قرصٌ لا يمسه إلا المطهّرون | جدلية التشريع حول أولى أسطوانات القرآن

مقالات - كتابة: عمرو نصحي - ٢٠٢٦/٠٦/٢٢
قرصٌ لا يمسه إلا المطهّرون | جدلية التشريع حول أولى أسطوانات القرآن
تحميل...

على متن باخرة الإسماعيلية المتوجّهة من القسطنطينية إلى الإسكندرية، كان يجلس هينريك بامب مع زوجته إليزابيث وفنّي الصوت ويلي بيليفيلد، ممثلي شركة الأسطوانات الألمانية بِكا، وفي جعبتهم الأجهزة اللازمة للتسجيل وعقد بقيمة ستة وعشرين ألف فرنك موجّه إلى الشيخ يوسف المنيلاوي، أعظم مطربي القاهرة في ذلك الزمن. لكن العقد الأوّل لم يكن المهمة الأصعب.

كانت المهمة الأصعب تسجيل القرآن على أسطوانة، ما كان يُعدّ في مصر عام ١٩٠٥ فعلًا مستهجَنًا ومحفوفًا بالتحريم الديني.

نجح بامب في مهمته الأولى وأبرم عقده مع المنيلاوي، وأهدى أسطواناته ملصقًا خاصًا يحمل اسم سمع الملوك يتوسّطه عودَان متصالبان. أما المهمة الثانية، فحين استعصت بالطرق المشروعة، مضى إليها من طريقٍ آخر، إذ وجد في الشيخ محمد سليم من يمكن إغراؤه بمبلغ مالي، أحجم عن ذكر قدره، فاستجاب الشيخ، وبدأ التسجيل. كان يأتي سرًا في السابعة صباحًا، بعد أن ينتهي الجميع من جلسات التسجيل الليلية التي كانت تمتد من العاشرة مساءً حتى الرابعة فجرًا طوال أيام رمضان .

بعد أن انتهت حملة التسجيل وعادت فرقة بامب إلى أوروبا بأسطواناتها، وصلت تلك الأسطوانات إلى الأسواق المصرية مطلع عام ١٩٠٦. كانت إعلانات الوكيل الرسمي للشركة، محلات أوروزدي باك لمالكها عمر أفندي، تملأ صفحات الأهرام منذ مارس من ذلك العام، تُبشّر بوصول تسجيلات الشيخ يوسف المنيلاوي، وبوصولها وصلت معها بالضرورة تسجيلات الشيخ محمد سليم، التي سُجِّلَت في نفس الوقت.

لكن من فتح إحدى تلك الأسطوانات وجد شيئًا لم يكن ينتظره. أسطوانة واحدة، وجهان: على الأول سورة الرحمن بصوت الشيخ محمد سليم، وعلى الثاني التسجيل الساخر قافية عاشورا للمونولوجيست الأشهر سيد قشطة؛ وأسطوانة أخرى: وجهٌ بأغنية، ووجهٌ بسورة يوسف. تسجيلان فصل بينهما عشرة أشهر، ومحتويان لا يجمعهما جامع، مضمومان في قرصٍ واحد يدور على آلة واحدة.

الأرجح أن هذا لم يكن مؤامرة مدبّرة ولا استهانةً متعمدة أبدًا؛ حيث كان منطق السوق الذي يعمل من منطلق أن الأسطوانة وجهان، والوجه الفارغ لا بد من ملئه، فيُملأ بما هو متاح، خاصةً أن شركات الأسطوانات كانت ترى القرآن مثله كمثل أي قطعة موسيقية أخرى لا ينظر لها بوجهٍ من القداسة. الحقيقة أن تلك النظرة لم تكن بعيدة عن ما كان الوضع عليه، فنجد، على سبيل المثال، الملحن داود حسني يقول: “إنني لا أخشى على الموسيقى المصرية الحقة من الضياع ما دام هناك قرآن عربي أحكمت آياته بالنغم الشرقي.” وهي جملة لم تُقابَل وقتها بأي استغراب أو رفض، ما يكشف الربط الدائم بين التلاوة والموسيقى .

