إرثُ العمامة | الطرب المشيخي في غناء أم كلثوم وعبد الوهاب

مقالات - كتابة: عبد الرحمن الطويل - ٢٠٢٦/٠٣/١٨
إرثُ العمامة | الطرب المشيخي في غناء أم كلثوم وعبد الوهاب
تحميل...

منذ فجر العصر الحديث، لم يرتبط المشايخ بمجالٍ خارجَ تخصصاتهم الشرعية كما ارتبطوا بالغناء، ولم تتزاحم العمائم بعد تزاحُمها تحت أعمدة المساجد وفي حلقات الذكر كما تزاحمت في سهرات الطرب ومجالس السلطنة. بل يمكننا القول إنّ الامتداد والتداخل الطبيعي بين تلاوة القرآن والإنشاد الديني والذكر الصوفي، وبين الغناء الدنيوي وعزف الآلات الشرقية الكلاسيكية، قد جعل فنون الغناء العربي الحديث تنشأ تحت أجنحة عباءات المشايخ وبين طيّات قفاطينهم.

تتفاوت قوة هذه الحقيقة من بلد عربي لآخر، لكنها تستغرق معظم البلاد العربية، مِن عراق عثمان الموصلي إلى سورية علي الدرويش، إلى تونس خميس الترنان، مرورًا بمصر عبد الرحيم المسلوب وإبراهيم المغربي وسلامة حجازي ودرويش الحريري وسيد درويش وزكريا أحمد.

مَثّلَت البيئة الدينية الحاضنةَ التعليمية والتثقيفية الأولى لطالب الغناء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. بدءًا مِن حفظ القرآن وتجويده بوصفه التمرين الأول لإجراء الصوت على النغم، وضبط الحروف وتصحيح مخارجها لاكتساب اللياقة اللغوية لأداء أي نص، ثم التلاوة التطريبية في المآتم والأفراح لإطراب الحاضرين في احتفالات كانت تقام لثلاث ليالٍ ولسبع. عدا عن سهرات الإنشاد الديني لإحياء الاحتفالات الدينية كالمولد النبوي وموالد آل البيت والأولياء، وليالي الإسراء والمعراج ونصف شعبان وليالي رمضان وفجره، والاحتفالات الدنيوية مِن أعراس ومواليد وختان ونجاح وتملُّك؛ بما اشتملت عليه هذه السهرات من محفوظ شعري ونغمي وارتجال تطريبي وذخيرة من المدائح والتواشيح. ثم تأتي حلقات الذكر الصوفي بما حوت من القصائد والموشحات التي تجمع الأداء الجماعي مع الارتجال الفردي. كفلت كل هذه المجامع لحاضرها وممارس فنونها تهذيبًا رفيعًا للصوت، وتدريبًا مكثفًا على الأداء النغمي، وذخيرة لا تفنى من المحفوظات التي تصلح للأداء والاستلهام، نصوصًا وألحانًا.

ورغم أنّ الغناء العربي قد مر منذ عشرينات القرن الماضي بموجات كبيرة من التحديث، الذي اعتمد بالأساس على الاحتكاك بالموسيقى الغربية واستلهام كثير من أفكارها ومذاهبها وتقنياتها، فإنّ هذا التحديث قد مارسه بالأساس مشايخ وأبناء مشايخ وتلاميذ مشايخ، وعوا ضرورتَهُ وذهبوا إليه بكامل جيناتهم المشيخية. على رأس هؤلاء سيد درويش، الشيخ، ومحمد القصبجي، الشيخ ابن الشيخ، ومحمد عبد الوهاب، ابن الشيخ وتلميذ المشايخ وجليسهم. احتفظ هؤلاء – وهُم يمارسون التحديث – بكامل معارفهم المشيخية، وبكامل حقهم في استعمالها في السياقات التي رأوا أنها جديرة بالبقاء فيها، وما أكثرها. لم يكن قصد هؤلاء التغريب، بل التحديث، وبين المفهومين فرق كبير لم يغب عنهم قطُّ مهما ابتعدت نتائج هذا التحديث عن الأصل القديم.

إذا كان النصف الأول من القرن العشرين قد شهد تحوُّلًا تدريجيًّا للغناء العربي مِن صناعة يغلب عليها المشايخ أصحاب العمائم إلى مهنة يغلب عليها الأفندية أصحاب الطرابيش، فقد بقي عدد كبير من المشايخ ممارسين فاعلين في المجال الغنائي حتى منتصف القرن العشرين، مثل علي محمود ومحمود صبح وزكريا أحمد وأمين حسنين، بل إنّ أسماء أخرى جددت هذا الحضور طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، مثل الشيخين سيد مكاوي وإمام عيسى، وإن تبدلت الثياب والألقاب.

بكل هذا الحضور ثبَّت الأداء المشيخي تقنياته في الغناء العربي لعقود طويلة، ونعني بها تقنيات الإطراب التي يمارسها الشيوخ، القارئ في تلاوته على دكته، والمنشد في إنشاده مع بطانته أو حلقته. تسلل إلى الغناء العربي عدد كبير من تقنيات الأداء المشيخي يستعصي على الحصر، وظل يحظى بإعجاب الجماهير وطربهم وطلبهم واستعادتهم لعقود، ما جعل الملحنين والمطربين يقصدون إليه قصدًا، ورغم موجات التحديث العنيفة والمتلاحقة فإن تقنيات الأداء المشيخي لم تختفِ تمامًا من الغناء قبل سبعينات القرن العشرين، أي مع أفول الغناء الطربي ذاته.

في حدود التراث المسجل، وبمقاربة أخرى للأمر يمكننا القول إن الغناء الرجالي كله في مصر بدأ مشيخيًّا، ولم يخرج عن هذه المشيخية إلا ألوان الغناء الشعبي التي تنتسب إلى طوائف الصُّنّاع وأهل الحِرَف أكثر مما تنتسب إلى المطربين المحترفين، ولم تنضج للغناء الرجالي صيغة مدنيّة – أي غير دينية، بمعنى أنها تخلو أو تكاد مِن تقنيات الأداء المشيخي – إلا مع نضج الأغنية السينمائية في الأربعينات، ولم تتأكد هذه الصيغة الجديدة إلا مع منتصف الخمسينات وصعود عبد الحليم حافظ الذي تغير معه شكل الغناء الرجالي صوتًا وأداءً.

أما الغناء النسائي فبدأ “عوالميًّا” نسبة إلى العوالم، أي الراقصات، ولهُنّ تقنيات أدائية تختلف اختلافًا بعيدًا عن أداء المشايخ، وبلغت هذه العوالمية ذروتها مع منيرة المهدية. لكنّ الغناء النسائي أخذ في التحوُّل إلى المشيخية على استحياء مع فتحية أحمد، بنت الشيخ، ثم تأكد هذا التحول مع أم كلثوم، بنت الشيخ أيضًا، بصورة صارمة ونهائية قضت على غناء العوالم، وأنتجت جيلًا من المطربات اللاتي غلب عليهن الأداء المشيخي. لم تنضج للغناء النسائي صيغة مدنية إلا مع أسمهان وليلى مراد في نهاية الثلاثينات، وبتشكيل يرجع الفضل الأكبر فيه إلى فكر محمد القصبجي.

يحاول هذا المقال رصد تقنيات الأداء المشيخي التي حافظت على حضورها في الغناء العربي لعقود، مُركزًا على أم كلثوم وعبد الوهاب، قُطبَيْ الغناء وصاحبَيِ النصيب الأكبر في تشكيله وتطويره خلال القرن العشرين.

رغم تمكُّن كليهما في الصناعة المشيخية، فقد كانت أم كلثوم – بواقع الممارسة العملية – أشد تمكُّنًا فيها وأكثر استعمالًا لها من عبد الوهاب، ويمكن رد هذا إلى عدة أسباب:

أولها: أن أم كلثوم في أصل نشأتها الفنية شيخة بنت مشايخ، ولدت لأب مُنشد وترعرعت في بطانته، وتشرّبَت منها فنون الإنشاد الديني وخصائص “قِوالته”، ومارست فيها دور “السنّيد” حينًا، قبل أن يحملها صوتُها إلى المقدمة فتُصبح هي الشيخة المنشدة ويتراجع أبوها إلى صفوف الجوقة. خلال السنوات الطويلة التي قضتها أم كلثوم في هذه المرحلة تشبعت بخصائص القوالة الإنشادية من قفلات وزخرفات وإعادات وارتجالات وتسليمات واستلامات، وتمكّنت هذه الخصائص مِن جيناتها الغنائية.

أما عبد الوهاب فبرغم أن نشأته السماعية كانت دينية، وأنه تَشَرَّب مِن هذه النشأة قدرًا كبيرًا من الجينات المشيخية، فإنّ نشأته الفنية أخذت مسارات مختلفة لم تعرفها أم كلثوم، إذ غنّى مبكرًا في الفِرق المسرحية، فعمل مع فرقة فوزي الجزايرلي، ثم فرقة عبد الرحمن رشدي، ثم تحوّل إلى الدراسة الأكاديمية – بمعايير العصر – من خلال دخول نادي الموسيقى الشرقي، ثم عمل قليلًا مع فرقتَيْ الكسار والريحاني قبل أن يلتقي بسيد درويش ويعمل معه في مسرحياته.

كان عبد الوهاب في كل هذا يحتك بالمشايخ الملحنين والمعلمين، كدرويش الحريري في النادي، وسيد درويش فيما بعد، كما كان يمارس العشرات من تقنيات الأداء المشيخي التي كان الغناء العربي الكلاسيكي متشبعًا بها آنذاك، لكنه كان منفصلًا عن الممارسة المشيخية ذاتها، ممارسة الإنشاد الديني، التي ظلت أم كلثوم مقتصرةً عليها حتى عام ١٩٢٤.

السبب الثاني لكون أم كلثوم أمكَنَ في المشيخة من عبد الوهاب: أنها ظلت متحدة بالجمهور، وفية للغناء على المسرح حتى يومها الغنائي الأخير، والغناء أمام الجمهور يفرض على المطرب اعتماد كثير من تقنيات الإطراب لإرضاء الجمهور وإسعاده، ما سيفرض عليها بالضرورة استدعاء التقنيات المشيخية من إعادات وارتجالات وقفلات حرّاقة وتغييرات وزخارف، ما يعني أن أم كلثوم ظلت تمارس المشيخية بكثافة حتى حفلها الغنائي الأخير.

أما عبد الوهاب فانقطع مبكرًا عن الغناء المسرحي، ما جعله في حِل من إرضاء الجمهور بصفة فورية، ومنحه فسحة لأداء أغانيه، عبر الإذاعة والأسطوانات والسينما، بالصورة التي يرتضيها فنيًا، مشتملةً على القدر الذي يراه ضروريًّا للحن من تقنيات الأداء المشيخي دون حاجة إلى إرضاء الجمهور بالمزيد.

أما السبب الثالث: فلأنّ اشتباك الملحن المفكر بالمغني المؤدي في شخصية عبد الوهاب فرض عليه في كثير من الأحيان تقديم الأول منهما، مِن أجل تقديم فكرته اللحنية إلى الجمهور كما يريدها هو لا كما يريدها الجمهور، ولما كان عبد الوهاب صاحب مشروع تحديثي يعتمد في كثير من تفاصيله على استلهام أفكار وتقنيات غربية، فقد فرض عليه هذا تحجيمَ الأداء المشيخي في كثير من المواضع وتأجيله إلى مواضع أخرى.

أما أم كلثوم فأفادتها شخصيتها المنفصلة عن شخصيات ملحنيها في إعادة صبغ اللحن بالروح التي تريدها وتقديمه للجمهور مُطعّمًا بالتفاصيل التي تحبها ويحبها الجمهور، ومهما بلغ جنوح اللحن إلى التجديد والابتعاد عن المشيخية – كما حدث في كثير من ألحان القصبجي مثلًا – فإنها كانت على المسرح تُطعّمه بتقنيات الأداء المشيخي لإرضاء الجمهور، وفي النهاية تنتصر المطربة التي فيها على الملحن، بعكس ما حدث مع عبد الوهاب.

رغم هذا كله فإن النشأة المشيخية السماعية لعبد الوهاب جعلت كثيرًا من تقنيات الأداء المشيخي باقية في أصل عمله التلحيني، محتفظة بحضور ملحوظ حتى في أشد ألحانه حداثةً وثورة.

الظواهر المشيخية في أصل التلحين

لأنّ التلحين أسبق من الغناء، ولأنه يؤثر بالضرورة في خيال المغني فيما بعد، فسنحاول الإحماء إلى فكرة المقال، برصد بعض الظواهر المشيخية في العملية التلحينية ذاتها.

أولى هذه الظواهر وضعُ جُمَل مشيخية الطابع، من حيث إنها جُمل طويلة عريضة منتهية بقفلات حراقة، ونعني بصفة عريضة أنّ كل جزء منها مشغول بما يحتمله مِن زيادات وحِليات، ما يجعل هذه الجُمَل أشبه بالجُمل النغمية التي يؤديها القُراء على دكة التلاوة.

ثمة جملتان متشابهتان في تراث عبد الوهاب المبكر تمثلان هذه الفكرة خير تمثيل، الأولى جُملته اللحنية لبيت شوقي من قصيدة رُدت الروح:

يا نعيمي وعذابي في الهوى / بعذولي في الهوى ما جمعك

والثانية جُملته اللحنية من مقام الرست لبيت:

لم أدرِ ما طيبُ العناق على الهوى / حتى ترفّقَ ساعدي فطواكِ

في قصيدة يا جارة الوادي.

يبدو النفَسُ المشيخي في الجملتين جليًّا، من حيث الطول والعرض والتقسيم والسكتات، ثم القفلة الممتلئة المخروطة، ويبدو عبد الوهاب – لو تجاهلنا النص المغنَى – شيخًا على دكة في مسجد أو سُرادق، ولو أننا حذفنا الموسيقى وأسمعنا المقطعين لمستمع غير عربي، ثم أسمعناه مقطعًا من تلاوة على مقام الرست لما شعر بفرق بينهما.

قفلة بيت “فطواكِ” تحديدًا تبدو أشهر مشيخيةً، لأنها بعينها تقريبًا من قفلات الرست الشائعة عند القراء، نسمعها كثيرًا عند الشيخ محمد رفعت، ونسمعها أكثر – لاحقًا – عند الشيخ مصطفى إسماعيل، ما يجعلها من مظاهر التأثير والتأثر الجلية بين القراء والمغنين، ويفتح بابًا لسؤال مشاغب عن مصدرها الأول، هل أخذها عبد الوهاب من الشيخ رفعت أم يمكن أن يكون قد حدث العكس؟

الإجابة القاطعة متعذرة، لأننا لا نملك تسجيلات للشيخ رفعت من النصف الثاني من العشرينات، ولا لأي قارئ من القراء المعروفين. لكنّ الراجح عندنا أن عبد الوهاب هو من أخذها من المشايخ، رغم أننا نملك لها مثالًا ثانيًا بصوته في أغنية في الليل لما خلي، لكننا نرجح أنه هو الذي أخذها لأنه لم يكن معتادًا في عمل القراء أن يأخذوا قفلات أو جُمَلًا لحنية بعينها من الأغاني؛ ولسنا نملك مثالًا آخر يُتكأ عليه لجعل هذه الفكرة محتملة، فلو أنهم اعتادوا الأخذ لوجدنا في تلاوات الجيل الأول أمثلة أخرى لقفلات لها نظيرها في الأغاني المعاصرة، وهو ما لم يقع قط. كما أنّ الشيخ رفعت كان أسنّ وأقدم من عبد الوهاب بنحو عشرين سنة، ما يقطع بأن أسلوبه الأدائي كان ناضجًا ومكتملًا في الفترة التي ظهرت فيها هذه الألحان، فلم يبق إلا أن عبد الوهاب هو الذي أخذ هذه القفلة من المشايخ، وأنها إحدى أشد ظواهر مشيخيته صراحةً ووضوحًا. 

يحفل تراث عبد الوهاب المبكر بظواهر مشيخية أخرى في أصل التلحين، كإفساحة مساحة للاستعراض الصوتي في جُمل لا تبدو بنيتها الأصلية بحاجة إليه، لكنه يخرج إليه قصدًا حتى يتحول أداؤه فيه إلى ما يشبه التفريد الذي يُراد به استعراض جمال الصوت في الطبقة العالية وقدرته على الزخرفة، لكنه تفريد وهمي، موضوع في أصل اللحن. لعل ما فعله بشطر “ولا قادر قلبي يسلاك” مِن ختام كلنا نحب القمر أفضل مثال لهذه الظاهرة.

لكنه في ختام يا ترى يا نسمة طوّر هذه التقنية ليمزج بها تقنية مشيخية أخرى، وهي صناعة جُمَل نغمية مطولة من تكرار لفظ واحد، حين أعاد يا ترى ٢٦ مرة صاعدًا بها من القرار إلى الجواب، ثم هابطًا منها إلى القفلة على القرار مرة أخرى.

ما فعله عبد الوهاب في هذا المثال ظاهرة مشيخية بامتياز تكثر في أداء المنشدين، حين يلجؤون إلى التطريب بإعادة كلمة أو جُملة قصيرة مرات عديدة، صانعينَ منها جُمَلًا نغمية غير موجودة في أصل اللحن، وتبدو إعادات أداة النداء مِن جُملة “يا نجم الهدى” التي أتى بها الشيخ طه الفشني في توشيحه الشهير يا أيها المختار أشبه شيء من عمل المنشدين بما عمله عبد الوهاب في هذا المثال.

وإذا كان عبد الوهاب شيخًا بالسماع والتلقي، فقد كان زكريا أحمد شيخًا بالنشأة والممارسة والزي والهوية، ويمكننا أن نرصد الظاهرة السابقة عنده مِن زاوية مختلفة، في إعاداته لكلمة بُكرة من مطلع أغنية بكرة السفر.

في حوار إذاعي شهير له، ذكر زكريا أنه حين تسلم كلمات الأغنية من رامي فوجئ أنّ مذهبها المكتوب لا يتجاوز كلمتين “بكرة السفر” وأحس أنه وقع في مأزق، حتى اهتدى إلى تكرار الجُملة وكلمة بُكرة بالصورة التي خرج عليها اللحن.

ما فعله زكريا لم يكن مجرد استلهام من عوالم الإنشاد الديني، بل إنّه يستبطن لجوءًا لا شعوريًّا إلى عوالم حلقات الذكر التي عرفت ممارسة الذكر بتكرار اسم واحد “الله – حي – هو”.

زكريا، الأشد مشيخية، هو الأكثر لجوءًا إلى تقنية تكرار اللفظ في بناء جُمله النغمية الأصلية، ويمكننا رصدها في ألحانه حتى النهاية “برضك أنا برضك أنا برضك أنا أنا أنا أنا أنا أنا أنا أنا أنا أنا عندي أنا أنا أنا عندي أمل” هذه هي الجُملة اللحنية الأصلية التي لا تستطيع أم كلثوم أن تنفلت منها، وإن لجأت في بعض الأحيان إلى نطق أنا والسكت على أخرى هروبًا من كثرة التكرار، وفي ختام الرحلة لحّن لها “واليوم اليوم اليوم بسنة”.

يقدم لنا زكريا في تلحينه ظاهرة مشيخية أخرى، هي الوقفة المشيخية على لفظ بعينه، لا مِن حيث كونها قفلة مشيخية كالتي مثّلنا لها بعمل عبد الوهاب، بل مِن حيث إن هذا اللفظ يوقف عليه عند المشايخ بهذه الطريقة، كالوقف في الأعلى بعد صعود نغمي على جُملة “يا رب” على طريقة المنشدين في الدعاء والمناجاة، وهو ما فعله في تلحينه لشطر “هي اللي كانت لي يا رب في عمري” من أغنية يا عين يا عيني، وهي التقنية التي طوّرتها أم كلثوم واستعملتها في تفاريدها كما سنرى بعد قليل.

مِن زكريا أحمد إلى رياض السنباطي ننتقل إلى ظاهرة أخرى من الظواهر المشيخية في التلحين، وهي بسط المساحة النغمية في غُنن الميم والنون، هذه الظاهرة التي أكثرت أم كلثوم من استعمالها بعد ذلك في تصرفاتها وتفاريدها، وضعها السنباطي في أصل واحد من أقدم ألحانه لأم كلثوم، لما انتي ناوية تهاجريني، حين جعل هبوطه من ذروة الانفعال الطربي إلى قفلة ختام الأغنية في غُنة الميم مِن جُملة “أمّال دموعك كانت ليه”. 

هذه تقنية تلاواتية بامتياز، إذ لما كان قارئ القرآن محكومًا بالمقادير الوقتية المحددة للحروف لا يستطيع تجاوزها، فقد بات مضطرًا إلى استغلال المساحات التي تتيحها الأحكام في بعض الحروف، ومنها غُنة الميم والنون التي تُقدر مساحتها في التجويد بحركتين، ومع ما يتصف بها صوتا الميم والنون مِن لين وأنفيّة، باتت هذه الغُنن من المواضع الأثيرة عند القراء للإتيان بعُرَب وزخارف وحِلَى صوتية لا تتأتى مع الحروف الشديدة، وسنرى بعد قليل كيف تشبّعت أم كلثوم بهذه التقنية حتى استطاعت أن تُنتج منها أشكالًا عديدة ومنوعة من التصرفات النغمية.

على أننا لا يمكننا أن نتجاوز رياض السنباطي دون الحديث عن واحدة من أهم الخصائص المشيخية التي تجلت في التلحين والغناء معًا، وكان السنباطي فارسها الأشهر في التلحين، وهي العناية بالقفلات، بتكثيرها وتكثير ترددها في العمل، وتجويدها وخرطها، ومنطَقَتها وتوتير الانفعال قبل الوصول إليها بحيث تُصبح مدهشة “حرّاقة” يطير معها صواب الجمهور. 

تمكّنَت العناية بالقفلة مِن فكر السنباطي بشكل صبغ جميع قفلاته تقريبًا بهذه الصفات، مهما اختلفت حظوظها مِن هدوء السياق السابق عليها أو انفعاله، كان السنباطي قادرًا على منطقَتها وتعبئتها طربيًّا في كل الأحوال، سواء جاءت بعد ذروة ارتفاع صوتي في مقطع موقّع، مثل قفلة “أين المفر؟” في رباعيات الخيام وقفلة “أنت ظالمني وأنا راضي” في جددت حُبك، أم أتت بعد ذروة تعبير نفسي في مقطع مُرسَل، كقفلة “من فرحة القلب ساعة ما يلاقيك وياه” في هلت ليالي القمر، وقفلة “دا أنا عشت أكتر من حياتي بحبك” في ليلي ونهاري، وحتى ختام الرحلة مع قفلة “واستبقِ العتابا” في مِن أجل عينيك.

يمثل السنباطي ذروةَ تطور الفكر التلحيني في العناية بالقفلات، ما يجبرنا على مقارنته بالشيخ مصطفى إسماعيل الذي مثّل ذروة العناية بالقفلات في فكر القراء، إذ رغم أهمية القفلات في الأداء المشيخي، فإنّ الشيخ مصطفى إسماعيل قد بلغ بها درجة عليا من التطور والتجويد لم تكن معروفة قبله في التلاوة، مِن حيث تكثيرها وتجويدها وبناء الجُمل عليها وجعلها الذروة الطربية التي ينتظرها الجمهور، صنع الشيخ مصطفى بالقفلات في التلاوة ما صنعه السنباطي بها تمامًا في التلحين.

وإذا كانت هذه الظاهرة واضحة في عمل السنباطي منذ بواكير ألحانه، فإنّ ظهور الشيخ مصطفى في منتصف الأربعينات – وهي الحقبة التي تَسَيّدَ معها السنباطي صوت أم كلثوم، وبدأ فيها تلحين قصائدها الكبرى-  أوجدَ تزامُنًا بين عمل الرجلين صعد بالقفلات إلى ذروة الذوق السماعي عند مستمعي التلاوة والغناء على السواء، وأوحى بأثر فكري متبادَل بين الرجلين، إن لم يكن مقصودًا، فهو أثر الحقبة التي بلغت فيها الصناعتان، التلاوة والتلحين، أوج تطورهما الفني على أيديهما. 

الظواهر المشيخية في عمل الغناء

يبدو الإتيان بالظواهر المشيخية في عمل المغني أقرب إلى الطبيعة المشيخية ذاتها، إذ يظل عمل الشيوخ في التلاوة والإنشاد أقرب إلى نمط الأداء اللحظي الذي يمارسه المغني، منه إلى نمط التفكير المتمهل والتخطيط المتأني الذي يمارسه الملحن، ما يجعل للسياق الزماني والمكاني ومزاج المؤدي ومزاج الجمهور دورًا كبيرًا في استدعاء كثير من تقنيات الأداء المشيخية. لذلك كانت الظواهر المشيخية التي يمكن رصدُها مِن الغناء أكثر وأشد تنوعًا من تلك التي نجدها في التلحين، ومن هنا تتسيّد أم كلثوم هذا القسم من المقال، لاعتبارات تتعلق بتفرُّغها للغناء ووفرة تسجيلاتها المحفلية.

أولى هذه الظواهر إتقان مخارج الحروف وصفاتها، والإبداع بها طربيًّا وتعبيريًّا، ومن المنطقي أن تكون أم كلثوم ملكة متوجة على هذا العرش، إذ قضت عقدين مِن عمرها مُنشدة بين مشايخ، مُقتصرةً على مدائح الموالد وقصائد الذكر، ما كفل لها تدريبًا مطوّلًا على النطق الفصيح، كما أنّ معايشتها الطويلة للمشايخ بدءًا من والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، مرورًا بشيخها الأول أبو العلا محمد، ثم الشيخ زكريا أحمد، قد برمجَت سمعها ونُطقها على الصفات القياسية للحروف.

يتجلى إتقان أم كلثوم لمخارج الحروف وصفاتها في كثير من مواضع غنائها، بل ومواضع حديثها العادي، لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى موضعين من غنائها يتعلم منهما طالب التجويد قبل طالب الغناء، الأول غناؤها لعبارة “لزمانٍ مضى” من قصيدة القصر المهجور في فيلم دنانير عام ١٩٤٠، إذ حققت ترقيق الميم وتفخيم الضاد ومخرج الضاد بصورة مثالية لا مزيد عليها، ولم يُسبب تجاور الميم المرققة والضاد الغليظة المفخمة أي تأثير مذموم بين الحرفين.

الموضع الثاني غناؤها لشطر “وقلبي ع الرضا ناوي” في أغنية الحب كده؛ إذ حافظت على ترقيق الراء المكسورة ولم تتورط في تفخيمها بأثر الضاد المجاورة، ولو وقعت في هذا الخطأ لفخمت معها العين السابقة أيضًا، لكنها كانت أتقنت أداء هذه الحروف منذ القديم.

لا يُشكل على هذه النقطة تساهل أم كلثوم أحيانًا في مخارج بعض الحروف غير المنطوقة في اللهجة القاهرية، كحرف الثاء، الذي تساهلت فيه أحيانًا في الأطلال فنطقت “هل رأى الحب سكارى مِسلنا” لأن هذا التساهل إنما جاء مسايرة لعُرف سائد في هذه الفترة، يرى عدم ضرورة الالتزام بالمخارج الصحيحة إلا في تلاوة القرآن. أما في أشكال الأداء الأخرى، بما فيها الإنشاد الديني، فمن حق المؤدي أن يتساهل قليلًا تبعًا للهجته. لم تكن أم كلثوم مسؤولة عن هذا العُرف، ولو أنّ الأمر أثير للنقاش ولقي موقفًا صارمًا من المؤسسات اللغوية والثقافية المعنية لكانت أم كلثوم أقدر الناس على الوفاء بالنطق الصحيح.

على أنّ معرفة أم كلثوم بالمخارج والصفات تتجاوز مسألة الصحة والمعيارية، إلى أفق أوسع تتحول فيه صفات الحروف إلى أدوات للتطريب والتعبير.

مثّلت غُنة الميم والنون ملعبًا فسيحًا لأم كلثوم، قدمت فيه عشرات التصرفات الطربية مِن عُرب وزخارف وهبوطات نغمية عميقة وأدت عليه جُملًا نغمية كاملة بشكل يفوق مساحة التخيل، أسبق الأمثلة حضورًا هنا غُنتها لميم “كم” من شطر “كم بنينا من خيال حولنا” وبلغت بها العناية بهذه الغُنة أنها كانت تسكت بعدها فينفجر الجمهور بالهتاف، لكنها فعلت ما هو أعقد حين أتت بالغُنة مطولةً تبلغ عشر حركات في كلمة خطوتين من عبارة “بيني وبينك خطوتين” من أغنية بعيد عنك في حفلة تونس، ولم يكن ما طرزته من الزخارف والجُمل النغمية المطولة في نون “نظرة” من حفلة المغرب الشهيرة لأغنية هو صحيح الهوى غلاب أقل تعقيدًا. لكنّ الغُنة التي غنّتها في ميم “الصمت” من شطر “أوشك الصمت حولنا أن يقوله” في حفل طنطا الشهير عام ١٩٦٩ لقصيدة هذه ليلتي، كانت غُنة ثلاثية الأبعاد، أشبه بالوقوع من فوق السحاب إلى قاع المحيط، حين صعدت إلى الجواب وهبطت منه داخل الميم لا بها.

أيضًا في أغنية دارت الأيام من حفلة مايو ١٩٧٠، حوّلت أم كلثوم صوت الميم إلى آلة موسيقية تغني بها لحن شطرات “أهرب من قلبي أروح على فين / ليالينا الحلوة في كل مكان / مليناها حب احنا الاتنين”، بعد أن أعادتها مرة أولى بالآهات، وهكذا، فجأة، اختفت كلمات مأمون الشناوي لتحل محلها ميم أم كلثوم على لحن عبد الوهاب وينفجر الجمهور طربًا.  

لئن كان هذا كله لعبًا بالحروف للتطريب، فقد تجاوزت أم كلثوم التطريب إلى التعبير بدرجة لا ينقضي العجب من دقتها ورهافتها، تتبدى تعبيرية أم كلثوم بالحروف في طرائق نطقها لحرفَيْ الحاء والعين، إذ كانت تخفف أو تثقل مِن صوت الحرف بحسب الشعور الذي يعبر عنه الكلام الذي وقع فيه.

يستدعي الذهنُ هنا حاء “حلو” من بيت “سمعناهم يقولوا العشق حلو وآخره علقم” في أغنية عن العشاق سألوني مِن فيلم سلامة عام ١٩٤٥، جعل زكريا كلمة حلو تتكرر في أصل اللحن ثلاث مرات، تفصل سكتة لطيفة بين أولاها والثانية. جعل هذا البطء في الأداء أم كلثوم تولي الجملة عنايتها بالتعبير الصوتي الألطف لتصوير معنى “العشق حلو”. تتميز الحاءات هنا، وخاصة حاء حلو الأولى بأنها أكثر إشراقًا وانفتاحًا من الحاءات المعتادة، لأنّ أم كلثوم أكسبتها تنهيدة تعبر عن حالة المحب الذي يستحلي الحب، وبتوصيف عملي بعيد عن الرومانسية ردت أم كلثوم مخرج الحاء في حلقها إلى الوراء قليلًا باتجاه مخرج الهاء، ما أكسب حاءها تنهيدة الهاء.

الأغرب منها والأشهر ما فعلته بحاء “حائر” مِن شطر الأطلال الشهير “وفَراشٌ حائرٌ منك دنا”، فعلت نفس الحيلة الصوتية، لكنها أبطأت خروج هذه الحاء المتنهدة بشكل يريك تردد الفراش الحائر الذي يتمثله ناجي، ما أغرق المستمع في حالة الاشتياق التي يعبر عنها.

أتت حاءٌ أخرى على العكس تمامًا من هاتين الحاءين، هي حاء “جرح” من بيت “نصيبي جرح من الهوى / مالوش دوا / يبرا عليه ويطيب” مِن أغنيتها الجميلة في نور محيّاك الهني بفيلم سلامة أيضًا. غلّقت أم كلثوم هذه الحاء وأخرجتها مخنوقة متيبسة كالهمزة، لتُشعرك بانطباق الصدر وانقطاع النفَس الذي يعانيه من لا يجد دواء لجرحه.

نجد تثقيل الهاء للتنهد في كثير من آهات الست، كما نجده عند عبد الوهاب في بعض المواضع، منها نطقه “كل داااه كان ليييه لييه” بتثقيل الهاء في جميع الكلمات، في بعض مواضع حفله الشهير للأغنية عام ١٩٥٤.

كثرة إعادات الجُمل والتصرفات فيها ظاهرة مشيخية أخرى في أداء أم كلثوم وعبد الوهاب وجيلهما، وفكرة الإعادة في الأساس وليدة الأداء الحي أمام الجمهور، في المساجد والسرادقات قبل المسارح والإذاعات، وبعيدًا عن التزام المؤدي بخطة صارمة تفرض عليه الإعادة في مواضع أو تمنعه منها في أخرى.

تهدف الإعادة أولًا إلى إشباع المستمع عبر ترديد الجُملة على سمعه عدة مرات حتى يمتلئ بها ويتشبّع منها، وهذه خصيصة قادمة مِن عصر ما قبل التسجيل، إذ ليس في يد المستمع شريط ولا أسطوانة يمكنه استعادتها متى شاء، ليس إلا المؤدي نفسه بشحمه ولحمه، وإذا ذهب فلن يعود، إلا في موعد محجوب عند علام الغيوب، وإذا انقضَت الجملة النغمية فلن تُعاد إلا إذا كان مِن حظ المستمع أن يحضر ليلة أخرى للمؤدي يقدم فيها نفس العمل. لذا تأكدت العادة بالإعادة عدة مرات حتى يتشبع المستمع في ليلته من كل جُملة ومَقطع، وإلا فقد غشه المؤدي وبخسه حقه من الطرب.

ثم تهدف الإعادة ثانيًا إلى الإمتاع والإدهاش، عبر التصرفات الطربية التي يأتي بها المؤدي في الإعادات، بعد الإعادة الأولى في الغالب، لدفع الملل عن المستمع الذي يطلب بنفسه إعادة الجملة عدة مرات، فطلبُه هذا لا يجعله في مأمن من الملل إذا كانت الجملة عادية أو أداء المطرب لها عاديًّا. كما أن أداء الجُملة عدة مرات دون تغيير يوحي بأن المطرب مجرد وسيط تسجيل يعيد ما سُجل عليه، ويطعن في موهبته ومعرفته النغمية وكفاءته الأدائية. لهذا كله كان على المغني كلما أعاد أن يتحف المستمع بتصرفاته الطربية، مِن زخارف وحِلًى نغمية، وترحيل أو تقطيع في الإيقاع، وسكْت في بعض مواضع الكلام، ومدّ للكلام في بعض مواضع السكت، وخروج سريع إلى نغمة مغايرة مع العودة في الوقت اللازم لصحة الجملة، وإضافة لبعض اللوازم اللفظية من آهات وليالٍ في مواضع لا تكسر الإيقاع، وصولًا إلى تغيير لفظة من الكلام نفسه إذا امتلك القدرة على ذلك.

تنتشر هذه التقنيات جميعها في حفلات أم كلثوم بشكل يستعصي على الحصر، فلا يمكن أن ننسى الزخارف البديعة التي أحدثتها في إعادة جملة “وقلبي من لقاك فرحان” في أغنية دليلي احتار حتى باتت ركنًا ثابتًا في أداء الأغنية؛ ولا إعادة تقطيعها لكثير من الجُمل، كقولها في هو صحيح مثلًا: “والهجر قالوا.. قالوا مرار.. آه وعذاب” هذه تحديدًا لعبة زكريا وكان يفعلها ببراعة، ومن المؤكد أنها تشرّبتها منه أكثر من غيره. لا ننسى أيضًا سكْتَها في بعض مواضع الكلام الذي كان يمتد أحيانًا إلى أبيات كاملة حتى نجد الفرقة تؤدي الجُملة الغنائية فيما عُرف بالترجمة. أنتج هذا السكتُ مقاطع موسيقية في غاية الجمال لم تكن موجودة في أصل اللحن، نجدها في حفلات أم كلثوم على امتدادها من يا طول عذابي حتى القلب يعشق الأخيرة. 

هناك فوق كل هذا مدها للكلام في بعض مواضع السكت كما فعلت في قفلة مذهب إنت عمري من حفلة تونس ١٩٦٨: “إنت إنتاااااا عمري” فأحلّت هذه الألف الجديدة محل إنت الثالثة؛ وهناك صعودها النغمي بـ”أطلقْ يديَّ” في بعض إعاداتها، والإضافات اللفظية التي يحتملها الإيقاع من آهات وتكرار لبعض الألفاظ وليالٍ وعيون في بعض الأحيان “ويبان لعيني يا عيني هواك”، أو تبديل بعض الألفاظ بأخرى من ارتجالها مثل “أشعل هوى القلب بشهد الرضاب”، و“النهار دا بعد ما فات الأوان”، و“شوف اليأس بيعمل إيه”.

تمثل حفلات أم كلثوم جنة ذات أنهار وعيون من فنون الإعادة المتنوعة، على أنّ الإعادة تظل خصيصةً قارّة حتى في تسجيلات الاستوديو، وإن أتت أقل عددًا وتنوُّعًا.

مِن بواكير عبد الوهاب تحضر إعاداته لمقطع “ما تقول لي ازاي انساك” في ختام كلنا نحب القمر باعتبارها صورة مثلى للإعادات المخططة والمُرتبة بعناية، كانت كل إعادة ملحمة أعظم من أختها، كما يبدو عبد الوهاب مغرمًا بالإعادات في حفله الجماهيري اليتيم لأغنية كل دا كان ليه، بشكل يدفعنا إلى التحسر على اعتزاله الغناء الجماهيري مبكرًا.

تنقلنا فكرة الإعادات والتصرفات فيها إلى ظاهرة أوسع مجالًا للتصرفات والإبداعات الشخصية، هي الارتجالات والتفاريد التي يمارسها المطرب حين يخرج عن اللحن الموضوع فيرتجل جُملًا لحنية مِن عنده على كلمات الأغنية. لا تخفى الجذور المشيخية لهذه الظاهرة، ففكرة الارتجال النغمي فكرة استأثر بها الشيوخ على اختلاف فنونهم القولية حتى باتت جودة الإبداع بها معيار تفاضلهم، فقارئ القرآن لا يقرأ السورة وفق لحنٍ موضوع سلفًا، بل إنه يرتجل نغمَهُ بديهةً. صحيحٌ أنّ ذهنَهُ قد يكون مشتملًا على بعض ملامح خطته النغمية، كالابتداء من مقام البياتي مثلًا، وكترتيب محدد للانتقال المقامي، وكقوالب الجُمل النغمية الأساسية التي يؤديها في كل مقام، لكنّ هذا كله لا يعني لحنًا مرسومًا. في لحظة التلاوة يُطلق العنان لبديهته لتأتي بنغم التلاوة وفق هذه الخطة أو سواها، وبحسب مزاجه واستعداده وحالة الجمهور، وما يفتح الله عليه من “التجليات” و”الفتوح” بتعبير السمّيعة، فإنه يبدع ويُدهش ويخرج على المألوف ويأتي بالجديد، حتى داخل القوالب المعتادة، التي لا يؤديها مرتين دون اختلاف بينهما.

ربما أدى المُنشد توشيحًا ملحنًا سلفًا، لكن أداء اللحن الموضوع إنما يكون من اختصاص البطانة المصاحبة، أما شيخهم فوظيفته أن يرتجل على أبيات التوشيح نغمًا جديدًا في مواضع الأداء الفردي، ولو اقتصر على أداء اللحن الرسمي معهم لما اعتبره الجمهور موجودًا من الأساس.

لأكثر من عشر سنين قبل شهرتها كانت هذه الممارسة الإنشادية عمل أم كلثوم وشغلها الشاغل، كما لم يكن الجمهور ليشبع أو يكتفي من ثروة صوتية بحجم أم كلثوم إذا اقتصرت على أداء الألحان المرسومة، لذا كان خروجها عن اللحن إلى التفريد ثابتًا لا يكاد يغيب عن الحفلات الكلثومية.

بحسب المساحات المفتوحة التي يمكن الخروج منها في اللحن كانت أم كلثوم تختار موضع التفريد، فرُبما فرّدت في المذهب، كما كانت تفعل في أغنية أهل الهوى، ورُبما فردت في بعض الكوبليهات أو جميعها. كما تأتي تفاريدها أحيانًا في مواضع مُرسلة بلا إيقاع، فيخرج التفريد بلا إيقاع، وأحيانًا تأتي في مواضع موقّعة، وربما غيرت الإيقاع بنفسها إذا طال التفريد، فالتقط العازفون منها الإيقاع الجديد. لرُبما غيرت المقام عدة مرات، ورُبما ثبّتت الجُمل الجديدة التي ارتجلتها بكثرة التكرار حتى التقطتها الفرقة وباتت تعزفها وراءها كفاصل موسيقي لم يكن له وجود في اللحن؛ كما فعلت في تفاريد “أتقلب على جمر النار” في أغنية أنا في انتظارك من حفل مارس ١٩٥٥، وربما رجعت من التفريد إلى اللحن الأصلي للمقطع قبل الانتقال منه إلى الذي يليه، وربما لم تفعل وصنعت لتفريدها نهاية مناسبة يمكنها الانتقال منها إلى المقطع التالي.

في كل هذه الأحوال كانت شهقات الجمهور تتعالى دهشة وترقُّبًا بعد أن نقلته من مرحلة تلقّي اللحن المحفوظ المتوقع، إلى تلقِّي الجديد المجهول، الذي يعلمون أنّ صاحبته نفسها لا تقدر على توقعه قبل الإتيان به.

مثّلت تفاريد أم كلثوم مساحة لظاهرة أخرى من أهم الظواهر المشيخية في الأداء الصوتي، هي الأداء من كل الطبقات، فقارئ القرآن يبدأ تلاوته غالبًا من أخفض درجة يستطيع الوصول إليها في طبقة القرار، ثم يرتفع بالتدريج وعبر بناء نغمي منظم إلى الجواب، فإذا تشبّع وأشبع من الأداء عليه ارتقى فيه حتى يبلغ جواب الجواب.

في تفاريدها، كانت أم كلثوم تبدأ من الطبقة التي أوقفت فيها اللحن، وهي الجواب غالبًا، لكنها خلال التفريد ترتقي حتى تبلغ جواب الجواب، كما فعلت بالآهات في تفاريد “والليالي” في أغنية لسه فاكر، وتفاريد “خاصمتك بيني وبين روحي” في حيرت قلبي، ورُبما اتجهت اتجاهًا معاكسًا فانخفضت بتفريدها إلى القرار، وبلغت درجات شديدة الانخفاض منه، كالتي أدت عليها عبارة “وبدا لي ما ألاقي” في حفل اذكريني الأخير عام ١٩٤٩.

الأداء من القرار في الأصل من خصائص الأصوات الرجالية، ويندر أن تقدر عليه الأصوات النسائية، لكنّ أم كلثوم، الشيخة التي تمكنت في المشيخة، ظلت تؤدي منه باقتدار حتى منتصف الستينات تقريبًا.

العناية بالقفلات ظاهرة أخرى من أهم الظواهر المشيخية التي حملتها التفاريد الكلثومية، صحيح أننا ذكرناها في عمل الملحنين قبل ذلك، لكنها هنا صفة أصيلة في عمل المطرب المرتجِل، فأم كلثوم وهي ترتجل تدرك جيدًا أن القفلة هي غاية الجملة النغمية وذروتها الإبداعية، لذا كانت تأتي في تفاريدها بقفلات لا تقل سبكًا وحبكًا عن قفلات الملحنين، بل كانت تمتاز عليها بأنها مفاجئة للجمهور شكلًا ووقتًا. بلغ بعض هذه القفلات درجة عالية من الصعوبة والتعقيد في تقنية أدائه الصوتي وفي تركيبه النغمي معًا، كقفلة “يحسبوا المواعيد” في تفاريد “زي القمر” من حبيبي يسعد أوقاته. لا أستطيع في هذا الباب تجاوز قفلة أراها أشد صعوبة، هي قفلة “ينقل له شوقي وأفكاري” التي أتت بها في تفاريد “لكن يا قلبي فين النسيم” في حفلة يا قلبي بكرة السفر عام ١٩٣٨، فقد بلغت هذه القفلة من الطول والقوة مع حُسن الخرط وكثافة الزخارف ما يعجز عنه الظن والتوقع.

كما تحيلنا بعض القفلات في تفاريد أم كلثوم إلى تراث ديني معروف، كالوقفة المشيخية على لفظ بعينه، مثل مناجاة “يا رب”، والتي إن كان زكريا قد فعلها في لحن يا عين يا عيني فقد فعلتها أم كلثوم بطريقة أخرى في تفاريد “يا رب هبت شعوب من منيتها” مِن حفل نهج البردة الشهير في دمشق عام ١٩٥٥.

القِوالة مع الموسيقى ظاهرة أخرى من أطرف الظواهر المشيخية التي يمكن رصدها في أداء هذا الجيل، فالشيخ بالأساس يقول منفردًا، لا مع موسيقى، لذا لم يتعود أن يسكت، وإذا أنشد مع بطانة فإنه يكون بطلها والمتفوق عليها. بهذا الطبع المتجذر كانت أم كلثوم تصدح بالآهات مع الفواصل الموسيقية فتُنسينا الموسيقى، إذ يمنعها مزاجها الطربي من السكوت مدة طويلة، كما أنه يدفعها إلى إظهار تفردها في كل موضع، ما جعل هذه الآهات من علامات الأداء الكلثومي التي لا تنتمي إلى شيء سوى جذورها المشيخية.

كان زكريا أحمد يمارس هذه القوالة مع الموسيقى بطرق أخرى، كترديد لفظ مع اللازمة الموسيقية، مثلما ردد “شوف شوف شوف” في أغنية الورد جميل، بل ربما نرى من هذه الزاوية ما فعله عبد الوهاب حين غنى بصوته مقدمة أسألك الرحيلا، رغم أنه يعزفها بعوده، لكن الشيخ الذي بداخله شغوف بأن يؤدي بنفسه.

إذا كانت الثروة الكاملة لإرث العمامة لم تجتمع إلا لأم كلثوم وعبد الوهاب وكبار جيلهما، فإنّ كثيرًا من تقنيات الأداء المشيخي ترسخت واطّرد العمل بها عند من أتى بعدهم من المطربين والمطربات، حتى لو لم تكُن الصفة المشيخية مؤثرة في هُويتهم الغنائية، وحتى لو انعدم حظهم من التأسيس المشيخي، لأن هذه التقنيات باتت من قواعد الغناء الطربي، فظلت باقية ببقائه، ولم تأفل إلا مع أفوله في نهاية السبعينات.

لئن كانت العمائم قد نُحّيَت عن رؤوس المُغنين في العشرينات، فإن أثرها ظل ممتدًا لنحو ستين سنة أخرى. لقد كان الغناء الطربي كله جزءًا من إرث العمامة، ولا عودة له إلا بروحها.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف