مالت نفس أمين حسنين للطرب وهو لم يغادر بعد حلقات الأزهر، ولم تحُل عمامته ولا قيود المجتمع ولا سلطة الأب بينه وبين أن يكون مطربًا. على مدى ثمانية عقود، عاش الشيخ حياته بتفانٍ للفن، أينما قاده ذلك التفاني، عبر الحدود والحروب والشك والريبة والمنفى ولعنات السياسة.
قاده الفن نحو تونس، عابرًا إليها من مآذن القاهرة وموالدها، ومقاهي دمشق واستوديوهات حلب، وشواطئ بيروت ونسيم القدس الليلي؛ وعاش فيها الفصل الأخير من حياةٍ نذرها للمغنى دون أن ينزع عن رأسه عمامة الشيخ، ربما وفاءً لذكرى والده الشيخ الأزهري حسنين سالم، أو إيمانًا منه بأن رقة روح المؤمن من رقة مزاجه ورهافة أذنه.
في عائلة من كبار ملاكي الأراضي بالقليوبية، ولد أمين في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، ونشأ في كنف والدٍ مشتغل بالعلوم الشرعية. كان والده يحلم أن يراه شيخًا أزهريًا يبلغ أعلى مراتب العلم، وربما يلحق بهيئة التدريس بالجامع الأعظم. على خلاف رغبة والده، التحق أمين في البداية بإحدى المدارس الحكومية، وقد أعفاه تفوقه الدراسي من الخدمة العسكرية. بعد سنتين من التعليم الثانوي، انجذب إلى السلك العسكري متأثرًا بأحد أخواله ذوي الرتب في الجيش، والتحق بالمدرسة الحربية، بالضد أيضًا من رغبة والده؛ ثم ما لبث أن انقطع عن التعليم العسكري والتحق بالجامع الأزهر حيث أسعفته الأقدار بلقاء من أصبح أحد أقرب أصدقائه، الشيخ زكريا أحمد.
كان أمين وزكريا يختلسان الوقت خفية عن والديهما لتلقي دروس على يد الشيخ درويش الحريري في بيته، حيث تعلموا المقامات والموازين. حفظ الاثنان عن الحريري نصيبًا وافرًا من الموشحات والأدوار، بوصفه رائد عصره في ذلك؛ إذ اعتُمد في المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة سنة ١٩٣٢ لتوثيق جملة من الموشحات.
التحق أمين بعدها بنادي الموسيقى الشرقية برئاسة عازف القانون مصطفى بك رضا، الذي أسسه هواة الموسيقى من أبناء العائلات الوجيهة والثرية ليصبح بعد سنوات معهد الموسيقى العربية بالقاهرة. بالإضافة إلى ذلك أكمل أمين معرفته بالمغنى وأصوله بالجلوس إلى واحد من أقطاب الصناعة في عصره، داوود حسني.
ارتبط قرار أمين حسنين بسلوك طريق الغناء بالضرورة بمواجهةٍ لسلطة والده، الذي حاول دائمًا إرجاعه إلى طريق العلم الشرعي دون جدوى. حتى بلغ الأمر القطيعة بينهما، عندما أعلن الشيخ حسنين سالم براءته من نجله أمين . مع ذلك، تابع الابن طريقه نحو احتراف الغناء، دون أن ينزع العمامة.
شكلت فترة نهاية الحرب العالمية الأولى الانطلاقة الرسمية للشيخ أمين في عوالم الطرب، وقد تزامن ذلك مع ابتعاد الموسيقى العربية عن الموشحات والأدوار نحو أغانٍ أكثر خفةً من حيث اللحن أو الكلمات. ركب أمين حسنين هذه الموجة باكرًا من خلال أول طقطوقة غناها: إوعى تكلمني بابا جاي ورايا، التي لحنها صديقه الشيخ زكريا أحمد، وكانت شاهدةً على المفارقة بين اسمه الذي يسبقه لقب الشيخ وهيئته الأزهرية وبين كلماتها الخفيفة حد التهتكّ، رغم أن الباحث لطفي المرايحي يرى في كتابه عن سيرة أمين حسنين الفنية أن “طقاطيق الشيخ أمين تميّزت بخلوها من الإسفاف الشائع، فكانت كلماتها عامية بسيطة ولكن خالية من الخلاعة.”
ينسب المرايحي للشيخ أمين أنه سجل عددًا من الأدوار، وقد خصه الملحن الكبير محمد القصبجي بثمانية أدوار من مجموع ثلاثة عشر دورًا لحّنها بين ١٩١٨ و١٩١٩، في دلالةٍ على المكانة التي كسبها أمين في الساحة الغنائية المصرية حينذاك؛ والتي جلبت له دخلًا وفيرًا وشهرةً خلال الثلاثينات ترسخت من خلال أغنيته شبيكي لبيكي، من كلمات بديع خيري وألحان زكريا أحمد. دفعت به هذه الشهرة إلى سلوك طريق الشرق عام ١٩٣٢، وتحديدًا دمشق حيث أقام حفلاتٍ وتعرف على أهل الطرب في الشام، وحيث ربطت بينه وبين عازف البزق الشهير محمد عبد الكريم صداقة وطيدة. طاف أمين لاحقًا بين عمان وبغداد وفي حلب، وتعاقد مع إحدى شركات الأسطوانات لتسجيل سوَرٍ من القرآن ومواويل وقصائد في مدح الرسول.
بعد المشرق مالت نفس أمين حسنين إلى شد الرحال نحو بلاد المغرب. كانت واسطته في دخول المغرب صديقه الملحن سيد شطّا. استقر شطا في تونس مطلع الثلاثينات وحقق فيها شهرةً واسعة، لاسيما بعد إنشاء الإذاعة التونسية، التي خصصت له عام ١٩٣٨ برنامجًا أسبوعيًا؛ العام نفسه الذي وصل فيه الشيخ أمين حسنين إلى تونس أول مرة.
رتب شطا للشيخ أمين إقامة عديد الحفلات في البلاد ثم أخذه معه إلى المغرب الأقصى؛ إذ ربطت بين سيد شطا والتهامي الكلاوي، باشا مراكش والحاكم الفعلي لجنوب المغرب حينذاك، صداقة. كان التهامي الكلاوي في أوج مجده حينذاك، حيث ارتبط اسمه بصورة من البهاء والعجائب الشرقية، التي لم يتمكن حتى أمراء المهراجا في الهند من منافستها. كان يعيش في بذخ يحاكي ألف ليلة وليلة، مستفيدًا من سيطرته على طرق القوافل جنوب المغرب ومسنودًا ببركة سلطان المغرب والاستعمار الفرنسي. امتد قصر التهامي في قلب مراكش على مساحة هائلة، تشمل الحدائق والمتنزهات ضخمة، يجمع فيه كل عامٍ نجوم الغناء والسينما من العالم والعالم العربي، كفريد الأطرش وسامية جمال .
عندما عاد الشيخ أمين من المغرب إلى تونس عام ١٩٣٩ منحه أمير البلاد أحمد باشا الثاني نيشان الافتخار من الدرجة الثالثة. ربما دفعت الحظوة التي وجدها في بلاد المغرب من السلطة، والريع الوفير الذي كسبه من المغنى، بالشيخ أمين إلى الاستقرار في تونس والزواج من تونسية.
لكن ما لبثت فسحة السلام أن أغلقت. في العام نفسه اندلعت الحرب العالمية الثانية، وبحلول نوفمبر ١٩٤٢ سيطرت قوات المحور على تونس. مع ذلك واصل أمين حسنين مقامه في البلاد، وحفلاته، فلم تكن العودة إلى مصر سهلةً بسبب تقطع السبل، حيث تحولت بلاد المغرب إلى مسرحٍ للمعارك بين الحلفاء والمحور وكانت طريق طرابلس مغلقة، أما طريق البحر فتشبه سبيلًا للانتحار.
كان مكوثه في تونس تحت سيطرة الألمان سببًا في أكثر الوقائع التي ارتبطت بسيرته، وهي علاقة الصداقة التي جمعته مع الفيلد مارشال إرفين رومل، قائد القوات الألمانية النازية في شمال أفريقيا والمعروف بثعلب الصحراء. يبدو أن حسنين كان ككثيرٍ من العرب حينذاك، متأثرًا بالانتصارات التي حققتها ألمانيا النازية وربما بالدعاية التي كانت تبثها إذاعة برلين بقيادة العراقي يونس بحري. يشير لطفي المرايحي في كتابه عن سيرة حسنين بالقول إلى أنه “نشأت بينه وبين رومل مودة جعلت الشيخ أمين يقضي الليالي معه، يغني تارة ويعزف له المارشال تارةً على البيانو.”
في رحلته لتونس، التي ضمها كتابه رحلات ابن عطوطة، التقى الكاتب المصري الساخر محمود السعدني بالشيخ أمين أواخر الخمسينات وحكى له عن علاقته بالقائد الألماني: “خلال احتلال ألمانيا لتونس، كان ثعلب الصحراء رومل يتردد عليه في منزله ليستمع إلى فنه العظيم، وأهداه علبة ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة ليحتفظ فيها بالنشوق . رأيت هدية رومل مع الشيخ أمين وكان يعتز بها اعتزازًا خاصًّا، كما كان فخورًا بصداقة صاحبها، وقال لي وهو يتنهد أسفًا: كان رومل يحب الإسلام، وكان في سلوكه يتشبَّه بالمسلمين الصالحين.”
على قلقٍ كأن الريح تحته، لم تلبث صداقة الشيخ أمين مع رومل أن توطدت حتى جاء قدر الحلفاء لينهيها. في يناير ١٩٤٣ شرعت قوات الحلفاء في حملة واسعة لطرد الألمان من تونس انتهت بمحاصرة قوات رومل وهزيمتها في مايو من العام نفسه. خلال الحملة عاش الشيخ وعائلته شريدًا بين ضواحي العاصمة تونس بحثًا عن الأمان من الغارات الجوية، وكاد أن يلقى حتفه في واحدةٍ منها، ذهبت بجزء من شاربه الأيسر؛ ولأنه كان محسوبًا على الألمان فقد فضّل العودة إلى مصر خشيةً من الانتقام.
يقول المرايحي في القصة التي نقلها عن زوجة الشيخ أمين إنه: ”بعد عودته إلى القاهرة عام ١٩٤٤، وجد الساحة الفنية قد تغيرت جذريًا. حيث كانت أم كلثوم وعبد الوهاب متربعين على العرش. كان نشاط أمين حسنين قد أصبح موسميًا وموزعًا على المحافظات، ومعظمه إنشاد وترتيل للقرآن الكريم. مع تقدم السنين، تراجع عدد السميعة الذين كانوا يُقبلون على الدور والموشح والقصيد. أما الجيل الجديد فمعرض عن كل ما هو أصيل، ويميل إلى الأصوات الجديدة. ورغم سعي الشيخ لدى مدير الإذاعة، مصطفى رضا، لاستعادة برنامجه في الإنشاد، لكنه أُجيب بأنها انتقلت إلى طه الفشني. فاقترح عليه المدير تخصيص برنامجٍ لإذاعة الأغاني التونسية التي يحفظها. فاختار الشيخ أغنية علي الرياحي بعنوان ما حبيتش وعمري ما نحب، لكن المشروع أُلغي؛ فاختار الهجرة مرة أخرى نحو الشرق، للعمل في إذاعة القدس.” ليتزامن وصوله إلى فلسطين مع قرار تقسيمها بقرار من هيئة الأمم المتحدة بين العرب واليهود. ظلت لعنة الحروب تلاحق الشيخ أمين، فتبخر حلمه بالعمل في إذاعة القدس، بعد أن نجا من غارة استهدفت مبنى الإذاعة خلال حرب ١٩٤٨.
عقب استقلال تونس، وبعد أن ضاقت به الحياة في مصر، قرر الشيخ أمين حسنين العودة إلى تونس مع عائلته وصديقه سيد شطا؛ وأصبحا يقدمان معًا برنامجًا في الإذاعة التونسية. يرى لطفي المرايحي من خلال الجرد الذي أجراه لتسجيلات الشيخ في الإذاعة التونسية أن “صوته في هذه الفترة لم يعد كما عهده المستمع عند قدومه الأول؛ فآثار الشيخوخة والإسراف في التدخين وتناول المكيفات قد دخلت عليه، ما أدى إلى فقدان الكثير من رنينه وصفائه وتراجع نفسه ومساحاته. لكن صنعته وحرفته المكتسبتين طول هذه السنين كانتا خير سند له. فقد ظل متمكنًا تمام التمكن من أداء جميع الأنماط الكلاسيكية، وقادرًا على التصرف في مقاماتها بحرفية عالية.”
ظلت لعنة السياسة مرافقةً لمسيرة أمين حسنين؛ حيث بدأت العلاقات بين تونس بقيادة الحبيب بورقيبة ومصر بقيادة جمال عبد الناصر في التدهور منذ ١٩٥٨، إذ اتهم بورقيبة مصر بدعم المعارضة بقيادة صالح بن يوسف، وقد عمقت الثورة الجزائرية الخلاف بين الطرفين. في ذلك المناخ المتوتر، قررت الإذاعة التونسية مطلع عام ١٩٦١ وقف برنامج الشيخ أمين، بأوامرٍ من ديوان رئيس الجمهورية.
وفقًا لرواية لطفي المرايحي، التي نقلها عن عائلة الشيخ، بلغه أنه متهم بـ “التجسس لصالح الحكومة المصرية” ظل الشيخ على ذلك الحال من العطالة حتى عام ١٩٦٣، عندما عاد إلى الإذاعة والغناء مع الفرق الإنشادية حتى وفاته عام ١٩٦٥. في غرفة مستشفى بيضاء في تونس، رفع أمين حسنين سيجارة ممنوعة إلى شفتيه بفخر صغير ومشاكس، من النوع الذي دأب على شربه لعقودٍ، نفسان رقيقان، وابتسامة خافتة؛ ثم انزلق الهباء من أصابعه.