غير أن هذا التفسير يظل ناقصًا، إذ كان بإمكانهم أن يملأوا الوجهين بقرآن فقط لو أرادوا. لكن، يبدو بشكلٍ واضح أن أصحاب شركات الأسطوانات لم يكونوا مهتمين بطبيعة موسيقى السوق الذي يدخلونه؛ نرى ذلك جليًّا في وثيقة من أرشيف مصنع هايز ، المصنّع لأسطوانات شركة جراموفون، إذ تحمل الوثيقة خطابًا مرسلًا من فرع فيينا ممثّلًا في رئيسه جوهان هارتكوب إلى فرع الشركة الرئيسي الكائن في لندن تنص على أن حظر تسجيل آيات القرآن لازال قائمًا بأمرٍ من الحكومة، وأنهم شرعوا في تسجيل نوعٍ جديد من الأغاني أسموه Gesida، وكان يقصد بذلك قالب القصيدة. إلا أن الوثيقة تكشف بجلاء جهلَ محرّرها التام بهذا القالب الغنائي العريق؛ فهو لا يعلم ما تعنيه الكلمة أصلًا، إذ جاء في الخطاب بالحرف: “لا نعلم ما المقصود بكلمة Gesida”، وذهب إلى أنه لا توجد في الأسواق المصرية سوى أغانٍ فردية بسيطة، وهو ما يعكس قصورًا أعمق في الفهم يتجلى في طريقة إدارة حملات التسجيل ذاتها؛ إذ لم يلتزم المسجّلون بمبدأ الوصلة الموسيقية التي تقوم على التوحد المقامي المتناسق، فنجد في سجلات تلك الحملات أكثر من تسجيل أُنجز في الساعة الواحدة دون أي اعتبار للتجانس المقامي أو الانتقال السليم بين المقامات، ما يكشف أن المسجّلين كانوا ينظرون إلى الأغنية العربية باعتبارها وحداتٍ منفصلة قابلة للتبادل، لا باعتبارها منظومةً موسيقية متكاملة تحكمها قواعد وأصول .

رسالة من جوهان هارتكوب إلى فرع الشركة الرئيسي الكائن في لندن، محفوظة في أرشيف EMI

لكن النتيجة كانت واحدة في الحالتين: أسطوانة يديرها المشتري بالحركة ذاتها سواء أراد سماع الشيخ محمد سليم يتلو أو أراد سماع سيد قشطة يقفّي، آلة واحدة، وإبرة واحدة، ولا شيء يُشير إلى أن ثمة فارقًا ينبغي مراعاته، وهو الشيء الذي لم يعجب الأزهر، متمثلًا في شخص عبد الرحمن الشربيني، شيخ الأزهر في الفترة بين عامي ١٩٠٥ و١٩٠٧.

في العاشر من يوليو ١٩٠٦، أي بعد أربعة أشهر من وصول تلك الإعلانات إلى صفحات الأهرام، وضع الشيخ عبد الرحمن الشربيني من مشيخة الجامع الأزهر ختمه على خطابٍ موجّه إلى نظارة الداخلية. كان يكتب بعد أن رأى أو سمع بما وصلت إليه تلك الأسطوانات في الأسواق والقهاوي وأماكن الملاهي، وما يحدث حين يضعها المشتري في آلته بلا تفرقة.

يشير الشربيني في رسالته إلى حرمة القرآن وسائر الكتب السماوية، ثم يصف استعمال أسطوانات القرآن أنه “كاستعماله غيرها من الأسطوانات المملوءة بالأغاني وألفاظ القبح والفجور بدون تفرقة، وخصوصًا في الأماكن العمومية من محلات الملاهي”، وعلى هذا الأساس يطلب من نظارة الداخلية منع هذه الأسطوانات حفظًا لكرامة القرآن الكريم

تبدو وجهة نظر الشيخ الشربيني قاطعة ومقتضبة بعض الشيء، وهو ما لا تبدو عليه باقي وجهات نظر المشايخ الآخرين؛ إذ أن منهم من أورد كتابًا في تفصيل الموضوع من الناحية الفقهية والكلامية، مثل الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار آنذاك، ومنهم من أورد ورقة أكثر تفصيلًا وتطرح الموضوع من ناحية قياسية، مثل الشيخ عبدالله صالح الزواوي.

حين وضع الشيخ عبد الرحمن الشربيني ختمه على خطابه إلى نظارة الداخلية في يوليو ١٩٠٦، كان يدرك أنه يكتب عن شيء يصعب تسميته بدقة. المشكلة التي يصفها لا تقع في طبيعة الفونوغراف، ولا في قراءة القرآن. المشكلة كانت في لحظة اصطفاف الأسطوانة القرآنية في الدُكّان جنبًا إلى جنب مع أسطوانة الغناء، وامتداد يد المشتري إليهما بالحركة ذاتها، والثمن ذاته، واللا مبالاة ذاتها؛ لتتناولها أيدي “النصارى والمجوس وغيرهم” بالتعبير الذي استخدمه سائل الزواوي من جهته.

بالطبع كانت نظرة الشربيني قاصرةً يغلب عليها الهاجس الأخلاقي والإداري أكثر من التحليل الأنطولوجي، وتبيان قصورها يأتي عند مقارنتها بوجهات نظر غيره التي كانت أكثر تفصيلًا وأكثر منطقية.

جاء جواب الشربيني على هذه المعضلة إداريًا في مضمونه: منع، حظر، مكاتبة للنظارة، استنجاد بالسلطة. هذا الاختيار في حد ذاته كاشف، لأن الشربيني لم يستطع أو لم يشأ أن يجيب على السؤال الكامن تحت سطح كلامه كله: ما طبيعة هذا الصوت أصلًا؟ هل ما يخرج من أنبوب الفونوغراف قرآنٌ حقيقي؟ وإن كان كذلك، فما الذي يترتب على ذلك من أحكام؟ أحسّ الشربيني بثقل المشكلة ومضى إلى طلب الحل قبل أن يحسم التشخيص، وهذا بالضبط ما فعله الفقهاء الذين قرأوا خطابه، حيث ردّوه إلى السؤال الأعمق.

صورة ما تحرر إلى نظارة الداخلية من الشيخ عبد الرحمن الشربيني في العاشر من يوليو ١٩٠٦ تحت نمرة ١١٨٠صورة ما تحرر إلى نظارة الداخلية من الشيخ عبد الرحمن الشربيني في العاشر من يوليو ١٩٠٦ تحت نمرة ١١٨٠

هذا السؤال هو ما أمضى فيه الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية، عشرات الصفحات من فلسفة وعلم كلام قبل أن يصل إلى أي حكم فقهي صريح، في موقف معرفي مُضمَر منزّه عن الاستعراض؛ إذ يرى المطيعي أن الحكم الفقهي على شيء لا يمكن أن يسبق فهم طبيعته، وأن الفقيه الذي يُفتي قبل أن يعرف ما يُفتي فيه يتكلم في الهواء.

يبدأ المطيعي من التمييز الكلاسيكي في علم الكلام بين الكلام النفسي والكلام اللفظي، لكنه يستخدمه للوصول إلى نتيجة كانت ستبدو غريبة لو قيلت خارج هذا المسلك الطويل.

الكلام النفسي عنده هو الترتيب الأزلي القائم في علم الله، قائمٌ بذاته قبل أي حرف أو صوت، وهو صفة إلهية أزلية لا يدخلها الحدوث. أما الكلام اللفظي فهو الإبراز الذي أبرزه الله بقدرته في شكل حروف وأصوات منزّلة، وهذا الإبراز لا يختص بمحلٍّ دون آخر، ولا بناطق دون آخر. النقطة الجوهرية التي يُلحّ عليها المطيعي ويعود إليها أكثر من مرة هي أن سيدنا موسى سمع كلام الله من شجرة، وهي جماد لا عقل له ولا قصد، ولم يقل أحد من الأئمة أن ما سمعه لم يكن كلامًا إلهيًا حقيقيًا. كانت الشجرة محلًا لصدور الكلام لا مصدرًا له، وهنا كل الفرق. إذًا، ما الذي يجعل الفونوغراف مختلفًا في المبدأ؟

يعمل المطيعي بمنهج المقارنة التدريجية ليصل إلى القياس: الفونوغراف جماد ينطق بكلمات حقيقية بواسطة اهتزازات الهواء، تمامًا كما تنطق الشجرة بكلمات حقيقية بواسطة ما خلق الله فيها. ليس ما يُسمع من الفونوغراف صدًى ولا انعكاسًا صوتيًا كالذي يُسمع في الجبال، إنما هو نطق لفظي تحمله موجات الهواء كما يُحمل كل صوت. يشرح المطيعي آلية الفونوغراف بدقة ليُثبت هذه النقطة: ترسم الإبرة في الأسطوانة مخارج الحروف ذاتها، وحين تُعاد إدارة الأسطوانة تُعيد تلك المخارجُ تقطيعَ الهواء على النحو نفسه الذي قطّعه المتكلم الأول.

لهذا ينتهي المطيعي إلى أن ما ينطق به الفونوغراف قرآنٌ حقيقي، وأنه يستحق من الاحترام والأحكام ما يستحقه القرآن الذي يتلوه إنسان، مع استثناء ما يتوقف حكمه على الشعور والقصد كسجود التلاوة، إذ الآلة لا شعور لها ولا قصد. عبّرت مجلة المنار عن تلك المسألة بتعليق يوحي بالجواز لا الإلزام، نستشف من اختلاف الحكم هنا اختلاف المذاهب أيضًا، حيث تبنى المطيعي في طرحه المذهب الحنفي، وتبنت مجلة المنار في طرحها المذهب الشافعي .

على أية حال، لا يُنقص هذا من كون المتلوّ قرآنًا، كما أن المأموم لا يسجد لسماعه الإمام عند الحنفية لأسبابٍ لا تتعلق بطبيعة المسموع؛ إذ أن السجود عند سماع آية السجدة له شروط، من أهمها أن لا يكون القارئ محجورًا عليه في القراءة، أي مأموم، وأن يتوفر القصد والنية. من هنا، عند الحنفية، لو قرأ المأموم آية سجدة فسمعها المأمومين والإمام، لا يُشرع لهما السجود، لا لأن ما سُمع ليس قرآنًا، بل لأن المأموم محجور عليه في القراءة أصلًا، فهو غير مكتمل الحرية في هذا الموقف، إذ يتحول بذلك المأموم إلى شبه إمام.

بالمنطق ذاته يرى المطيعي أن الفونوغراف يأخذ حكم المحجور عليه: فهو منعدم القصد والنية، فلا يُشرع السجود لسماع آية السجدة منه، لا لأن ما خرج منه ليس قرآنًا، بل لانعدام الشرط المتعلق بالقارئ.

غلاف كتاب رسالتان إحداهما في أحكام قراءة الفونوغراف ثانيتهما في أحكام السكورتاه للشيخ محمد بخيت المطيعي

غير أن المطيعي حين تعرّض للانتقادات التي طالت رسالته الأولى، وهي انتقادات نقلها في رسالته الثانية: إزاحة الوهم والاشتباه عن رسالتي الفونوغراف والسكورتاه، كشف عن بُعد آخر في تفكيره. رأى المعترضون أنه أدخل في مسألة فقهية عملية علمًا كلاميًا مسهبًا لا محل له، وأنه وصف الفونوغراف وصف من لم يره. رد المطيعي على الاتهام الثاني بأنه أخذ وصفه من أهل الخبرة وأن نتيجته مطابقة لما نُشِرَ بمجلة المقتطف . أما الاتهام الأول، فردّه بأن علم الكلام هنا كان مفتاح المسألة برمّتها؛ إذ أن من لم يفهم أن القرآن واحد بالذات في وجوداته الأربعة، العلمي والحقيقي والمكتوب والملفوظ، لم يستطع أن يحكم على ما يصدر من الفونوغراف بأنه قرآن أو غير قرآن .

حين نقرأ فتوى الشيخ صالح الزواوي، المحفوظة في جامعة لايدن تحت رقم or: 8952، إلى جانب كلام المطيعي، ندرك أن الرجلين يشتغلان بأدوات مختلفة على الإشكالية ذاتها. يبني المطيعي من الأعلى إلى الأسفل، من الفلسفة الكلامية إلى الحكم الفقهي. بينما يبني الزواوي من الأسفل إلى الأعلى، من الحكم الفقهي الجزئي إلى المبدأ العام. يجعل هذا قراءة الزواوي ممتعة بطريقة مغايرة، لأنه يصل إلى توافقات مع المطيعي في بعض النتائج عبر طريق مختلف تمامًا. 

يبدأ الزواوي من سؤالٍ قياسي: في أي خانة من الخانات الفقهية الموجودة يمكن أن تدخل الأسطوانة؟ هل هي كالمصحف؟ كالألواح التي يُكتب عليها القرآن؟ ويصل عبر هذه المقارنات إلى نقطة تبدو بسيطة لكنها تحمل ثقلًا: ليس احترامنا للورق واللوح والجلد لخاصية في الورق ذاته ولا في شكل الخط، بل لنسبتها إلى القرآن؛ وإذا كانت للمصاحف المكتوبة بخط دقيق لا يُرى إلا بالمكبّرات حرمة ثابتة على من يعلم ما تحمل، فما الذي يجعل الأسطوانة أدنى منزلةً، وهي أيضًا لا تُسمع إلا بواسطة آلتها؟ القياس عنده صحيح لوجود اشتباه بين المقيس والمقيس عليه ولأن وجه الشبه واحد في الحالتين، حيث أن كلاهما يحتاج إلى وسيط ليُدرَك، وكلاهما يحمل القرآن.

الإضافة التي تجعل نظرة الزواوي مثيرةً للاهتمام هي حين يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد إثبات التساوي في الحرمة، فيقول إن نقوش الأسطوانة تُدرك بحاسة السمع ويدركها كل من يسمع، في حين أن الكتابة الخطية تُدرك بحاسة البصر ولا يعرفها إلا من يعرف الخط. عليه، فالأسطوانة في وجه من الوجوه أولى بالاحترام لأن دلالتها أعم؛ وهو يُعزّز هذه الفكرة بملاحظة تقنية دقيقة: الكتابة الخطية كتابة اصطلاحية يقع فيها الخطأ من الكاتب ومن القارئ، أما النقوش الأسطوانية فهي “كتابة طبيعية حدثت من تموج الهواء بالقراءة اللفظية بواسطة الإبرة”، تُعيد الكلام كما بدأه القارئ لا تخطئ. ثم يمضي إلى استنتاج لافت: لو كان الفونوغراف موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحُفظت قراءته فيه، لقُطع بأن هذا هو أداء القرآن كما تُلي، وعُدّ ذلك قطعيًا.

لكن الزواوي يُضيف في خاتمة فتواه تحفظًا يستحق التوقف عنده، حين يقول أن “الأولى للقارئ ألا يودع قراءته في الأسطوانات، صوناً للقرآن عن أن تتناوله أيدي أهل اللعب والمخالفين في الدين.” يُبقي هذا التحفظ الإباحة قائمة من حيث المبدأ، لكنه يُرجع القلق نفسه الذي افتتح به الشربيني خطابه إلى نظارة الداخلية، الخطر في اليد الممتدة إلى الأسطوانة، في ما يحدث بعد التسجيل لا في التسجيل ذاته.

الطريف أن الثلاثة يصلون إلى موقف عملي متقارب رغم هذا التباين في المنطلقات. الشربيني يريد الحظر بقرار. المطيعي يُجيز لكنه يجعل الجواز مشروطاً بالنية وحسن الاستماع وصحة الأداء. الزواوي يُجيز لكنه يستحسن الإحجام. يكمن تحت هذه التفاوتات توافق صامت بين وجهات النظر الثلاث، وهو أن الخطر الحقيقي في تداول الأسطوانة لا في وجودها أو في طبيعتها، وإنما في ما يحدث حين تخرج إلى يد العامة.

لم تستمر الحيرة الفقهية طويلًا في الفضاء النظري. في يونيو ١٩٠٦، أي قبل أسابيع قليلة من خطاب الشربيني إلى نظارة الداخلية، انعقد مجلس العلماء في الجامع الأزهر وأصدر ما يشبه الحكم الختامي بالجواز في المسألة؛ ما يثير الاستغراب حول مدى تأثير صوت الشربيني شيخ الأزهر حينها. نقلت مجلة Phonographische Zeitschrift حكم المجلس تحت عنوان القرآن والفونوغراف مشيرةً إلى أن مجلس الأزهر أبدى رأيًا مؤيدًا لاستخدام الفونوغراف في تلاوة القرآن، معتبرًا أن هذا لا يمسّ قدسية النص بل قد يكون فيه فائدة عظيمة للمؤمنين. أما اقتراحٌ مصاحب بإنشاء نظام تأمين ضد الحرائق والحوادث، فقد رُفض لتعارضه مع العقيدة القدَرية .

غير أن الخلاصة الفقهية وحدها لم تكن كافية لتحسم ما جرى بعدها على أرض الواقع. الذي أعطى تلك الخلاصة معناها الحقيقي كان شخص واحد: الشيخ محمد سليم، الذي كان قد دخل هذه الحكاية من بابها الضيّق، بابًا سريًا لا يهتم إلا بالمادة في نوفمبر ١٩٠٥، ثم خرج منها إلى فضاء مختلف تمامًا.

حين سجّل الشيخ محمد سليم مع شركة بِكا، كانت ثماني تسجيلات تمّت في الخفاء، بأموالٍ دفعها بامب باعتبارها إغراءً لا عقدًا. لكن الشيخ نفسه حين عاد إلى الاستوديو في أكتوبر ١٩٠٦، مع شركة زونوفون التابعة لشركة جراموفون، أي بعد أشهر قليلة من قرار مجلس الأزهر، سجّل بشكلٍ مختلف؛ أربع أسطوانات في العلن وفي مواعيد التسجيل الطبيعية، كل أسطوانة بوجهين، كل وجه مقتطف من سورة بعينها. الفارق بين الحملتين، مارس وأكتوبر من العام ذاته للشركة نفسها، يصعب إغفاله، ففي مارس، أي قبل إلغاء الحظر، كان الشيخ محمد سليم يسجّل مع الشركة ذاتها أدوارًا وموشحات، والفاصل بين الجلستين أشهر لا سنوات، لكن أكتوبر جاء بأسطواناتٍ أغلبها قرآنية.

الأرجح أن قرار الأزهر أزاح الوطأة عن كاهل المسجّلين والشركات معًا. التسجيل الذي كان يتمّ في السرية والفجر صار ممكنًا في وضح النهار وبعقدٍ رسمي، والشيخ الذي كان يتلقّى إغراءً صار يُبرم اتفاقيات.

ثم تبع زونوفون شركةٌ أخرى: أوديون، التي سجّلت ثمانية تسجيلات في العام ذاته، وجاءت بيضافون بعدها بعشرة أسطوانات عام ١٩١٢، وكلها لصوت الشيخ محمد سليم. أصبح صوت الرجل الذي دخل تاريخ التسجيل القرآني من باب الرشوة هو المرجع الذي تتنافس عليه الشركات.

ثم جاءت في المشهد شركةٌ من طبيعة مختلفة؛ شركة أورفيون التركية التي تأسست في إسطنبول عام  ١٩١٢ على يد الأخوان بلومينتال، ودخلت سوق التسجيل المصري حوالي العام ١٩١٣ حاملةً معها منطقًا تجاريًا مغايرًا. فبينما كانت الشركات الأوروبية تتعامل مع القرآن الكريم باعتباره مادةً حساسة يُتحاشى الاقتراب منها تجنبًا للمشاكل التي قد تلحق أضرارًا اقتصادية جسيمة بالشركة، أقدمت أورفيون على تسجيل عددٍ وافر من التلاوات القرآنية في وقتٍ كان ذلك لا يزال أمرًا نادرًا، وذهبت أبعد من ذلك؛ إذ فتحت أبوابها لأسماء مغمورة من أمثال الشيخة مبروكة والشيخ عويس الأنصاري. نستطيع أن نفسّر ذلك بالعشوائية التي كانت تدار بها الشركة وعدم قدرتها على الدفع لمطربين ومشايخ كبار. ليس المنطق هنا غامضًا؛ إذ كانت أسطوانات أورفيون المصرية تُوزَّع في السوقين المصري والتركي معًا، وكلاهما سوقٌ مسلم تتمتع فيه بقوةٍ شرائية حقيقية وطلبٍ راسخ.

لكن لم يعنِ هذا التوسع في التسجيل غيابَ الرقابة، بل ربما العكس تمامًا. يُلقي ما كشفه خبر نشرته جريدة الأهرام عام ١٩٣٨ بظلاله على كل ما سبقه: شركة أسطوانات عرضت تسجيلاتها القرآنية على لجنة برئاسة شيخ المقارئ، فأبدت اللجنة ملاحظات على صوت المقرئ وطريقة أدائه، وأفتت فورًا بإعدام خمسة عشر ألف نسخة.

تكشف هذه الواقعة أن منظومة الرقابة على أسطوانات القرآن تشكّلت قبل أي رقابة مماثلة على أسطوانات الأغاني. الأمر مثيرٌ للتأمل. الشيء الذي بدأ محظورًا، والذي استدعى رشوةً وسرية وجدلًا فقهيًا امتد عامًا كاملًا، أصبح خلال سنوات خاضعًا لآليات ضبط أكثر صرامة مما خضعت له الموسيقى والغناء. كأن السماح بالتسجيل جاء مصحوبًا بشرط ضمني، وهو أن القرآن إن دخل الأسطوانة، فلن يدخلها دون حارس؛ وأصبح الحارس هنا شيخ المقارئ الذي يستمع ويُدقّق ويُصدر حكمه بإعدام آلاف النسخ.

ما يجعل نقاش ١٩٠٦ مثيرًا للاهتمام حقًا هو أنه كان أول مرة يُجبَر فيها الفكر الديني الإسلامي على مواجهة فكرة أن الصوت يمكن أن ينفصل عن صاحبه، أن التلاوة يمكن أن تسبق القارئ وتبقى بعده، وأن المسافة بين الفم والأذن لم تعد مسافة مادية يمكن قياسها أو ضبطها. حين تلا سرًا، كان جسد الشيخ محمد سليم حاضرًا في الاستوديو، لكن أصبح صوته منذ تلك اللحظة شيئًا آخر، يمكن تشغيله وإيقافه وبيعه وإعدامه وسماعه من خلال وسائط عدة عبر أزمانٍ مختلفة، في غيابه التام وحتى بعد موته.

الانفصال بين الصوت وصاحبه هو ما لم تكن اللغة الفقهية الكلاسيكية تملك مفرداتٍ كافية له، ولهذا اضطر المطيعي إلى الفلسفة، واضطر الزواوي إلى القياس المُطوَّل، واضطر الشربيني إلى السلطة. كل واحد منهم لجأ إلى الأداة الوحيدة المتاحة له لمواجهة شيء لم يكن الفقه قد رأى مثيله من قبل.

اليوم، حين تسأل هل يجوز توليد صوت يتلو القرآن بالذكاء الاصطناعي، وهل يثاب مولّده، أو هل يجوز أن تحفظ خوارزمية نمط تلاوة قارئ بعينه وتُعيد إنتاجه (انظر: فتوى حديثة تخص نفس الموضوع من خلال هذا الرابط)، تجد أنك تقف في المكان ذاته الذي وقف فيه بامب وهو يُقنع الشيخ محمد سليم بالجلوس أمام الأسطوانة. الأسئلة هي هي، والأدوات تغيّرت، والفقه لا يزال يلهث خلف التقنية، يحاول أن يُسمّي ما لا اسم له بعد.


جدول لكل تسجيلات القرآن التي سجلت في الفترة بين ١٩٠٣ و١٩١٤:

المؤديعنوان التسجيلالشركةرقم الأسطوانة رقم المصفوفةالتاريخملاحظات
الشيخ محمد سليمسورة يوسفبِكاBeka13471347نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الرحمنبِكاBeka13481348نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة مريمبِكاBeka13491349نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الكهفبِكاBeka13501350نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة طهبِكاBeka13511351نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الإسراءبِكاBeka13521352نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الختمبِكاBeka13531353نوفمبر 1905غير معروف على وجه الدقة ما المقصود بـ “سورة الختم” لكن من الوارد أن تكون سورة الناس هي المقصودة
الشيخ محمد سليمسورة إبراهيمبِكاBeka13541354نوفمبر 1905ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة القيامةأوديون Odeon45157-145157-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الأبرارأوديون Odeon45159-145159-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة المزملأوديون Odeon45174-145174-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الحقأوديون Odeon45176-145176-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة القمرأوديون Odeon45178-145178-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الإسراءأوديون Odeon45180-145180-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة يوسفأوديون Odeon45893-145893-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة مريمأوديون Odeon45895-145895-2ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ حسن خضرالآذان & سورة يوسفأوديون Odeon4749347494ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ حسن خضرسورة مريم & سورة طهأوديون Odeon4749547496ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ حسن خضرسورة إبراهيم & سورة الكهفأوديون Odeon4549745498ـــــــــــــــــــحوالي 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة مريمزونوفونZonophoneX-1020419233 ½أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة يوسفزونوفونZonophoneX-1020429234أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة طهزونوفونZonophoneX-1020439235أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الإسراءزونوفونZonophoneX-1020449236أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الكهفزونوفونZonophoneX-1020459237أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الحاقةزونوفونZonophoneX-1020469238أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة إبراهيمزونوفونZonophoneX-1020479239 ½أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الأبرارزونوفونZonophoneX-1020489240أكتوبر 1906ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة القيامةبيضافونBaidaphon36020/136021/236020/136021/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة المزملبيضافونBaidaphon36022/136023/236022/136023/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الأبراربيضافونBaidaphon36024/136025/236024/136025/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الحاقةبيضافونBaidaphon36026/136027/236026/136027/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة طهبيضافونBaidaphon36028/136029/236028/136029/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة مريمبيضافونBaidaphon36030/136031/236030/136031/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الكهفبيضافونBaidaphon36032/136033/236032/136033/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة الإسراءبيضافونBaidaphon36034/136035/236034/136035/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة إبراهيمبيضافونBaidaphon36036/136037/236036/136037/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ محمد سليمسورة يوسفبيضافونBaidaphon36038/136039/236038/136039/21912-1913ـــــــــــــــــــ
الشيخ عويس الأنصاريسورة يوسفأورفيونOrfeon1098910391913-1914ـــــــــــــــــــ
الشيخة مبروكةسورة الإسراءأورفيونOrfeon11819A11820B20951914ـــــــــــــــــــ
الشيخة مبروكةسورة مريمأورفيونOrfeon11823A11823BX8008AX8008B1914رقم المصفوفة لا يتماشى مع باقي الأرقام لكن يتضح أن شركة أورفيون كانت عشوائية جدًا أثناء الترقيم
الشيخة مبروكةسورة النساءأورفيونOrfeon11825A11826B210021011914ـــــــــــــــــــ
الشيخة مبروكةسورة يونسأورفيونOrfeon11845A11846B212221231914ـــــــــــــــــــ

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف