يتجاوز نطاقه المحلي إلى فضاء التراث الإنساني المشترك.
في السعودية، أصبحت عروض الحداء جزءًا من الفعاليات التراثية المرتبطة بالإبل، وفي مقدمتهامهرجان الملك عبد العزيز للإبل، كما شهدت مدن عدة فعاليات مخصصة لهذا الفن، من بينها فعالية هوبال في مدينة عنيزة، التي أقيمت تزامنًا مع تسجيل الحداء في اليونسكو.
في الإمارات، حيث بُطلق عليه فن التغرودة، اتجهت جهود الحفظ نحو التوثيق المؤسسي والأرشفة الرقمية؛ ففي عام ٢٠٢٤ أطلق معهد الشارقة للتراث بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية بوابة مكنز التراث الثقافي غير المادي، التي تجمع عناصر التراث العربي وتوثّقها ضمن قاعدة بيانات مفتوحة للباحثين والجمهور.
بين الحفظ وإعادة الصياغة
أعاد انتقال الحداء إلى السينما والموسيقى الحديثة طرح سؤال يتعلق بمصير الفنون الشفاهية حين تغادر بيئتها الأصلية.
أسهمت التسجيلات الميدانية والمشروعات التوثيقية والأعمال الفنية المعاصرة في حفظ جانب واسع من هذا التراث، وأتاحت وصوله إلى جمهور أوسع. كما حافظت على نصوص وألحان وأساليب أداء ارتبطت بمهن وأنماط عيش آخذة في التراجع.
في المقابل، أعادت الوسائط الحديثة تقديم الحداء مادة فنية قابلة للاقتباس والتطوير وإعادة التوزيع. الصوت الذي ارتبط بحركة القوافل، أو دوران السواقي، أو سحب الدلو من الآبار، دخل سياقات جديدة تعاملت معه عنصرًا موسيقيًا قابلًا للتوظيف داخل الأغنية أو الموسيقى التصويرية أو العروض السينمائية.
تختلف نتائج هذا الانتقال باختلاف طبيعة التعامل مع المادة التراثية نفسها. انطلقت بعض التجارب من معرفة بالسياق الاجتماعي والتاريخي للحداء، وبقيت صلتها بحامليه ورواة نصوصه وأساليب أدائه، ففتحت مساحة جديدة لاستمرار الفن وتجديده. بينما اكتفت تجارب أخرى باستعارة الأثر الصوتي، فتغيبّت شبكة المعاني المرتبطة بالحداء، فحدث الالتباس الذي خلقه فيلم الهروب.
يا أهل الرمك كل يجيب حداه انتم وراكم ما تحدون ترى الحدا لاهل الرمك مشهاه فكاكة التالي نهار الكون
تبدو دراسة الحداء أقرب إلى تتبع تاريخ عدة مجتمعات عبر الصوت؛ تاريخ يكشف كيف انتقلت الكلمات والألحان بين البيئات والأزمنة، وكيف واصل الناس إعادة صياغة تراثهم بما يلائم حياتهم المتغيّرة، مع احتفاظِهم بخيط ممتد يصل الحاضر بماضٍ طويل من العمل والسفر والإنشاد.