في أواخر التسعينات، كانت أذني تصادف المقام العراقي بأوقات عشوائية وهو يُبث حسب مزاج مخرج البث بإذاعة بغداد، وقتها كنتُ أخاف نوعية الأصوات التي تؤديه، وتصيبني طريقة أدائها بالرهبة؛ ولأني صبي أجهل سببية هذا الشعور ولا أعرف شيئًا عن هذا الفن، أتذكر مرةً سألت أبي: ليش هيج يغنون؟ وعلى الرغم من مطاطية هذا السؤال الشاسع وإمكانية تأويله لغير سؤال، أجابني أبي: “اسمع حاليًا الأطلال لأم كلثوم وبعد فترة راح تعرف ليش هيج يغنون.” مضت الفترة وأصبحت الأسئلة أكثر: ما هو المقام العراقي؟ هل هو ذاته المقام الموسيقي؟ لماذا يقول المؤدي أمان أمان؟ كيف نفهم هذا الفن وسياقه المتداخل في الموسيقى والمجتمع وحتى السياسة؟
تاريخ ملتبس
يرى الدكتور الباحث عبد الله المشهداني أن تاريخية المقام العراقي ممتدة للعصر العباسي، وأن الأسس التي بُني عليها المقام العراقي هي المقامات الموسيقية في العصر العباسي وتحديدًا أيام إبراهيم الموصلي العازف في قصر هارون الرشيد وابنه إسحق الموصلي. هذا ما ذهب إليه أيضًا الباحث في التراث الموسيقي العراقي والعربي الراحل عبد الكريم العلاف في مؤلفه الشهير الطرب عند العرب. يقول العلاف إن المقام العراقي بشكله الأخير هو بقايا الغناء من العصر العباسي وصولًا لأيام التتر، لكن ارتبك هذا الفن قليلًا بفعل دخول الألحان الفارسية والتركية نتيجةً للتداخل الأممي في بغداد كونها عاصمة الخلافة، ليتلقفه أهل بغداد على اختلاف نزعاتهم ويتصرفوا به ويمزجوه بلسانهم العامي ويضيفوا عليه.
كانت بغداد عاصمة الدنيا العربية، فامتدت مثاليتها للموسيقى والغناء. بغداد القديمة أجمل من جرافيكس لعبة أساسنز كريد وكل مقاطع الذكاء الاصطناعي التي تتخيل المدينة في القرن التاسع الميلادي، بغداد أحلى من ما كُتِبَ عنها في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ومعالم بغداد لإسماعيل الفرضي والبلدان لليعقوبي والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي. مدينة تستنفد كل خيالك الشعري وتركض في هندسة معمار الأقواس والقبب، تستحوذ على الريادة بسهولة ومنها موطن هذه المقامات العراقية بشكلها الحالي، والذي بقي ببغداد والموصل، حتى لو أنها تختلف في الموصل عما هي عليه ببغداد من ناحية عدم تقيّد قراء المقام بترتيب أبجدية الأداء المقامي.
يختلف مُدّرس المقام في معهد الفنون الجميلة ببغداد، الراحل الأستاذ هاشم محمد الرجب، مع هذه الرواية ويؤكد أن عمر المقام العراقي لا يتجاوز ٤٥٠ سنة؛ بدليل أن المقام العراقي مؤلف من عقد موسيقية ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية، وسباعية بدرجة أقل، أما غناء العصر العباسي فكان ثمانيّ العقد ويشابه غناء الموشحات الأندلسية. يضاف لذلك – حسب رأي الرجب – أن المؤلفات والمخطوطات التي تتحدث وتشرح كيفية العزف وأنواع الإيقاع في المقامات والأنغام في العصر العباسي تخلو من ما يشبه المقام العراقي الموجود اليوم، مثل كتاب النغم ليحيى بن علي المنجم وكتاب الموسيقى الكبير للفارابي وموسيقى الشفاء لابن سينا.
على كل حال صار المقام العراقي هوية بغداد وغنائها وغناها، فمع دخول تقنيات التسجيل البسيطة أوائل القرن العشرين عبر الجرامافون وأسطوانات التسجيل، ازدحمت حارات وأزقة العاصمة بأصوات القرّاء وتناثرت أنغامهم بين كرخها ورصافتها، وعاش هذا الفن النوعي أفضل أيامه عبر الحفلات الرسمية وشبه الرسمية والشعبية. نجتوز المقام العراقي جغرافيا البلد، فصَدّرَ مطربيه وقراءه لبلدان الوطن العربي الكبير، وصارت القاهرة والكويت والشام تتسع لحفلات محمد القبانجي وناظم الغزالي وآخرين.
كان لعوائل بغداد البرجوازية والميسورة حفلاتها الخاصة ومطرب مقامها المعروف، أما في مناطقها الشعبية فكانت لجلسات المناقب النبوية والذكر الديني الفضل الواضح بشيوع قراءة المقام العراقي وتنوعه واختلاف مشاربه. يسمى مؤدي المقام بالقارئ أو مقرئ بحسب حسين الأعظمي (مغني مقام)، لأن المقامات أداءات دينية حوفظ عليها من خلال الشعائر الدينية كالأذان وقراءة القرآن والتواشيح الدينية. مع ذلك، كثيرًا ما نسمع قرّاء المقام يستخدمون كلمات غير عربية من قبيل أمان، وهي كلمة تذمر، وفرياد من بمعنى النجدة، وقربان بمعنى أفديك، ودل ياندم بمعنى قلبي اشتعل، وأفندم بمعنى سيدي وجانم بمعنى روحي؛ والعشرات من هذه الكليشيهات الفارسية والتركية.
بحسب مدّرس المقام هاشم محمد الرجب كانت أكثر المقامات الشعرية تُغنى بأشعار فارسية وتركية لأن الكثير من المقامات العراقية متعددة الأصول؛ فمنها تركية مثل مقامي الأورفة والآيدين وغيرهما، وفارسية مثل السيكاه والبنجكاه والأوشار، ومنها حتى هندية مثل الرست الهندي. أما الباحث الدكتور عبد الله المشهداني يرى أن سببية وجود هذه المفردات هو أن المغني كان يضطر أحيانًا لاستخدام هذه الجمل الأجنبية؛ بسبب حضور الأجانب للحفلات التي كانت تقيمها العوائل الارستقراطية المتنفذة والمقربة للسلاطين وأجهزة الدولة أيام الاحتلال العثماني (مثل السلطان أو الخليفة أو الوالي وحاشيتهم)، وعليه فمن باب المجاملة ودون المساس بجوهر المقام يُطلق المؤدي هذه الألفاظ التي يفهمونها؛ وكذلك لوجود بعض قرّاء المقام العراقيين من خلفيات جنسية متنوعة ويدفعهم حنينهم للغاتهم الأم لإدخال هذه الكلمات في الغناء.
من آثار هذه التعددية والخلفية أن الكلمات الأعجمية، الفارسية والتركية، بقيت ملازمة في أداء المقامات العراقية ليومنا هذا. يعتقد قارئ المقام طه غريب أن هذه الكلمات صارت بمثابة مفاتيح نغمية تساعد قارئ المقام على ضبط المسار اللحني للمقام. هذا تقريبًا ما يتفق معه الرجب فيقول أن المغني يستعين بهذه الكلمات على أداء المقام، فبدونها لا يمكنه تحريره وتأدية قطعه وأوصاله ومياناته، ومتى ما سُجِل وكُتِب المقام على النوتة في ذلك الوقت يصير بالإمكان التخلص من هذه الكلمات واستبدالها بكلمات عربية؛ وهذا ما فعله الرجب حين سجل مقام الرست ومقام الحجاز ديوان في دار الإذاعة العراقية مع الفرقة الموسيقية دون أن يستخدم أية كلمة فارسية أو تركية عام ١٩٥٨، وهذا ما أكده المحامي والباحث طه حسين فوزي، أي أنه كَتبَ نوتات المقام واعتمدها دون اعتماده على المفاتيح النغمية لهذه المفردات الأعجمية.
المقام العراقي بالورقة والقلم
أفهم جيدًا التشابه الاسمي بين المقام الموسيقي والمقام العراقي، والإرباك والخلط اللذان ينتجان عنه، لأني وقعت فيه بصباي. ما الذي يختلف في الأول عن الثاني؟ المقام الموسيقي اصطلاحًا هو سلَّم موسيقي تتوالى الأبعاد بين نغماته بشكل معين، وأي تغيير يحصل في نظام هذه الأبعاد يأتي عنه مقام آخر، ويعرّفه شهاب الدين المصري بأنه “ما رُكّب من نغمات ورُتّب ترتيبًا مخصوصًا.” أما المقامات العراقية فهي – بحسب تعريف مُدرّس المقام هاشم محمد الرجب – مجموعة أنغام منسجمة مع بعضها، لها ابتداء يسمى بالتحرير وانتهاء يسمى بالتسليم وما بين التحرير والتسليم مجموعة من الأوصال والميانات والقرارات يرتلها البارع من المغنين دون الخروج على ذلك الانسجام المطبوع.
أيضًا، بحسب الرجب، المقامات في البلاد العربية موسيقية، أي أنها تُعزف على الآلات في الأساس. مقامات النوا أثر والفرحفزا والسوزناك موسيقية، بينما مقامات المنصوري والحليلاوي والخنابات فغنائية وتغنى في العراق فقط.
تشتمل مكونات المقام العراقي – تباعًا – على:
- التحرير أو البدوة، والفرق بينهما حسب الدكتور الباحث عبد الله المشهداني هو الطبقة أو الدرجة التي تؤدى منها؛ فالطبقات الوسطى والواطئة في أداء المقام تسمى تحرير مثل مقامات المخالف والآوج، أما العالية فتسمى بدوة مثل مقامات المحمدي والناري والدشت عرب.
- القطع والأوصال، والقطعة هي ما يجتزأ من مقام ما لتدخل في مقام آخر، مثل قطعة الحجاز شيطاني في مقام الرست وقطعة المثنوي في مقام المنصوري؛ أما الأوصال فهي تركيبة لحنية من نفس لحن أو نغم المقام مثل وصلة السيساني في مقام الحليلاوي، والتي تعتبر محور الربط بين مقامات البيات والحجاز والسيكَا والرست.
- الجلسة، وهي قرارات لحنية تستخدم كتمهيد لميانات بعض المقامات الرئيسية، وهي بمثابة تهيئة للميانة.
- الميانة تركيبة لحنية عالية الطبقة، تختلف حدتها ودرجتها من مقام إلى آخر، منها ما يصل إلى أوكتاف ونصف.
- الصيحة، هي تركيبات لحنية تدخل بعد الميانة للتطريب من جهة وللرجوع لدرجة المقام من جهة ثانية.
- التسليم أو التسلوم، هو ختام المقام وغالبًا ما يكون بدرجة التحرير أو بدرجة قراره.
تتقسم المقامات على أساس هذه المكونات، وتشتمل أغلب المقامات الرئيسية على جميع المكونات الست، وهناك مقامات على خمس مثل الصبا الذي يكتفي بالميانة دون الصيحة، لكن لا يجوز للمقام أن يُؤدى بأقل من ثلاث مكونات هي التحرير ثم القطع والأوصال، وأخيرًا التسليم.
حتى الباحث والمهتم والدارس يشخّص كثرة المقامات العراقية ويُتعبه تفرعها ويشتبك مع غيره – مجازًا – حول عددها. يصل عدد المقامات العراقية لأكثر من ٤٥ مقامًا تتوزع بين ٧ مقامات رئيسية و٣٨ مقامًا فرعيًا، أو أكثر بقليل. يعود سبب كثرة هذه المقامات لإضافة نغمين أو أكثر إلى بعضها فيتولد مقام يختلف عن الأنغام التي تركّب منها، مثل مقام الجمّال المركب من نغمي الصبا والسيكاه، يضاف لذلك الاختلاف بتركيب المقامات التي هي من نغم واحد، مثل مقام الإبراهيمي والبهيرزاوي والجبوري، فهي من نغم البيات لكنها تختلف في تراكيبها وتحاريرها؛ إذ يبدأ الإبراهيمي تحريره من الجهاركاه والبهيرزاوي من العراق والجبوري من النوى.
علاوة على زيادة نغم على نغم في مقام مؤلف من نغمين مثل الصبا والبيات، فإن أُضيف واحد إلى الآخر وزيد الأول على الثاني صار مقام الحديدي وإن أُضيف الثاني على الأول صار مقام المنصوري. أما تسميات المقامات فتعود لأسماء المدن مثل الأورفة وهي مدينة الرها في الجزيرة بين الموصل والشام، ومنها ما يعود لأسماء الرجال وعلى الأغلب لاسم واضع المقام مثل مقام المحمودي، وبعضها لأسماء الآلات مثل مقام المنصوري.
تقسم المقامات من حيث الكلام لقسمين؛ الأول يُغنى فيه – يُقرَأ – الشعر العربي الفصيح فقط مثل مقاميّ المنصوري والريست وغيرهما، والثاني يُغنى فيه الشعر العامي الشعبي وتحديدًا شعر الزهيري ويسمى موال مثل مقاميّ الحديدي والحليلاوي وغيرهما؛ وشعر الزهيري نسبة لملا جادر الزهيري وهو شعر عامي يتألف من سبعة أشطر، تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى بكلمة واحدة متحدة في اللفظ مختلفة في المعنى، وكذلك الثلاثة أشطر التي تليها، أما الشطر السابع فينتهي بكلمة الأشطر الثلاثة الأولى مع الاختلاف في المعنى. مثال على ذلك من شعر الحاج زاير:
تميت أحومي على شوفك بس أروحن ورد (أرجع)
وابغي وصالك واروم من المراشف ورد (أرتوي)
مفروض حبك علينا بالفرايض ورد (تسبيح)
من حيث باسمك تتم فروضنا والدعا (الدعاء)
رضوان حسن الحواري بوجنتك ودعا (وديعة)
الورد قدّم لوايح واشتكى وادعى (ادعاء)
ويكول انت الورد جا ليش تشتم ورد (الورد)
عصر الأسطوانات والمجد الخاطف
كان عصر المقام الذهبي وذروة مجده في أواخر الأربعينات وبدايات الخمسينات، أغان ومقامات أرشفت لفترة بغدادية ملتصقة بنوع المزاج العراقي آنذاك، مزاج يحتفي بالسلطنة ويقدّر أن يأخذ المؤدي كامل وقته. راق المقام العراقي لمزاج العوائل البغدادية الميسورة ومزاج الحكم الملكي، حتى أواخر الخمسينات، حين أطاح عبد الكريم قاسم بالملكية وأقام الجمهورية (١٩٥٨).
صار المقام العراقي وقتها دلالة على سهرات العوائل الميسورة ببغداد والموصل، التي تحتفي بقرّاء المقام المشهورين وتقيم لهم الحفلات التي تمتد أحيانًا للساعات الأولى من الصباح. كان عدد غير قليل من هذه الحفلات يُسجل على أسطوانات الجرامافون من قبل الأسر التي ترتب للحفلة، أو من قِبل فرقة قارئ المقام أو محبي هذا الفن؛ لتنتقل هذه الأسطوانات وتنسخ وتُباع للعوائل من الطبقة المتوسطة وكأن تلك الأسطوانات السوداء عيّنة عن تفاوت الجمهور وطبقته.
نسمع هنا القبانجي يقرأ مقام المدمي، الذي وضعه أحد أفراد بيت السيد عبد الباقي الحكيم البغدادي، وهي إحدى عوائل بغداد القديمة التي تزاول الطب والموسيقى. عن سبب تسمية المقام يُقال لأنه يُحرّك القلب ويدميه.
يرافق الإيقاع القبانجي على طول الأغنية لأن المقامات تقسم على ضوء الإيقاعات الموجودة فيها من عدمها، فالمقامات التي لا يرافقها الإيقاع هي الحسيني والبيات وغيرهما، أما المقامات التي يصاحبها الإيقاع تقع في نوعين، المقامات التي يصاحبها الإيقاع طول فترة الأداء – من التحرير للتسليم – مثل مقاميّ الحديدي والمدمي وغيرهما، والمقامات التي يكون فيها الإيقاع مقتصرًا على الميانة فقط وهي بنوعين أيضًا؛ إما يكون الإيقاع قبل الميانة فقط مثل مقام الصبا، وقبل الميانتين الثانية والثالثة في مقام الرست، ومقامات أخرى يكون فيها الإيقاع من بداية الميانة حتى التسليم مثل مقام الحجاز ديوان وغيره.
اللافت في شهرة بعض الأغاني العراقية عربيًا، مثل أغاني الراحل ناظم الغزالي، أنها بستات – جمع بستة – للمقام العراقي، أي أنها الأغنية التي تلي قراءة مقام ما. مثلًا أغنيته الشهيرة خايف عليها هي بستة غناها بعد أدائه مقام أوشار في لعلك تصغي.
تتبع البستة قراءة المقام، وهي كلمة فارسية معناها الرابط أو الربط، وتسمى في الموسيقى التركية الموشح؛ وهي أغاني خفيفة مرحة مُلحقة بالمقام العراقي لأنها تخرج من نفس أنغامه. تُغنى البستة لسببين؛ ليستريح قارئ المقام بعد الانتهاء من أداء المقام، إذ يغني البستة أفراد الفرقة الموسيقية، ليكون مستعدًا لاستئناف قراءة المقام الذي يليه، وكذلك لتنويع الغناء وجعل المجلس أكثر طربًا ومرحًا وفرحًا، مثل بستة على جسر المسيب وعلى شواطي دجلة وطلعت يا محلى نورها ويل زارع البزرنكوش.
كُتبت أغلب البستات العراقية لقصة ومناسبة معينة وشاعت بعد ذلك. على كل حال، حتى البستة في المقام لها أوزانها مثل وزن الجورجينا الذي يغنى معه بستة لفندي اعيون لفندي وبستة منك يالسمر، ووزن الوحدة الذي يغنى معه بستة قدك المياس يا عمري وآه يا أسمر اللون. للبستات كلامها المحدد والمخصوص فالكلمات تكتب إما بطريقة المربع مثل فراكهم بجّاني أو بالتوشيح أو ما يسمى بنظم البنات، لأن النساء أكثر نظمًا له وولوعًا به، وهذا ما يفسر كثرة البستات المشهورة التي يكون ضمير المتحدث فيها امرأة؛ بينما المغني في معظم الأحيان رجل.
رغم قلة الأصوات النسائية التي كسرت الاحتكار الرجولي للمقام كانت صدّيقة الملاية وسليمة مراد ومائدة نزهت وفريدة أصوات قوية لم تكتفِ بالغناء فحسب، بل نافست وتشاركت مع ألمع أسماء المقام القمة والأضواء، مثل تجربة سليمة مراد مع ناظم الغزالي ومنافسة فريدة مع حسين الأعظمي على ريادة المقام العراقي المعاصر.
غروب المقام
يمكن القول إن ربيع المقام امتد حتى السبعينات لكن بخط بياني متناقص بسبب تغيّر طبيعة المجتمع وارتفاع حدة العنف الذي رافق حكم عبد الكريم قاسم، ومن ثم حكم عبد السلام عارف، الذي أطاح بالأول بانقلاب عسكري في الثامن من مارس ١٩٦٣؛ ومن ثم حُكم أخيه عبد الرحمن عارف وبعدها استيلاء حزب البعث على السلطة عبر أحمد حسن البكر ومن بعده صدام حسين.
أنتجت هذه الفوضى السياسية والعسكرية مخرجاتٍ مجتمعيةً جديدة ومزاجًا شعبيًا جديدًا، يُضاف إلى ذلك هجرة فناني المحافظات العراقية الجنوبية باتجاه بغداد أواخر الستينات وبداية السبعينات، والتغيير الذي أجروه على الأغنية العراقية وما يعرف بفترة الأغنية العراقية الذهبية في السبعينات، عبر الشعرية الجديدة لمظفر النواب وزامل سعيد فتاح وغيرهما، ومن خلال الفكر اللحني المتجدد لطالب القره غولي وكوكب حمزة وكمال السيد.
هفتت جذوة المقام بسبب شيوع الأغنية الحديثة التي صارت تستوعب الجمل اللحنية الطويلة والمقدمات الموسيقية، والكلمات القريبة من المزاج الشعبي الذي اختلط ببغداد بسبب اختلاط سكانها الأصليين مع العوائل الوافدة والمهاجرة من المحافظات والقرى والأرياف العراقية. نجحت كنوز الأغنية العراقية السبعينية بتصدير أسماء مثل سعدون جابر وحسين نعمة وقحطان العطار ورياض أحمد، والد الفنانة رحمة رياض، وآخرين.
بالنتيجة، توارى المقام العراقي شيئًا فشيئًا، ولم تبق ساحة لهذا الفن سوى مطعم خان مرجان في بغداد حين بقي يستضيف المطرب يوسف عمر حتى منتصف الثمانينات. حين تَفطّن صدام حسين لهذا الفن أمر كوادر الإذاعة والتلفزيون بإعداد البرامج التي تؤرشف للمقام موسيقيًا وتقدمه للشعب عبر مدرّس المقام الراحل هاشم الرجب، لكن توقيت هذا الاستذكار والاستحضار لهذا الفن كان بشعًا. بعد نهار كامل يبث فيه التلفزيون صورًا للمعركة ضد إيران مزدحمة بالموت والدم والأشلاء، يطل مقدم البرنامج يحيى إدريس بملابسه النظيفة وذقنه المحلوق بعناية مع هاشم الرجب وفرقة موسيقية ليقدموا سهرة مع المقام العراقي.
لم يستعد المقام مكانته حتى ما بعد الثمانينات، إذ توفي قرّاؤه الرواد وهاجر أغلب شبابه لخارج العراق، مثل حامد السعدي وحسين الأعظمي وفريدة محمد علي.
يطول الحديث عن المقام العراقي ويتشعب لغزارة تفاصيله وثراء قصصه وأكاديمياته، وليس من المنطق أن نتحدث بسيرة المقام ولا نذكر عباقرته بدءًا من الملا ولي أقدم أساتذة المقام العراقي (١٧٣٦ – ١٨٢٨م) مروراً بالعبقري عثمان الموصلي والمجدد محمد القبانجي وناظم الغزالي وصولًا لحامد السعدي وحسين الأعظمي وآخرين. أكثر من خمسين قارئٍ/ةٍ محترفٍ/ةٍ غلبت على أعدادهم الكبيرة نسبة الرجال؛ ربما لما يتطلبه أداء المقام حسب الموسيقيين والباحثين من صوت فحولي ذكوري بمساحات صوتية عريضة.
ما يسترعي الانتباه هو عدم نجاح المؤسسات الموسيقية العراقية الرسمية وغير الرسمية وحتى الفرق الموسيقية الخاصة بتصدير هذا الفن وتجديده أو تبنّي نتاج موسيقي يفرض تداخلًا مقاميًا مع ما يُقدم اليوم. على سبيل المثال يمكن تقديم وصلات مقامية مع ما تقدمه الفرق الرسمية من حفلات وأغاني يطغى على معظمها أغاني السبعينات وفلكلور وإرث الأخوين الكويتي. ما الذي يمنع أن يقدم فنانٌ ما اليوم كليبًا أو أغنية منفردة أو كَفر تكون بمقدمة مقامية؟ لا سيّما أن الأغنية العراقية اليوم تشهد أفضل أوقات وصولها للمستمع العربي.
خاتمة
لا علاقة لأطلال أم كلثوم بالمقام العراقي، هكذا اكتشفت بمراهقتي، كل ما هنالك أن أبي يحب أم كلثوم بعد فيروز، وحتى لا يشغل باله وقتها بأسئلتي رمى الكرة بملعب إبراهيم ناجي ورياض السنباطي. لم أفهم المقام حتى تشكّل وعيّي وبدأت أتقبل وأفهم ما يقول قارئ المقام الذي كنتُ أهاب طريقة أدائه وأراها أحيانًا مبالغة، صرتُ أهيمُ بالسلطنة حين أسمع ناظم الغزالي يقول:
نم أنتَ واتركْني بلا نومٍ ودَعْ / رُوحي ورُوحَك في الهوى تتكلَّما
هذا هو المقام، نوع فني له شخصيته وشكله وطابعه، ولا يشابه غيره، اكتسب فردانيته وندرة أدائه من الأرض والناس والمؤدين، صار رمزًا عراقيًا مفهومًا لكنه صعب، سهلٌ ممتنعٌ مثل شِعر شعبي عراقي يقوله النواب:
أحجي بكل حرير الله التعرفه وياك وتكلي خشن
