يرتبط صوت آلة القانون في ذهني بشبكة معقدة من المثيرات الحسية، رائحة البخور العتيق، القهوة الممزوجة بالهيل، زينة الشوارع في شهر رمضان، وصولًا إلى تغييرها في المزاج السمعي للموسيقى بشكل عام، إذ ينسحب أمامها الصخب الغنائي المعتاد وتتوارى الإيقاعات الراقصة، لإفساح المجال للارتباط بالأجواء الوجدانية ارتباطًا ينقلنا بين الطرب والتجلّي.
أصول آلة القانون
قبل أن تتواجد الآلة في حلقات الذكر كان لها تاريخ محفور على العاج؛ ففي العاصمة الآشورية نمرود، التي تبعد نحو خمسة وثلاثين كيلومترًا عن الموصل، عثر المنقبون على علبة عاجية منقوش عليها آلة وترية مستطيلة الشكل، شُدت أوتارها أفقيًا على وجه صندوق صوتي وتشبه في شكلها الزايثر الحديث. بحسب الباحث العراقي الموسوعي صبحي أنور رشيد، في كتابه الآلات الموسيقية في العصور الإسلامية، تعتبر هذه القطعة الأثرية التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد الجد المنسي للقانون، والتي تفرعت عنها لاحقًا آلة النزهة العباسية، ومنها القانون بشكله الحالي.
الاسم مشتق من الكلمة اليونانية كانون التي تعني قانون أو قاعدة، وهو يعكس الدقة الرياضية في ترتيب أوتاره، ويعود تاريخه إلى أكثر من أربعة آلاف عام. مع مرور الزمن، انتقلت هذه الآلة وتطورت في مختلف الثقافات، لتجد مكانها البارز في الحضارة الإسلامية التي احتضنتها وطورتها بشكل كبير، كما أصبحت ركيزة أساسية في التخت العربي بجانب العود والكمان والناي.
ينسب إلى الفيلسوف والعالم الموسيقي الكبير أبو نصر الفارابي دور محوري في تطوير آلة القانون بشكلها الذي نعرفه اليوم، بل ويُعتقد أنه أول من ركبها بهذا التركيب الفريد، وكان بارعًا في العزف عليها. بصفته فيلسوفًا وعالِمًا متعدد التخصصات وليس مجرد موسيقي، فقد أضاف أبعادًا فلسفية عميقة للموسيقى، وربطها بالحالات النفسية والروحية، معتبرًا إياها وسيلة لتهذيب النفس والارتقاء بالروح. تجلى هذا الفهم العميق في كتابه الشهير الموسيقى الكبير، الذي يعد مرجعًا أساسيًا في نظريات الموسيقى العربية.
البنية الهندسية
ينتمي القانون حسب النظام العالمي لتصنيف الآلات الموسيقية (هورنبوستل-ساكس) إلى قيثارة صندوق ذات أوتار منقورة بالإصبع، وهو تصنيف يضعه في عائلة واحدة مع السنطور الفارسي والسيتار الهندي والزايثر الأوروبي. يتميز بتركيب هندسي دقيق، فهو يتكون من صندوق خشبي مسطح على شكل شبه منحرف قائم الزاوية، بمعنى أن له أربعة أضلاع، ضلعان متوازيان (طويل وقصير)، وضلع يصنع زاوية قائمة معهما، وضلع رابع مائل يحمل المنادل. يُصنع الصندوق عادة من أخشاب ذات جودة عالية مثل الجوز أو الساج أو القيقب، لما تتميز به هذه الأخشاب من خصائص صوتية ممتازة وقدرة على إنتاج رنين غني ودافئ. تتوسطه بعض الفتحات الدائرية المزخرفة التي تسمى الشمسيات، وهي بمثابة رئتي الآلة، فهي تسمح للهواء بالخروج ببعض الضغط والاهتزاز، وتقوي الرنين، وتُسهم في تشكيل الطابع الصوتي المميز للآلة.
فوق هذا الصندوق، تمتد مجموعة من الأوتار عددها ٧٨ وترًا في القانون العربي المعياري، وقد تبلغ ٨١ في القانون المصري الحديث، أو ٧٢ في القانون التركي القديم من القرن التاسع عشر. تُصنع عادة من النايلون وتُجمع في مجموعات ثلاثية، حيث تُعزف كل ثلاثة أوتار معًا لإنتاج نغمة واحدة. تمنح هذه الكثافة في الأوتار للقانون مساحته الصوتية الواسعة التي تصل إلى ثلاث أوكتافات ونصف، وقدرته على إنتاج هارمونيات غنية وتلوينات صوتية متنوعة.
تتبع هذه الأوتار نفس القانون الفيزيائي لكل الآلات الوترية، كلما طال الوتر انخفض تردده، وكلما قصر ارتفع. فالجانب المائل يجعل الأوتار تتقلص طولًا كلما اتجهنا نحو الجانب القصير (الجواب / الأصوات الحادة)، وتستطيل كلما اتجهنا نحو الجانب الطويل (القرار / الأصوات الغليظة). هكذا يصبح شبه المنحرف رسمًا بيانيًا للتردد الصوتي.
تُعزف الأوتار باستخدام الكشتبانات، وهما خاتمان معدنيان يشبهان كشتبان الخياطة يرتديهم العازف في سبابتي اليدين، ويعملان كنقطة ارتكاز ثابتة تمنع الإصبع من الاهتزاز أثناء النقر؛ مع ريشتين صغيرتين مصنوعتين من قرن البقر أو الراتنج الصناعي المقلد لصدف السلاحف تُوضعان بين الإصبع والكشتبان، وتكونان بمثابة رافعة تنقل قوة الضغط التي توجد في السبابة إلى نقطة دقيقة على الوتر، ما يسمح بالتحكم الدقيق في النغمات والسرعة، ويُمكّن العازف من أداء التقنيات المعقدة.
يغطى جزء من صندوق القانون برقعة جلدية رقيقة من جلد السمك أو الماعز، ويعرف هذا الجزء بالرقمة، ويلعب دورًا حيويًا في رنين الآلة، حيث يعمل كغشاء مهتز يضيف إلى الصوت عمقًا وصدًى مميزًا.
لعل اللحظة الأبرز في تاريخ القانون الحديث هي التي حدثت في إسطنبول عام ١٨٧٦، حيث قام صانع القانون التركي محمود أوسطه بإضافة نظام العُرب أو المنادل النحاسية؛ وهي عبارة عن مفاتيح نحاسية صغيرة تثبت أسفل الأوتار، ويمكن للعازف تحريكها لتغيير حدة الصوت بدقة متناهية، والتنقل بسلاسة بين المقامات المختلفة والتعبير عن أدق الفروق الشعورية في الأداء الموسيقي. قبل هذا الابتكار، كان القانون آلة دياتونية نسبيًا، أي محدودة النغمات الأساسية، وكان الانتقال بين المقامات يتطلب إعادة دوزنة متعبة للأوتار.
فيزياء الصوت
بينما يعتقد الناس أن القانون يحوي ٧٨ نغمة، فإن الحقيقة أنه يحوي ٢٦ نغمة أساسية فقط. إذ تنتظم الأوتار في مجموعات ثلاثية بحيث تُشد كل ثلاثة أوتار على نفس النغمة تمامًا، ما ينتج صوتًا أعلى بمقدار ٤,٧ ديسيبل مما ينتجه وتر واحد. لا تهتز الأوتار الثلاثة في تزامن تام، ما يخلق ما يسمى فيزيائيًا بضربات الاهتزاز، لأن الفرق بين ترددات الأوتار الثلاثة ينتج تذبذبًا في الشدة يجعل النغمة تتنفس. يستمر هذا التذبذب من ثانية إلى ثانيتين بعد النقر، ويطلق عليه في لغة العازفين رنة القانون. لذلك، يوصف صوت القانون بأنه بلوري، أي نقي وشفاف مثل الكريستال، مع طبيعة متقطعة وصدى طويل؛ فاهتزاز الأوتار المشدودة على الصندوق الخشبي يولد موجات صوتية عالية التردد تتراوح بين ٢٠٠ إلى ٢٠٠٠ هرتز تقريبًا.
حين يُنقر وتر القانون، ينتج ترددًا أساسيًا مع سلسلة من الهارمونيات المنتظمة، وبسبب صندوق الرنين الواسع نسبيًا، يتسم الصوت بوضوح حاد في الطبقات العليا، مع احتفاظه بعمق متوسط في الطبقات الوسطى. النتيجة هي صوت لامع دون خشونة، ويخلق هذا اللمعان الطيفي إحساسًا بالصفاء.
مدارس صناعة القانون
من المهم أن نشير إلى مدارس صناعة الآلة، إذ تحمل كل مدرسة بصمتها الصوتية والجمالية الخاصة؛ فتتميز المدرسة المصرية بصناعة متينة تعتمد على خشب الجوز، وبصوت دافئ يحاكي رنين الصوت الإنساني، ما يجعلها المفضلة لتخوت الإنشاد والابتهال. أما المدرسة السورية فتعرف بدقتها في تركيب المنادل واستخدامها خشب التوت في وجه الصندوق، ما يمنح الصوت طبقة عالية حريرية تتناسب مع الموشحات الحلبية والقدود. أما المدرسة التركية فتستخدم غالبًا خشب القيقب، وتتميز بنقاء ميكروتوني يكاد يبلغ التسعة وسبعين نغمة في الأوكتاف، وبصوت أكثر معدنية يلتقي مع طبيعة المقام التركي الكلاسيكي، والذي يستعمل بكثرة في تخوت السما المولوية.
صنعت كل مدرسة هوية سمعية للفضاء الديني الذي تنتمي إليه؛ فيختلف القانون المصري في ابتهال النقشبندي عن القانون التركي في تقسيمة حجاز كار كرد التي تسبق دوران الدراويش، كما يختلف عن القانون السوري في حضرة الشيخ حمزة شكور منشد الجامع الأموي. ثلاث جغرافيات صوتية، تتحدث ثلاث لغات ميكروتونية، تخدم ثلاث حساسيات صوفية مختلفة.
القانون في الإنشاد الصوفي والطقوس الروحانية
في مجالس الذكر والسماع الصوفي، يُعد القانون رفيقًا للمنشدين والمستمعين بجانب الناي، حيث يضفي على الأجواء هالة من الخشوع والتأمل، ويساعد على إدخال المشاركين في حالة من الوجد. ما يجعله ذا دلالة روحانية هو الميكروتون أو أرباع الأنغام، فالموسيقى الغربية الحديثة استقرت على نظام التعديل المتساوي ذي الاثنتي عشرة نغمة، بينما حفظت الموسيقى المقامية العربية والتركية والفارسية منظومتها التي تتضمن المسافات الميكروتونية؛ والقانون – عبر منظومة المنادل النحاسية – قادر على التقاط هذه المسافات الدقيقة لحظيًا وأثناء العزف، حيث يستطيع العازف بإصبعه الأيسر أن يغير النغمة بمقدار كوما واحدة، فينتقل من مقام إلى آخر دون توقف.
هذه القدرة على الانتقال السلس بين المقامات هي محاكاة بنيوية لتجربة الانتقال الصوفي بين المقامات والأحوال التي تتحدث عنها متون التصوف من رسالة القشيري إلى منازل السائرين للأنصاري؛ فكما ينتقل السالك من مقام التوبة إلى مقام الزهد إلى مقام التوكل، ينتقل عازف القانون بين مقام البيات والصبا والحجاز والنهاوند.
يجسّد القانون إذًا التجربة الصوفية معماريًا، ما يجعله وسيلة فعالة للتعبير عن العشق الإلهي، والشوق إلى الحقيقة المطلقة، كما يُنظر إلى الموسيقى في التصوف على أنها وسيلة للوصول إلى الله، ولتطهير النفس من الشوائب، وتحقيق الارتقاء الروحي.
ربما لا يوجد مكان في العالم الإسلامي أعطى الآلات الموسيقية شرعية روحانية تامة مثل ما فعلت الطريقة المولوية، التي أسسها أتباع جلال الدين الرومي في قونية في القرن الثالث عشر الميلادي. في طقس السما مثلًا، ذلك الرقص الدواري الذي أعلنته اليونسكو تراثًا إنسانيًا غير مادي، يدور الدراويش بأرديتهم البيض ككواكب في فلك متسع على أنغام الناي والدفوف، وأضيف لهم لاحقًا آلة القانون في القرن التاسع عشر، لتؤدي دورًا تكميليًا لكنه جوهري.
يقوم طقس السماع المولوي على فرقة تسمى المطرب، مركزها التقليدي الآيينخان / النغتخان (المنشد)، والناي، والكودوم، وتاريخيًا الرباب. استوعبت هذه الفرقة مع الزمن آلات إضافية كالقانون والطنبور والعود والبندير، وفي بعض العروض الحديثة الكمان والتشيلو. توصف التركيبة المعاصرة بأن نواتها الناي (قائدًا)، والكودوم، والطنبور، والقانون، والكمان، مع الرباب والعود اختياريًا. يؤدى هذا الطقس في سبعة أقسام: النعت الشريف (تحية النبي)، ثم ضربة الكودوم – وتؤول كرمز للأمر الإلهي كن في الخلق – ثم تقسيم الناي الذي يمثل النفَس، ثم دور ولد (تحية وإجلالًا للسلطان ولد الابن الأكبر لجلال الدين الرومي والمؤسس الفعلي للطريقة المولوية)، ثم السماع وسلاماته الأربعة، ثم تلاوة القرآن، ثم الختام بالدعاء والجُلبانك والتسليم.
هذه بنية لاهوتية بالكامل، وموقع القانون فيها هو الأقسام الملحونة الموزونة، البشرف والسلامات، أي حيث يحتاج الطقس إلى نسيج نغمي متماسك يحمل الدوران ولا يقطعه. إذا كان الناي هو صوت النفس، والكودوم صوت الأمر الإلهي، فالقانون صوت الفلك، بساط النغم المستمر الذي يدور عليه الدراويش.
أما في حلب، تتخذ العلاقة شكلًا أعمق وأكثر عضوية، وذلك لسبب بنيوي، فالتقليد الحلبي لم يفصل يومًا بين آلات التخت الشرقي وطقس الذكر.
كان للمولوية في حلبة تكية في باب الفرج، تحتوي على سماعخانة لممارسة الذكر وأماكن لخدمة الدراويش، وكانت تستخدم المزامير والطبول وآلات التخت الشرقي. أيضًا، الموشحات الحلبية مرتبطة ارتباطًا قويًا بالإنشاد الديني والمدائح النبوية والموالد، والقدود الحلبية خليط من الموشحات الأندلسية والمشرقية والأغاني الشعبية. حين يعزف القانون قدًا حلبيًا، لا يستطيع أحد أن يجزم إن كان يعزف طربًا أم ذكرًا.
لعل النموذج الأبرز لحضور القانون في الذكر الحلبي والدمشقي هو تجربة فرقة الكندي، التي أسسها الموسيقي الفرنسي جوليان جلال الدين فايس عام ١٩٨٣، تكريمًا للفيلسوف وعالم الموسيقى الكندي.
بدأت هذه الفرقة بثلاثة عازفين فقط: فايس على القانون، والمصري عادل شمس الدين على الطار أو الرق، والسوري زياد قاضي أمين على الناي، ولم تكن تعزف إلا مقطوعات آلية. حدث التحول بعد ثلاث سنوات عندما التقى فايس بالشيخ حمزة شكور مقرئ الجامع الأموي وكبير منشديه، والذي كان أيضًا على رأس جماعة الدراويش الدوارين الصوفية، ثم أشهر فايس إسلامه واستقر في حلب، ونسج شبكة من التعاون مع كبار المنشدين في سوريا. النتيجة سلسلة من الأعمال التي تعد اليوم المرجع التسجيلي الأهم لحضور القانون في الطقس الصوفي بالتعاون مع الشيخ حمزة شكور والشيخ حبوش، مثل: سوريا: تقاسيم وأناشيد صوفية من دمشق (١٩٩٤)، أغاني صوفية من دمشق (١٩٩٩)، الدراويش الدوارون في دمشق (١٩٩٩)، الوجد الصوفي الحلبي (٢٠٠٣)، العطور العثمانية (٢٠٠٦). نلاحظ في هذه المؤلفات أن فايس أتقن الأساليب الموسيقية العربية، بالإضافة إلى الدلالات الخاصة بعالم الموسيقى الدينية العربية، والسورية منها بخاصة، وتمكن من تصميم نظام دوزنة جديد للقانون الشرقي، اعتمد النسب الطبيعية (الفواصل النقية) بدلًا من التقسيم المتساوي.
في بدايات القرن العشرين، كان دخول آلة القانون إلى الحضرة المصرية دخولًا متأنيًا ومتأخرًا نسبيًا، فالحضرة التقليدية الشاذلية أو الرفاعية أو البرهانية كانت تعتمد أساسًا على الدف والصفقة والشقاشق والقراقب، أي الإيقاع المحض، باعتبار أن الإيقاع هو لغة الجذب الجسدي. أما اللحن، فكان موكلًا إلى صوت المنشد المجرد. لكن التحول النوعي حدث على يد الشيخ سيد النقشبندي، الذي ينتمي إلى الطريقة النقشبندية المنسوبة إلى بهاء الدين النقشبند، والتي تأسست في القرن الرابع عشر الميلادي. يقال إنه كان أول من غنى من المتصوفين بمصاحبة آلة القانون، عندما أنشد قصيدة ابن الفارض الشهيرة قلبي يحدثني بأنك مُتلفي. كانت تلك القصيدة، بحرارة كلمات سلطان العاشقين ابن الفارض، وبصوت النقشبندي المتصدع كأنه أوتار تتمزق، وببريق الأنغام المعدنية للقانون، بمثابة بيان تأسيسي لولادة لون جديد من الإنشاد يجمع بين رهبانية الكلمة وأناقة التقسيمة القانونية.
القانون صوت رمضان في الفواصل الكلاسيكية
يهيمن القانون بشكل لافت على الفواصل الموسيقية الرمضانية في الإذاعة والتليفزيون، متغلبًا على آلات مثل العود أو الكمان، بفضل طبيعة صوته الذي يحمل طابعًا روحانيًا. هنا تبدو المفارقة كبيرة إذا ما أخضعناها للتحليل السمعي، فالعود يمتلك دسامة صوتية وعمقًا دافئًا يحاكي الصوت البشري في انفعالاته، وهو ما يجعله، ربما، بشريًا أكثر من اللازم بالنسبة لروحانية الشهر، على النقيض يأتي القانون بنغماته المعدنية قصيرة العمر، التي تشبه في تتابعها قطرات الماء الباردة التي يشتهيها الصائم.
في المقابل صوت العود غني بالمنخفضات نسبيًا، ويحتاج إلى مساحة زمنية كي يتشكل ويُفهم. أما صوت الكمان فمستمر، أي أنه يبقى ويتمدد، ما قد يحول الفاصل القصير إلى مشهد درامي. لذلك، في الفواصل الرمضانية الكلاسيكية، تلك اللحظات القصيرة بين البرامج الإذاعية أو التليفزيونية التي تعلن عن وقت الإفطار أو السحور أو الأذان، التي تعتمد على تقاسيم موسيقية قصيرة لإثارة الشعور بالهدوء والتأمل، يبرز القانون كنجم وحيد.
في هذا النوع من الفواصل يجب أن تتوافر ثلاثة شروط:
أولًا: وضوح البداية والنهاية؛ لأن الفاصل يجب أن يُفتح بسرعة ويُقفل بنعومة قبل أن يعود المسلسل أو البرنامج المذاع.
ثانيًا: القدرة على التلوين المقامي السريع؛ لأن رمضان نفسه متعدد الأمزجة: خشوع، فرح، سهر، دعاء.
ثالثًا: الملاءمة السمعية للبث القديم؛ حيث ضيق المجال الديناميكي، والميكروفونات الأحادية، والتسجيلات التي تبرز النطاق المتوسط والعلوي أكثر من المنخفض.
يستجيب القانون، بخصائصه الفيزيائية والمهارية، لهذه الشروط كأنه صُمم لها.
حرّيفة القانون
هؤلاء عازفون ارتبطت تقاسيمهم بلحظات مميزة وجدت فيها الآلة نفسها قادرة على خدمة السلطانين، سلطان الطرب وسلطان الذكر، دون أن تفقد سيادتها على نفسها.
محمد عبده صالح
يعتبر محمد عبده صالح بمثابة عمود الخيمة في مدرسة القانون الكلاسيكية. ارتبط اسمه بشكل وثيق بأم كلثوم، حيث شغل دور عازف القانون في فرقتها لأكثر من أربعين عامًا. خلافًا لتقليد والده وجده عازفي الناي البارزين، انجذب إلى القانون منذ صغره، فشجعه والده على دراسته على يد كبار عازفي زمانه إبراهيم العريان وعبد الحميد القضابي ومحمد إبراهيم، ثم أكمل تكوينه في معهد الاتحاد الموسيقي على يد إبراهيم شفيق.
انطلقت مسيرته الفعلية بالتزامن مع صعود محمد عبد الوهاب وأم كلثوم أواخر العشرينات، فقد اختاره عبد الوهاب عازفًا للقانون في فرقته، قبل أن يصبح عضوًا ثابتًا في تخت أم كلثوم حتى وفاته، والتي خصه الملحنون بمساحات واسعة من الصولوهات داخل أغنياتها، ليملأها بدرجة عالية من الدقة في توزيع الزخارف. اللافت أن صالح كان يعيد عزف المقطع نفسه أكثر من مرة، وكان يتعمد تغيير تفاصيل هذه الزخارف في كل إعادة، بحيث لا تتكرر العبارة اللحنية حرفيًا، وهي سمة يقارنها كثير من المهتمين بغناء أم كلثوم نفسها.
ألف حوالي ٢٠ مقطوعة موسيقية استخدم فيها العُرب بذكاء شديد، بجانب امتلاكه اسلوبًا في العزف يتسم بالصرامة الفنية والوضوح التام، فلا توجد نغمة ميتة أو باهتة. يجمع الدارسون المتخصصون في آلة القانون على أن صالح جمع في عزفه مهارات وتقنيات نادرًا ما تجتمع بهذا المستوى لدى عازف واحد؛ من أبرزها تقنية الفرداج، وهي حركة الصد والرد المتصلة على الوتر بشكل متتابع وسريع، والتي تنتج تموجًا صوتيًا شبيهًا بالرعشة الآلية. يستخدم الفرداج عادة لتكثيف التعبير في الذرى اللحنية أو لمحاكاة أثر الاهتزاز الصوتي البشري. تفوق صالح أيضًا في تقنية البصم، وتقوم على عزف الوتر بسبابة اليد اليمنى، ثم عفقه بسرعة بسبابة اليد اليسرى قبل أن ينقطع صداه طبيعيًا، بحيث يتحكم العازف تحكمًا دقيقًا في زمن استمرار النغمة وفي حدة قطعها، ما يمنح الجملة اللحنية طابعًا منحوتًا ومظبوط الإيقاع حتى في أكثر لحظات العزف انسيابًا وارتجالًا.
تميزت تقاسيم محمد عبده صالح بالهدوء والوقار، بجمل موسيقية قصيرة ومركزة وقفلات حاسمة، ففي التسجيلات الإذاعية القديمة كانت تقاسيمه تبدأ بمقامات مثل الراست والبياتي بإيقاعات هادئة، ثم تتطور إلى إيقاعات سريعة تعكس الفرح الروحي؛ ومع تكرار بثها عبر الإذاعة المصرية منذ منتصف القرن العشرين، تحولت إلى إشارة زمنية تخبر المستمع ضمنيًا أن رمضان قد بدأ. أصبحت هذه التقاسيم مرتبطة تلقائيًا بالشعور بالأمان والتجمع العائلي
عبد الفتاح منسي
على الضفة الأخرى يقف عبد الفتاح منسي، بخط تكويني مشابه لخط صالح، فوالده عبد الوهاب منسي كان عوادًا أزهريًا معروفًا، لكن عبد الفتاح انجذب لآلة القانون، والتحق بمعهد الموسيقى حيث درس على يد إبراهيم شفيق وعبده العراقي ومحمود المحلاوي. اتجه بعد ذلك إلى دراسة البيانو لمدة خمس سنوات، وهذا ما ميز تكوينه عن تكوين صالح المتركّز حول التراث الشرقي، والذي ترك أثرًا واضحًا في أسلوبه لاحقًا.
عمل منسي في فرقة بديعة مصابني خلال الثلاثينات والأربعينات، ورافق فريد الأطرش في جولة فنية شملت تونس والجزائر والمغرب، وتولى عمادة معهد الموسيقى العربية في الدوحة. بعد عودته إلى مصر، أصبح منسي من أعمدة فرقة موسيقى الإذاعة المصرية إلى جانب محمد عبده صالح نفسه، ما وضع الاثنين في المؤسسة الإذاعية ذاتها والحقبة ذاتها، لكن بمسارين فنيين متمايزين بشكل لافت.
تميز أسلوبه بالرشاقة والسرعة والزخارف اللحنية الكثيفة، وإذا كان عبده صالح يمثل الوقار، فإن منسي يمثل الشجن والتأمل الدرامي. هذا ما يظهر في تقاسيمه التي غالبًا ما تأتي في مقامات مثل النهاوند والحجاز، واستخدامه للعُرب بشكل مكثف أتاح له التنقل بين المقامات بسلاسة، ما يضفي على تقاسيمه بعدًا دراميًا وحواريًا. كما أدخل تقنيات متأثرة بالبيانو مثل الأربيجيو الممتد، أي عزف عقود مقامية كاملة بشكل متتابع سريع، على غرار ما يفعله عازف البيانو بيده اليمنى.
دور منسي في رمضان أكثر وضوحًا وانتشارًا، فتسجيلاته أصبحت التقليد الرسمي في الإذاعة المصرية قبل الأذان، حيث يُبث تقسيمه الورد جميل – المستوحى من أغنية زكريا أحمد – كإشارة لاقتراب المغرب.
مايا يوسف
توصَف عازفة القانون السورية مايا يوسف بأنها ملكة القانون، حيث أصبحت من سفراء الموسيقى العربية عندما انتقلت إلى لندن بعد حصولها على تأشيرة المواهب الاستثنائية من مجلس الفنون الإنجليزي.
التحقت بمعهد صلحي الوادي الموسيقي في دمشق في سن السابعة لتتعلم آلة الكمان، ثم طلبت الانتقال إلى صف القانون في التاسعة، وفازت بجائزة أفضل موسيقي في المسابقة الوطنية السورية للشباب في سن الثانية عشرة. التحقت بالمعهد العالي للموسيقى في دمشق، وحصلت على بكالوريوس في الموسيقى متخصصة في آلة القانون. كان أساتذتها المباشرون خلال دراستها: عازف القانون السوري سليم سروة، والموسيقية الأذربيجانية إلميرا أخوندوفا. كما حضرت ماستر كلاسات مع عازف القانون التركي جوكسيل باكتاجير. يمنح هذا التكوين مايا تركيبًا ثلاثي المرجعية، الأصل السوري والرافد التركي والبعد الأذربيجاني القوقازي.
حصد ألبومها الأول أحلام سورية إعجاب النقاد العالميين وكان نقطة تحول في مسيرتها، وقادها إلى الظهور في مسارح عالمية مرموقة مثل بي بي سي برومز ومهرجان ووماد.
يكمن مفتاح فهم أسلوب مايا هو أن نأخذ عبارتها بجدية حين تقول أنها تتحرك بين الأساليب الكلاسيكية والمعاصرة، ويعني ذلك تقنيًا الاحتفاظ بالجذر المقامي، فمؤلفاتها مبنية على المقام العربي التقليدي، بينما تستدعي إيقاعات مركبة غير سائدة في المقام العربي كالإيقاعات الخماسية والسباعية، وتحويلات هارمونية مستعارة من الجاز والفلامنكو الأندلسي. لذا نجد أنها تحافظ على جوهر الأسلوب الحلبي في العزف، وفي الوقت نفسه تفتح آفاقًا جديدة نحو الموسيقى الكلاسيكية الغربية واللاتينية.
شاركت مايا يوسف في تأسيس الفرقة الشرقية النسائية السورية، وهي التجربة الأولى لفرقة نسائية كاملة تعزف الموسيقى الشرقية التقليدية. كما طورت مشروعًا تعليميًا فريدًا لتعليم المقامات العربية باستخدام مكعبات الليغو، بمعنى تفكيك المقام إلى وحدات صغيرة قابلة لإعادة التركيب، بدلًا من تقديمه بوصفه سلمًا موحدًا يُحفظ كتلة واحدة. تمثل هذه الطريقة، رغم بساطتها الظاهرية، تحولًا حقيقيًا في تدريس المقام العربي، الذي ظل في معظم المعاهد الموسيقية يدرس بالطريقة القديمة (الحفظ ثم التقليد).
التهامي بلحوات
يُعرف التهامي بلحوات في الأوساط الموسيقية المغربية بوصفه أحد أبرز عازفي القانون المعاصرين، وقد ارتبط اسمه بمهرجان مكناس الدولي لآلة القانون، حيث قدم كأحد الأسماء الحاضرة في احتفاء المملكة المغربية بهذه الآلة. ما يجعل تجربته مثيرة للتأمل تحليليًا هو الموقع الذي يشغله بين تراثين: الموسيقى الأندلسية – الغرناطية التي تشكل العمود الفقري للتراث الموسيقي المغربي الحضري، والذوق المشرقي الذي دخل المغرب عبر الإذاعة والتسجيلات منذ منتصف القرن العشرين.
في أحد أعماله المسجلة والمتداولة، قدم بلحوات ما وصفه هو نفسه بـ كوكتيل مغربي – مشرقي على القانون، وهو عنوان لافت لأنه يختصر بدقة إشكالية جيل كامل من عازفي القانون المغاربة، وهي كيف يحافظ العازف على نكهة المقامات الأندلسية (الاستهلال، الموشحات، الميزان الأندلسي) بينما يفتح أذنه على مقامات شرقية مثل الراست والبياتي والحجاز كما تعزف في القاهرة ودمشق. إذ تبنى النوبة الأندلسية على تتابع محكم من الميازين تصاعديًا في السرعة، لا على منطق التقسيم الحر والارتجال المفتوح الذي يطبع أداء القانون في المشرق.
رافق بلحوات عازفين آخرين في حفلات استضافها فنانون مغاربة في أوروبا بالاشتراك مع فرق سيمفونية أوروبية كبرى، وهو ما يعكس واقعًا أوسع لعازف القانون في السياق المغربي، الذي غالبًا ما يستدعى بوصفه لونًا شرقيًا يضاف إلى تشكيلات موسيقية أوسع، لا بوصفه رأس فرقة تخت تقليدي كما هو الحال في مصر أو سوريا، وهو ما يفرض على العازف المغربي مرونة أسلوبية إضافية، ليتقن الدخول والخروج من السياقات الموسيقية المختلفة دون أن يفقد بصمته.
حسن الشكرجي
يعد عازف القانون العراقي حسن الشكرجي واحدًا من الفنانين الذين امتلكوا رؤية خاصة للقانون تتجاوز التقنيات التقليدية، فقد تأثر بالمدرسة العراقية في العزف، والتي تتميز بتركيزها على المقامات العراقية الغنية، والتقاسيم الحرة التي تعكس عمق الروح الشرقية. أشار في إحدى مقابلاته إلى أن البيئة العراقية – وخاصة الناصرية – كانت مفعمة بالفن والغناء والشعر والموسيقى، ما أثر بشكل كبير في تكوينه الفني. كان الشكرجي أيضًا منفتحًا على المدارس الموسيقية الأخرى، التي استلهم منها ما يثري تجربته.
تلقى الشكرجي تعليمه الموسيقي في البداية بطريقة السمع ومحاكاة كبار العازفين، قبل أن يقرر التحول إلى الدراسة العلمية للنوتة الموسيقية قراءة وكتابة. حين قدم أول ألحانه عام ١٩٦٨، أغنية لالا زين عرفت غاياتك للمطربة أمل خضير، كانت هذه العتبة الأولى بين وظيفتين ظل يجمع بينهما طوال عمره: عازف القانون والملحن. جاءت المحطة الفارقة حين نُقلت خدماته إلى وزارة الثقافة والإعلام في بغداد، ليتولى قيادة فرقة الإذاعة والتليفزيون العراقية في الفترة بين ١٩٧٣ و١٩٨٨، وهي الفترة التي شكلت العصر الذهبي للأغنية العراقية الحديثة.
ما يميز الشكرجي، ويسمعه المرء بوضوح في تسجيلاته المنفردة، هو ما يمكن تسميته بالتقاسيم القيادية، تقاسيم لا تسير كخطاب فردي متأمل على طريقة عبد الفتاح منسي، بل كخطاب قائد فرقة يفكر دائمًا في الكتلة الأوركسترالية التي سترد عليه، خصوصًا في المقامات التي تتطلب انزلاقات ربع تونية كالبيات والسيكاه والصبا والحسيني، وهي المقامات التي يبنى عليها المقام العراقي المعدل الذي عمل الشكرجي على توزيعه أوركستراليًا في السبعينات. في مهرجانات دولية عدة في لندن ويوغسلافيا وبلغاريا واليونان وطوكيو وبرلين ودول الخليج، قدم عزفًا يجمع بين الصلابة التقنية والحس العراقي الصميمي.
حسان تناري
في الأوساط الحلبية، لقب حسان تناري بالبلدوزر، وهو لقب يبدو للوهلة الأولى غير موسيقي، لكنه في الحقيقة توصيف تقني بالغ الدقة. لأن ما جاء به التناري كان قوة ضربة ريشة استثنائية، بحيث كان بإمكانه أن يُسمع بلا مضخم صوت وسط آلات أخرى تزحم المسرح، وهذه التقنية هي ما جعلته يلمع سريعًا كنجم ذو دفعة عالية.
التحق بالمعهد العربي للموسيقى بحلب وتخرج بامتياز على يد الدكتور سعد الله أغا القلعة والأستاذ علي واعظ، وعمل مدرسًا في نفس المعهد حيث تخرج على يديه جيل كامل من عازفي القانون السوريين. من أهم إنجازاته وضعه منهجًا تعليميًا مدونًا لتدريس آلة القانون، انتشر في الوطن العربي بشكل غير رسمي بين طلبة المعاهد، دون أن ينشره تناري نفسه رسميًا، كذلك أسس فرقة الوتر الذهبي التي رافقت كبار المطربين السوريين والعرب.
الفصل الأهم في مسيرة تناري والذي يفسر اتساع تأثيره، هو مرافقته لصباح فخري لمدة خمسة عشر عامًا بين ١٩٧٩ و١٩٩٥، ومرافقة مطرب بهذا المستوى تتطلب من عازف القانون سرعة استجابة يدوية على المنادل وإدراك عميق للسماعيات والبشارف التركية – العثمانية التي هي عمود المدرسة الحلبية، وهي بالضبط النقطة التي تفوق فيها تناري.
كان يجول العالم مع صباح فخري في حفلات تمتد ست ساعات متواصلة، يقفز خلالها بين المقامات بلا سابق إنذار، فيتحول من بياتي إلى حجاز كار كرد في منتصف الجملة اللحنية. في تسجيله الشهير تقاسيم راست، يمكن سماع البنية النموذجية لتقاسيمه، مقدمة على درجة الراست (دو)، ثم صعود متأن إلى النوى، ثم قفلة حادة على درجة الدوكاه، قبل انتقال مباغت إلى البيات ثم إلى الصبا بحركات المنادل. الشيء اللافت في تقاسيمه هو الحس الحركي الذي يجعلها تتقدم بخطى موزونة كأنها ترقص.
محي الدين الغالي
في التقليد الطربي المشرقي، وظيفة القانون الأولى أن يفتح الباب للمطرب، يقدم دولاب المقام أو تقسيمًا قصيرًا يثبت المقام في أذن الجمهور. هذه المهارة مختلفة تمامًا عن التقسيم الحر، فهي لها زمن محدود ووظيفة محددة، ويجب أن تنجزها بأناقة. أسلوب عازف القانون اللبناني محي الدين الغالي، كما يتبدى في تسجيلاته، هو النموذج المكتمل لما يمكن تسميته مدرسة القانون المصاحب، وهي مدرسة ظلمت نقديًا لأن معيار الحكم على العازفين صار الأداء المنفرد. في الوصلة الطربية مثلًا، يملأ القانون الفراغ بين جملتي الغناء بجملة تعلق على ما سبق وتمهد لما يأتي؛ هذه هي أصعب مهارات المصاحبة: أن تقول شيئًا ذا معنى في ثانيتين، دون أن تسرق الأضواء.
تشكلت مكانة الغالي كواحد من كبار عازفي القانون في لبنان من خلال خدمته للأغنية والحفل الغنائي اللبناني، بما يحمله ذلك من التزام بجماليات التخت المرافق أكثر من التزامه بمنطق العزف المنفرد. من اللافت أنه حين سُئل عن ميله إلى التلحين، أجاب بوضوح أنه لا يميل إلى ذلك، وأن كونه موسيقيًا لا يفرض عليه أن يكون ملحنًا أيضًا، وهذا التمييز الواعي بين العازف والملحن يعكس فهمًا دقيقًا لدى الغالي بحدود دوره كمنفذ للحن، لا صانع له. هذا بالظبط ما يجعل عزفه، بحسب من واكبوا مسيرته، عزفًا شفافًا يتلون مع المطرب والفرقة أكثر مما يفرض حضوره الفردي عليهما. هذا إلى جانب امتلاكه لأسلوب المدرسة اللبنانية التي تعتمد نقرًا قويًا وواضحًا يعطي طاقة محسوسة، لأن القانون في التخت اللبناني يؤدي دورًا شبه إيقاعي إلى جانب دوره اللحني، خصوصًا في الدلعونا والأغنية الجبلية.
يروي الغالي أن شغفه بالقانون بدأ في الطفولة وهو يتابع الحفلات على شاشة التلفزيون، متأثرًا بعازفين لبنانيين مثل أحمد منيمنة ومحمد السبسبي، حتى أنه صنع آلة مصغرة بطريقته الخاصة ليقلد من خلالها هؤلاء العازفين قبل أن يمتلك آلة حقيقية. درس خمس سنوات في المعهد الموسيقي الوطني بلبنان، وحصل خلالها على منح ومكافآت مالية تقديرًا لتفوقه، وانضم إلى بعض الفرق الموسيقية من طلاب المعهد. ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ الأغنية اللبنانية، وبرز حضوره أمام نجوم الفن في سياق برنامج استوديو الفن، وهي التجربة التي تحدث عنها مشيرًا إلى الدور الذي لعبه سيمون أسمر مخرج البرنامج في شهرته داخل لبنان وخارجه؛ إلى جانب مشاركته في العديد من الحفلات رفقة كبار المطربين اللبنانيين.
كرمه المعهد الوطني العالي للموسيقى ووزارة الثقافة اللبنانية في أمسية أحيتها الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق – عربية، في اعتراف مؤسسي متأخر بعازف الظل الذي صار نجمًا.
آيتاش دوغان
على النقيض تمامًا من نموذج عازف التخت، يقف التركي آيتاش دوغان كأحد أبرز الأمثلة العالمية على تحويل القانون إلى آلة عرض منفرد بامتياز. ولد لعائلة موسيقية وتعرف على آلة القانون عبر جده في سن الثالثة عشرة، وبعد سنة واحدة فقط من الدروس، اصطحبه المغني والملحن التركي إبراهيم تاتليسس ليبدأ العزف معه، وعمل مع تاتليسس في أوركستراه لسنوات، ثم اتجه إلى تسجيل ألبومات لعدد من نجوم الأغنية التركية الشعبية. أي أن دوغان لم يبلور موهبته داخل معهد موسيقي، إذا كانت مدرسته الحقيقية المسرح والاستوديو، بيئة تطلب من عازف القانون أن يخترق الميكس، فيُسمع فوق الإيقاع الكهربائي والكمانات المضاعفة، ويقول جملته في بضع ثوان ويختفي.
من هذه البيئة بالتحديد ولدت تقنيته الأشهر، تقنية الريشة الواحدة. ولفهم راديكالية هذا الخيار، علينا تذكّر أن القانون يعزف تقليديًا بريشتين، واحدة على سبابة كل يد، وهذا التوازي بين اليدين هو أساس المفردات التقليدية للآلة: الأوكتافات المتوازية، التريمولو المزدوج، توزيع الجملة بين اليدين. أن يتخلى عازف عن ريشة واحدة يعني ظاهريًا أن يتنازل عن نصف قوته، لكن ما يحدث فعليًا هو تحول جذري في جماليات الصوت. إذ لا تتقيد اليد المتحررة بالنقر، وبالتالي تصبح هي يد التعبير المتفرغة كليًا للمنادل وكتم الأوتار وتلوين الرنين. أيضًا، بريشة واحدة لا يمكنك بناء نسيج عريض، يمكنك فقط رسم خط واحد بالغ الدقة. النتيجة أسلوب نقر على الأوتار بطريقة أقرب إلى عزف الجيتار منها إلى الأسلوب التقليدي، منتجًا نسيجًا إيقاعيًا يمنح الآلة حضورًا شبه طبلي، وهذا يفسر لماذا يندمج دوغان بسلاسة مذهلة مع كلارينيت حسنو شلنديرجي في فرقتهم الثلاثية تقسيم تريو برفقة عازف البزق إسماعيل تونشبيليك.
إلى جانب ذلك، يعرف دوغان بسرعة استثنائية في الانتقال بين العُرب أثناء التقسيم الحر، وهي مهارة اكتسبها – بحسب رواياته الصحفية – في أشهر معدودة فقط من بداية تعلمه، ما يفسر وصف بعض النقاد الأتراك لموهبته بأنها أقرب إلى الفطرة منها إلى نتاج التراكم.
علي السبهاوي
حين وصل السبهاوي إلى فرقة الإذاعة الموسيقية الليبية عام ١٩٨٢، كان يدخل إلى بيت بناه جيل سابق من عازفي القانون، وكانت الآلة قد ترسخت أصلًا كأحد أعمدة الصوت الرسمي للأغنية الليبية. ما لفت نظري في حواره مع صحيفة ليبيا الإخبارية أنه قدم نفسه كملحن وعازف يمتهن حرفة العزف على القانون لأكثر من أربعين عامًا، إذا انتبهنا إلى كلمة حرفة – لم يقل فن أو موهبة – سنجدها مفردة تحمل كل ثقل المدرسة التي ينتمي إليها، القانون كصنعة تتقن بالمران والمراكمة.
عندما نستمع إلى السبهاوي وهو يؤدي على القانون رائعة من التراث الليبي مثل غزالات فاتوا أو في تقاسيمه المنفردة، تتبدى في أدائه أولوية الخط اللحني على الزخرفة، فهو لا يُغرق الجملة التراثية بالتزيينات، وإنما يعزف اللحن الأصلي بوضوح يكاد يكون تعليميًا، ثم يزين على أطرافه. هذا اختيار جمالي مباشر ومتسق مع موقفه من التراث: إذا كان اللحن مجهول المؤلف وملكًا جماعيًا، فوظيفة العازف صيانته لا الاستيلاء عليه بالزخرفة. في المدرسة التي يمثلها السبهاوي، تستخدم المنادل لتثبيت التلوين المقامي الصحيح للحن التراثي كما تناقلته الذاكرة الجمعية.
خاتمة
مع استمرار القانون في العصر الحديث، ودوره المتجدد في إثراء الأجواء الروحانية، تظل هذه الآلة العريقة شاهدًا حيًا على قوة الموسيقى في تشكيل الوعي الإنساني، ورفيقًا أمينًا لكل من يبحث عن السكينة والعمق، وتظل قادرة على تلبية حاجة الإنسان الفطرية للجمال، والانسجام، والاتصال بما هو أسمى.
مصادر
The Importance and Use of Qanun in Turkish Music
The Qanun: Voice of the Soul in Middle Eastern Music
THE AL-KINDI ENSEMBLE WITH SHEIKH HAMED DAOUD AND THE DAMASCUS WHIRLING DERVISHES
