عاش من شافك | أسرار صعود وانحسار البوب اللبناني

الملفات - كتابة: أحمد نظيف - ٢٠٢٦/٠١/١٥
عاش من شافك | أسرار صعود وانحسار البوب اللبناني
تحميل...

كنا، أصحابي وأنا، في تلك القرية البعيدة الواقعة على آخر نقطة من الخارطة التونسية، نلاحق ما يصدر حديثًا من الأغاني المصرية، وقد وفرت لنا الإذاعة المدرسية متسعًا للسماع في فترات الاستراحة القليلة بين الدروس. لكن عندما شرعت موجة الأغاني اللبنانية في اكتساح الساحة، شعرنا بطراوة كلماتها ورقة معانيها، وزادت بوسترات الفنانات اللبنانيات التي كانت الصحف تهديها كل أسبوعٍ من لهيب ذلك الشعور، الذي صار ممزوجًا بالشبقّ والإغواء؛ وكان أكثر ما وقر في القلب من تلك الحقبة هو فيديو كليب أغنية راغب علامة أنا كل ما اشتاق إليها، مع تلك الفتاة الشقراء المبهجة ووالدها المتجهّم.

لا تشكل قصتنا في ذلك البرّ البعيد بدعةً، إذ صعد الهوس بالبوب اللبناني في تسعينات القرن الماضي، ثم جاء انفجاره الباهر مفتتح القرن كظاهرةً عربيةً هزت أرجاء الوطن العربي من شرقه إلى غربه. كان هذا الصعود في الوقت نفسه تجليًا للبنان الذي خرج من نفق الحرب نحو تحولاتٍ سياسية واقتصادية لم تمهله الكثير ليستوعب صدمة ما بعد الكارثة.

لم تطل هذه التحولات لبنان وحده، ولا البوب اللبناني، بل الجمهور الواسع والبنى الاجتماعية العربية، التي عبرت من حرب الخليج إلى السابع من أكتوبر ثلاثة عقودٍ من الأزمات والثورات والهياج والركود، أعادت جميعها متسقة ومنفصلة تشكل وعي مكوناتها وذوائقهم الغنائية.

أحيانًا يبدو أن هذا البوب ولد مطلع التسعينات من العدم، وكأنه معلق في السماء، لغموض سياقات إنتاجه وإعادة إنتاجه وسط ما عاشه ويعيشه لبنان منذ ثلاثين عامًا، بين اتفاق الطائف وثورة ١٧ تشرين الأول. في حين لا يكمن الكثير من الغموض في أسباب حب جيلنا له، وتحولات هذا الحبّ إلى السخرية أو التعالي مع مرور الزمن والنضج وتراكم الخيبات، وليلنا الذي أقمر شيبًا ونحن نزحف بلا هُدى نحو منتصف العمر.

ما قبل الحريرية وما بعدها

من روافد كثيرةٍ تشكل البوب اللبناني كما نعرفه اليوم. شأنه شأن لبنان، ساهمت التكوينات الاجتماعية المتنوعة في تغذيته بالكلام والنغمّ؛ وأساسًا العصر الذهبي للأغنية اللبنانية والمسرح الغنائي في ستينات القرن الماضي، من خلال وديع الصافي وفيروز وصباح ونصري شمس الدين، ثم الجيل الذي تلاهم مثل ملحم بركات وجورجيت صايغ؛ الموجة التي نقلت الغناء اللبناني من ضيق المحلية إلى آفاق عربية أوسع.

ترافق ذلك مع بروز لبنان كمركزٍ  ترفيهي في المنطقة، وبداية دخول اللمسة الموسيقية الغربية، ولعل أبرز نموذجٍ لهذا المزجّ هو فرقة عائلة بندلي، التي ذاع صيتها في السبعينات. لم تمنع الحرب مسعى التطور  هذا، والذي أخذ منعرجًا أكبر مع حلول الثمانينات،من خلال موجة موسيقى الديسكو. وصلت هذه النقلة الأغنية اللبنانية الكلاسيكية بالأغاني التي عرفناها لاحقًا بداية من التسعينات. فضلًا عن الدور الذي شكله سيمون أسمر في ستديو الفنّ من محضن أساسي لإنتاج الفاعلين البارزين في البوب اللبناني لاحقًا؛ وكذلك الحياة الليلية البيروتية زمن الحرب، وما لعبته الكازينوهات كفضاءاتٍ لبدايات الكثير من الأصوات التي سيصبح لها شأن.

طوى اتفاق الطائف، خريف عام ١٩٨٩، حرب لبنان الطويلة. طارت السكرة وجاءت الفكرة، وضمن ترتيب عربي ودولي تقاسمت الميليشيات المتناحرة السلطة مع دخول فاعلين جُدد إلى غابة الأحزاب والتنظيمات، في ظل الوصاية الفعلية لسوريا على البلد. من بعيد جاء رجال الأعمال اللبناني السعودي رفيق الحريري  كفاعلٍ من خارج القيادات التقليدية بوصفه المنقذ من ركام الحرب.

بين باريس والرياض راكم الحريري ثروة كبيرةً، أهّلته ليفتك موقعًا سياسيًا واقتصاديًا في لبنان ما بعد الحرب، بدفعٍ واضحٍ من السعودية وفرنسا. جعل هذا منه الشخصية المحورية لموجة إعادة الإعمار، التي صممها وأدارها ونفذها وفقًا لمنطق نيوليبرالي. كانت نيوليبرالية إعادة البناء وريثة لعملية مبكرة من أمْوَلة الاقتصاد اللبناني، والتي تسارعت بسبب أزمة النفط عام ١٩٧٣، ولم تتوقف شبكات الميليشيات عن تسريعها أثناء الحرب، إما من أجل استنزاف الأموال من عشرات الآلاف من المهاجرين الذين كانوا يستفيدون من الطفرة الاقتصادية في دول الخليج، أو من أجل تنظيم تمويل الاتجار غير المشروع، لتمهد لسيطرة السلطة السياسية على المصارف، بقيادة البنك المركزي الذي تعززت سلطاته في أعقاب الحرب .

ضمن هذا المنطق أعيد بناء البلد، وأعيد بناء غنائه وموسيقاه. في الخلفية كان هناك دائمًا ولع بالعصر الذهبي للبنان ما قبل الحرب بوصفه مساحةً هائلةً للترفيه والرفاه والمال، أو سويسرا الشرق كما تقول الأسطورة؛ ولأنه بلدٌ تمرّس باللذات، لم يغادر لبنان مربع الترفيه حتى في عز الحرب، حيث خلق مساحاتٍ وهوامش على جبهتي النزاع يجد فيها الناس أنفسهم بعيدًا عن الرصاص.

ضمن طموحات إعادة تشغيل البلد، أو بعث أسطورته من الرماد، شملت إعادة الإعمار الغناء؛ بوصفه قائماً على وظيفتين أساسيتين: الأولى دوره في بناء فكرة الثقافة الوطنية الموحدة لرعاية السلام الهشّ، ولتجاوز الإفلات من العقاب الذي أعقب الحرب، والثانية بوصفه تجليًا لثقافة جديدة تريد النخبة الحاكمة الجديدة ترسيخها، ثقافة استهلاكية معولمة سائلة الأفكار أساسها الخفة والترفيه والربحّ، رسخها الحريري في خطته الاقتصادية أفق ٢٠٠٠، التي تريد تحويل لبنان إلى مركز مالي وسياحي إقليمي .

كان من آثار هذه السياسة النيولبيرالية بروز عدد من شركات القطاع الخاص للإنتاج الموسيقي، وخاصة بفضل دخول الرأسمال الخليجي بقوة، مثل شركة ميوزيك بوكس إنترناشونال الكويتية وشركة ريلاكس إن اللبنانية، وشركات سعودية مثل الخيول وميوزيك ماستر وروتانا. كما ظهرت على الساحات قنوات تلفزيونية خاصة دفعت بالبوب إلى مستويات رواجٍ غير مسبوقة مثل إل بي سي وقناة المستقبل التي كان مالكها الحريري نفسه، وإم تي في في مرحلتها الأولى بين ١٩٩١ و٢٠٠٢. تزامن ذلك مع بداية ظاهرة الفضائيات العربية، التي كان وراءها الرأسمال السعودي، مثل راديو وتلفزيون العرب إيه آر تي، التي كانت تبث من روما، وكذلك قناة إم بي سي من لندن وشبكة أوربت.

هكذا انفجرت قنبلة البوب اللبناني. خلال النصف الأول من التسعينات ظهر الجيل الأول من البوب اللبناني على استحياء؛ وحتى ذلك الوقت كان المصريون يسيطرون على الساحة بدفعٍ من عبقرية حميد الشاعري الموسيقية. كان أغلبهم خريجو مدرسة ستديو الفن، المسابقة الفنية الأكثر شهرةً، والتي كانت تعرض على قناة إل بي سي تحت إشراف المخرج والمنتج سيمون أسمر. من خلاله عرف الناس وليد توفيق وربيع الخولي وراغب علامة وعاصي الحلاني ونوال الزغبي ووائل كفوري. فضلًا عن شيوع أغاني عيسى غندور، لا سيما العيون السود، وكذلك طوني كيوان وخاصة أغنية بدك بدك ما بدك.

مع منتصف التسعينات بدأت تظهر أسماء أخرى مثل ألين خلف، خاصة بعد إعادة إنتاجها لأغنية الفنانة طروب يا صبابين الشاي، وسوزان تميم التي فازت بالمركز الأول في برنامج ستديو الفن عام ١٩٩٦.

ساهمت الفيديو كليبات، التي كان روادها طوني أبو إلياس وسيمون أسمر وطوني قهوجي، وفي زمن لاحقٍ ليلى كنعان، في نشر هذه الأغاني وهؤلاء الفنانين على نطاق عربي واسعٍ. ركزت هذه الكليبات، التي جرى تصويرها بتقنية عالية الدقة قياسًا بذلك الوقت، وفي كثير من الأحيان في مواقع لبنانية أو متوسطية ساحرة، على الجمال والموضة وأسلوب الحياة. تماشى هذا التحول البصري مع التحول الإقليمي الأوسع نحو ثقافة المشاهير، حيث أصبح الفنانون مؤثرين ورموزًا لأسلوب الحياة؛ فضلًا عن إغراقها بالحضور الأنثوي، الذي كان في ذلك الزمن يتحدى المعايير السائدة في أغلب الدول العربية، بجاذبيته المثيرة وأدائه الحسي.

روّجت هذه الكليبات من خلال تزايد عدد الفضائيات العربية وتمدد شبكة البث الفضائي عبر الصحون اللاقطة، التي كانت عند النصف الثاني من التسعينات تكاد تغطي سطوح المنازل، ويسيطر عليها الدعاة والمغنون. حيث كان ذلك العقد راكدًا على المستوى السياسي ولم يشهد أحداثًا فارقةً، لا سيما بعد دخول القضية الفلسطينية دهاليز السلام.

أصبح البوب اللبناني في ذلك الوقت متقدمًا على نظيره المصري، لجهة مستويات الحرية الاقتصادية التي يعيشها لبنان والتي ساهمت في تدفق الرأسمال الخليجي بقوة، ومساهمته في الإنتاج الموسيقي والإعلامي، وكذلك توسع شبكة القنوات وتحول محتواها من حيث الشكل والمضمون. ربما يشكل برنامج الليل المفتوح الذي صنعه طلال شتوي في تلفزيون المستقبل نموذجًا لهذا التحول، فقد ساهم بقوة في دفع شهرة فناني البوب اللبناني إلى القمة في تلك الفترة، والذي استبق شهرة نانسي عجرم بسنواتٍ وقدمها طفلةً تغني للجمهور.

ربما ضاعفت ظاهرة الغناء الثنائي بين الفنانين والفنانات من هذه الشهرة، فلا أنسى أبدًا أن ديو مين حبيبي أنا بين نوال الزغبي ووائل الكفوري عام ١٩٩٦ قد شكل تحولًا عاطفيًا رهيبًا في صفوف أبناء جيلي.

رغم خروج الحريري من السلطة عام ١٩٩٨، إلا أن الماكينة النيولبيرالية لم تتوقف عن العمل في البلد الذي استعاد جزءًا من سمعته القديمة كمركزٍ ترفيهي ومالي في الشرق الأوسط، ومستقر لجزء مهم من الرأسمال الخليجي. كما دفع الانسحاب الإسرائيلي من الشريط المحتل جنوب لبنان وتحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية في إشاعة جو من الشعور بالاستقرار والسلامّ، الذي شجع المزيد من الاستثمار المحلي والأجنبي في صناعة الثقافة والترفيه. ثم ما لبث رفيق الحريري أن عاد للسلطة في عام ٢٠٠٠ معززاً ذلك الاتجاه.

لم تفتّ أحداث فارقة في المنطقة، مثل الانتفاضة الفلسطينية الثانية ولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من حروبٍ وصلت غزو العراق عام ٢٠٠٣، في عضد موجة البوب اللبناني الصاعدة، والتي كانت خلال العشرية الأولى من القرن تعيش ذروة مجدها مع الجيل الثاني.

سنوات المجدّ

استفاد الجيل الثاني من البوب اللبناني من البنية التحتية الإنتاجية التي تأسست في التسعينات، ومن الخبرات الموسيقية والإنتاجية والتقنية التي تراكمت. كما نجحت أسماء كثيرة من الجيل الأول في ترسيخ حضورها. لكن هذه المرحلة الأكثر انتشارًا ومجدًا في تاريخ البوب اللبناني يمكن اختصارها في خمس ظواهر تشكل علامةٍ أساسية لاستعادتها. أولها صعود هيفاء وهبي، التي جعلت من الصورة والشكل أكثر أهمية من الكلمات والألحان، وتابع طريقها جيل كامل من المغنيات في لبنان وخارجه،  وأعطت لــ الواوا معانٍ أكثر تعقيدًا من الناحية الصوتية والإغوائية. ثانيها، نانسي عجرم، التي مثلت صورةً مختلفةً عن هيفاء وهبي في الغواية، وهي غواية البراءة؛ وربما أفضل من أجاد تحليل هذا المنحى هو حازم صاغية في مقالته الشهيرة عن نانسي عجرم، وهمبرت همبرت ونحن الواقفين بينهما (٢٠٠٥) ، والتي ضمها إلى كتابه نانسي ليست كارل ماركس (الساقي، ٢٠١٠).

أما العلامة الثالثة، وإحدى أبرز العوامل التي أنقذت البوب اللبناني من أن يتحول إلى عرضٍ راقصٍ، هي فضل شاكر. لم يبدأ شاكر الغناء في مفتتح القرن، لكنه صعد بقوة في ذلك الوقتّ. لعل المصير، الذي لقيه لاحقًا، جعل جيل اليوم غير واعٍ كفايةً بمركزية فضل شاكر، وخاصة اللحظة التاريخية التي صعد فيها. إذ جاء في لحظة انكسارٍ أعقبت سقوط بغداد. كان موجودًا قبلها، لكنه كُرسَ ملكًا للحزن والرومانسية الفاقدة الأمل في ألبوم سهرني الشوق الصادر في ٢٠٠٦. ثم جاءت الضربة التي دوختّ جيلًا وهي خدني معك مع يارا. كانا يذرعان الحقل، ومعهما ذرعنا جيلي وأنا الحقل مراتٍ ومراتٍ بأعيننا.

رابعة العلامات لهذه المرحلة هي الطبيعة الاحتكارية التي كرست شركة روتانا سيدًا على عشر الإنتاج والتوزيع في ذلك الوقت. رغم القوة المالية التي حققت رواجًا واسعًا للبوب اللبناني، إلا أن روتانا حولته إلى نسخٍ متشابهة، بل وكادت أن تطابقه مع نظيره المصري بحكم سيطرتها على السوق المصرية أيضًا. حيث كانت روتانا تدير ست قنوات تلفزيونية، وشركة تسجيلات، وتحتكر إنتاج وتوزيع أغاني أكثر من ١٠٠ من نجوم الغناء العرب في ذلك الوقت، نصفهم لبنانيون. 

كانت العلامة الخامسة هي التطور المذهل في البصريات، حيث ظهرت الأغاني اللبنانية في شكل فيديو كليبات ساحرة من حيث المعالجة والشكل؛ وقد لعبت أسماء مثل ميرنا خياط ونادين لبكي وفادي حداد دورًا في تحويل عملية إخراج الكليبات من مجرد استعراض إلى سرد بصري.

خلال هذه الفترة ظهرت إلى جانب نجوم التسعينات أسماء جديدة مثل مايا نصري التي ظهرت لأول مرةٍ في البرنامج الغنائي كأس النجوم عام ١٩٩٩، ثم تكرست في المشهد بفضل ألبوم أخبارك إيه عام ٢٠٠١. كارول سماحة أيضًا من خلال أغنية بصباح الألف التالت عام ٢٠٠٠، وإيوان بأغنية قول انشالله، فضلًا عن الفنان غريب الأطوار يوري مرقدي، الذي عرف بأغنيته الغربية عربيٌ أنا، التي ظهرت عام ٢٠٠١ في سياقات سياسية وجيوسياسية حادة عالميًا وعربيًا وشاعت على الألسن. 

رغم التطور الذي شهده البوب اللبناني من حيث الشكل والمضمون بعيدًا عن الأغنية اللبنانية الكلاسيكية، ظلّ جناح منه دائمًا على خطوط تماسٍ مع الجوانب الطربية في الغناء اللبناني. إذ لعبت أصوات مثل نجوى كرم ووائل كفوري، وأساسًا مروان خوري، دورًا في بقاء صلات الوصل مع الطرب، ودورًا في تجويد الأغنية اللبنانية كلامًا ولحنًا، بالضدّ من التيار السائد، وقد ربح هذا الرهان دائمًا. شكّل شيوع البوب اللبناني عربيًا، شعبيًا ومؤسسيًا من خلال المهرجات العربية والمحلية، رافدًا للمحافظة على هذا الجانب الطربي وحدًّا معقولًا من جودة السماع.

تواصل هذا الصعود القوي من حيث الإنتاج والرواج حتى دخول البلد في أزمة سياسية باغتيال الحريري ثم حرب تموز ٢٠٠٦، وما أعقبها من تصاعد الأزمات وخفوتها، فضلًا عن العامل الأساسي وهو تدهور الأوضاع الاقتصادية تدريجيًا، من حيث أن البلد لم يعد بيئةً مناسبة لتدفق الاستثمارات الخارجية، إلى جانب التحولات التقنية التي لم يعد بفضلها توطين الإنتاج الموسيقي ضرورةً لإنتاج بوب لبناني.

بسبب محدودية الفرص محليًا، أصبح هناك اعتماد لبناني على الحفلات في الدول الخليجية، ودفع هذا الاعتماد المفرط على الخليج البعض للغناء باللهجات الخليجية، أو بالهجرة للخليج. إلى جانب تحول مركز الثقل الثقافي العربي من الحواضر التقليدية مثل القاهرة وبيروت إلى مدن خليجية صاعدة على رأسها دبي، التي أصبحت مركز إنتاج وتوزيع أساسي، وأيضًا مركز إقامة قطاع واسع من الفنانين. فيما فرضت الشروط السياسية والاقتصادية والأمنية على قطاع آخر من المغنين والمخرجين وصناع الموسيقى خيار الهجرة، شأنهم في ذلك شأن الآلاف من اللبنانيين. لم يمنع ذلك البوب اللبناني من المحافظة على حضوره خارج المكان، وذلك بفضل لا مركزية الإنتاج والتوزيع والاستهلاك المعزّز بالتطور التقني والاستهلاكي للمنصات. ربما تكون هذه النقلة المكانية سبيلًا لانبعاث جديد.

لكن ما بقي دائمًا من إرث البوب اللبناني هو النظرة المتعالية التي نظرت له بها النخب الثقافية من كونه “فنًا هابطًا” من خلال وضعه في مقارناتٍ ظالمة مع تراث فيروز أو موجة أغاني المقاومة مع مارسيل خليفة وجوليا بطرس، دون الوعي أحيانًا بأن هذه المقارنات تتجاهل الوظائف الاجتماعية والثقافية للموسيقى الشعبية بوصفها أداةً للمتعة في شرطٍ اجتماعي ضاغط وشروط سياسية هشة. كما أن النظر له بوصفه تسليعًا للفنّ أو الجسدّ، يتجاهل تمامًا أن كل بنية اجتماعية واقتصادية في الواقع تنتج فنها الخاص، وأن الشروط التي وضع فيها لبنان بعد الحرب لم تكن لتنتج أفضل من ذلك، لا سيما وأن الموجة لم تكن لبنانيةً فحسب، بل على نطاق عربيٍّ واسع.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف